سجلوا عندكم

“شعراء الحرب الباردة” لجمال جمعة…مسار الحداثة العربيّة توثيقًا وبحثًا

Views: 85

محمود شريح

جمال جمعة في كتابه شعراء الحرب الباردة، ترجمة وتوثيقاً، عن دار المأمون (192 صفحة من القطع الوسط، بغداد)، يكرّ البصر ويعيد النظر، عبرَ وثائق ومستندات وشهادات وأبحاث، في مسألة شائكة في مسار الحداثة العربيّة، وهي مسألة تحتملُ أخذاً كما تحتملُ ردّاً، سيّما فيما يتعلّق بشعراء الحداثة العربيّة، عقبَ مقالٍ نشرته صحيفة The New York Times في 27 نيسان 1966 وادّعت فيه أنّ وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة (C.I.A) تموِّل “المنظّمة العالميّة لحريّة الثقافة”، وهذه منظّمة كانت تموِّل بدورها مجلّة حوار التي رأس تحريرها في بيروت الشاعر الريادي توفيق صايغ (1923-1971) بين عامي 1962 و1967، وتعرّضه إثر انكشاف أمر “المنظمة العالميّة لحريّة الثقافة” لأقسى أنواع الهجوم عليه وعلى المُساهمين في مجلّته حوار، ما أضطرّهُ إلى إيقاف المجلّة بعد تأكّده من صحّة ما أوردته الصحيفة الأميركيّة، فأصدرَ بيانه الشهير في 21 أيار 1967 يعلن فيه احتجابها. وهاجر إلى أميركة فكان محاضراً في عدد من جامعاتها كان آخرها في جامعة بيركلي في كاليفورنيا وهناك توفي إثر نوبة قلبيّة يوم 2 كانون الثاني 1971، ودفن في الثامن منه في مقبرة الغروب المطلّة على المحيط الهادىء في El Cerrito على مقربة من جامعة بيركلي. 

كتابُ جمال جمعة إضاءة كاشفة غنيّة، ولا بُدَّ منها لفهم الجوّ الثقافي السائد آنذاك في عدّة عواصم عربيّة، سيّما بيروت والقاهرة، ذلك أنّ صاحبه ترجم عدّة دراسات عن الإنجليزيّة، في طليعتها مبحث Elizabeth Holt “الخبز أو الحرّية: المنظّمة العالميّة لحريّة الثقافة ومجلّة حوار“، إضافة إلى مقالة إليوت كولا “بدر شاكر السيّاب شاعر الحرب الباردة”، ومقالة ثانية لـ Elizabeth Holt بعنوان “موسم الهجرة إلى الشمال والحرب الباردة الثقافيّة”، ومبحث فيليب جيرالدي “سبعون عاماً من التضليل” ومبحث جوش جونز “كيف موّلتْ وكالة المخابرات المركزيّة المجلّات الأدبيّة” ومقالة باتريك أيبر “مجلّات الاشتراكيين المموَّلة”، ومقالتي جويل ويتني “باريس ريڤبو والحرب الباردة” و”كيف رعتْ وكالة المخابرات المركزيّة المجلّات الهنديّة”. 

لعلّ كتاب جمال جمعة الأوّل من نوعه، من حيث مباحثه ووثائقه، يردُّ إلى حقبة الحرب الباردة تفاصيل التقاء بعض مثقّفي الحداثة العربيّة على الإنخراط فيها من وجهة فكريّة، واعين أو غيرَ واعين لمخاطر هذا الإنزلاق التاريخي آنذاك، واليوم، وبعد ستّين عاماً على إيقاف توفيق صايغ حوار، يمكن النظر إلى أزمتها بعيون مغايرة، ويبقى القول الفصل لهذه المسألة وارداً مما يأتينا لاحقاً من كشوفات جديدة تُميط أكثر فأكثر عن هيمنة الغرب الثقافيّة على مرافق الحياة الفكريّة في دنيا العرب، وعليه فكتاب جمعة مقدِّمة لا غنى عنها لمباحث جديدة مستقبليّة، أمّا وثائق كتابه فَهي شهادات أساسيّة تساهم في وضع أزمة حوار، دفاعاً عنها أو هجوماً عليها، في سياقها التاريخي، ذلك أنّ آراء السيّاب وأُنسي الحاج وعايدة مطرجي ادريس ومحسن ابراهيم ورجاء النقاش وصبري حافظ وصلاح عيسى وغالي شكري وعبّاس خضر وسامي خشبة ولبيب الصبّاغ ولبيب زيتون والطيّب صالح، تكملة مركزيّة لجهد جمال جمعة، ترجمة وتوثيقاً. 

كان هذا كان ياما كان زمن الحرب الباردة فكيف يكون الآن والحرب الساخنة مُستَعِرة، والأرجح أنّ ما كُشِف عنه حتى الآن بسيط بالقياس إلى ما يُكشف عنه عن قريب، هذا إنْ كُشِفَ، وهذا إن بقينا على ضهر هذه الفانية، وسط حروب داخليّة وخارجيّة، ناهيك عن طائفيّة ومذهبيّة، فواضحٌ إذاً أنّ الآتي أعظم، فالمسألة أقرب من موسكو وأقرب من واشنطن، إذ هي في طيّات النفوس، وليس مرآتها إلّا النصوص، وهذا كافٍ، والله أدرى بالسرائر وما تخفيه الصدور. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *