عندما يصبح السلاح لغة العالم… هل يجوز لنا الصمت؟
د. زهير علامه
يتسابق العالم نحو التسلّح، وتُقام أحلاف جديدة، وتُعقد اتفاقيات عسكرية ودفاعية، وتُنفق مليارات الدولارات شهرياً على شراء الأسلحة وتطويرها. تُرسَم خطط الحروب المقبلة، وتُسخَّر العقول البشرية لاكتشاف وسائل أكثر فتكاً وتدميراً، حتى بات الإنسان يوظّف أرقى ما وصل إليه علمه في ابتكار أسرع الطرق للقضاء على الإنسان نفسه.
وتشهد منطقتنا اليوم توسعاً متسارعاً في صفقات التسلح، ولا سيما منظومات الصواريخ والدفاع الجوي. ومن الأمثلة على ذلك التعاون الدفاعي وصفقات الصواريخ بين إسرائيل واليونان، والتي تُقرأ في سياق التوازنات العسكرية المتغيرة والتنافس الاستراتيجي مع تركيا في شرق البحر المتوسط.
قد تُوصَف هذه المنظومات بأنها دفاعية، وقد تؤكد الدول المعنية أن هدفها حماية أراضيها وتعزيز قدرتها على الردع. ومن حق كل دولة، من حيث المبدأ، أن تحمي شعبها وسيادتها. لكن السؤال الذي يجب ألا يُهمَل هو: متى ينتهي الدفاع ويبدأ سباق التسلح؟ ومتى تتحول الرغبة في تحقيق الأمن إلى سبب إضافي للخوف والتوتر وعدم الاستقرار؟
كل دولة تتسلح لأنها تخشى غيرها، فيما يتسلح الآخر بدوره لأنه يخشى تسلحها. وهكذا تتسع دائرة الخوف والشك، وتتحول الأسلحة التي يُقال إنها وُجدت للردع إلى وقود لسباق لا نهاية له. وتُقام أحلاف في مواجهة أحلاف أخرى، وتصبح منطقتنا خريطةً لمحاور عسكرية متقابلة، يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يشعل فيها حرباً واسعة لا يعرف أحد حدودها أو نهايتها.
قد يبدو هذا الكلام مثالياً، وكأنه بحث عن «جمهورية أفلاطون الفاضلة» أو عن عالم لا وجود له إلا في الأحلام. لكن هل يجوز لنا الصمت بحجة أن الواقع أقوى من المبادئ؟ وهل أصبحت المطالبة بالسلام والعدالة ضرباً من السذاجة، بينما يُعد التخطيط للحروب والتوسع في إنتاج أدوات الموت تعبيراً عن الواقعية والعقلانية؟
إن البشرية في خطر، وليس بسبب السلاح وحده، بل بسبب القوى النافذة التي تتعامل مع الحروب بوصفها سوقاً، ومع الشعوب بوصفها أرقاماً، ومع الدماء بوصفها ثمناً مقبولاً لتحقيق النفوذ والأرباح. تقف خلف كثير من الصراعات مصالح شركات السلاح، وحسابات السلطة، والتنافس على الموارد والممرات والأسواق. وفي النهاية، لا يدفع الثمن أصحاب القرار، بل الأطفال والنساء والفقراء والمرضى وكبار السن.
كم طفلاً ينام جائعاً فيما تُصرف الملايين على صاروخ واحد؟
كم طفلاً مريضاً ينتظر دواءً أو سريراً في مستشفى، بينما تُبرم صفقات السلاح بمليارات الدولارات؟
كم مدرسة يمكن بناؤها بثمن طائرة حربية؟
كم مستشفى يمكن تجهيزه بكلفة منظومة صاروخية؟
وكم عجوزاً يشتهي وجبة دافئة أو دواءً يحفظ كرامته، فيما تتنافس الدول على امتلاك أدوات أكثر قدرة على القتل والتدمير؟
لا تقتصر كلفة الأحلاف العسكرية على ثمن الأسلحة. هناك كلفة سياسية واقتصادية وإنسانية باهظة: زيادة الاستقطاب بين الدول، واستنزاف موارد الشعوب، وتعطيل مشاريع التنمية، وإضعاف فرص الحوار، وتحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية محتملة.
أما الدول الصغيرة والشعوب الفقيرة، فغالباً ما تتحول إلى ساحات للصراع بالوكالة، وإلى أسواق للسلاح، وإلى وقود لحروب تُخطط بعيداً عن أراضي القوى الكبرى ومجتمعاتها.
الأمن الحقيقي لا يتحقق بتكديس الأسلحة وحده. فالجوع تهديد للأمن، والمرض تهديد للأمن، والجهل والبطالة والفقر والظلم وانعدام الأمل تهديدات لا تقل خطورة عن الجيوش والصواريخ.
والدولة القوية ليست فقط الدولة التي تمتلك أحدث الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي، بل هي الدولة التي تحمي أطفالها، وتعالج مرضاها، وتعلّم أبناءها، وتصون كرامة كبار السن، وتمنح مواطنيها فرصة لحياة آمنة وكريمة.
لسنا ضد أن تحمي الدول نفسها، لكننا نرفض أن يُختزل مفهوم الأمن في السلاح. ولسنا ضد التعاون بين الدول، لكننا نتساءل: لماذا لا تُقام أحلاف بالقوة والحماسة نفسيهما لمواجهة الجوع والمرض والفقر والتغير المناخي؟ ولماذا لا تُخصَّص مليارات مماثلة للبحث العلمي المدني، والتعليم، والصحة، وحماية الأطفال، وإعادة إعمار ما دمرته الحروب؟
ربما لا نستطيع إيقاف سباق التسلح بمقالة، ولا تفكيك شبكة المصالح التي تستفيد من الحروب بكلمات قليلة، ولكن الصمت ليس حياداً دائماً. عندما تصبح حياة البشر أقل قيمة من صفقة سلاح، يصبح الكلام واجباً أخلاقياً. وعندما تُوجَّه أذكى العقول لصنع أدوات الدمار، يجب أن نرفع الصوت مطالبين بتوجيه العبقرية البشرية نحو إنقاذ الحياة، لا إبادتها.
السلام ليس مجرد هدنة بين حربين، ولا يتحقق فقط بتوازن الخوف. السلام الحقيقي هو عدالة وكرامة وتنمية، وهو شعور الإنسان بأن حياته ذات قيمة وأن مستقبله غير مهدد.
فهل نبني عالماً تحرسه الصواريخ، أم عالماً تحميه العدالة؟
قد يبدو السؤال مثالياً، لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن نتوقف عن طرحه.



