سجلوا عندكم

«في حسبان».. أربعة أعمال فنية تستكشف جماليات الخط العربي المعاصر في “ملتقى الشارقة للخط”

Views: 117

إيمان الحسيني

يواصل ملتقى الشارقة للخط استكشاف آفاق الإبداع في فنون الحرف العربي، جامعًا بين أصالة التراث والرؤى المعاصرة. وفي هذا السياق، افتتح محمد إبراهيم القصير، مدير إدارة الشؤون الثقافية في دائرة الثقافة بالشارقة ومدير الملتقى، معرض «في حسبان» بمركز للتصاميم «1971» في جزيرة العلم، بحضور أحمد عبيد القصير، المدير التنفيذي لهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق». ويضم المعرض أربعة أعمال فنية تستكشف جماليات الخط العربي وتقاطعاته مع الشعر والنحت والعمارة، في حوار بصري يستلهم شعار الملتقى «ميزان».

تجوّل القصير والحضور بين أرجاء المعرض، متعرّفين إلى تفاصيل الأعمال الفنية التي تسعى إلى إبراز جماليات الخط العربي بروح إبداعية ورؤية معاصرة، وما تحمله من أفكار تضفي عليها بُعدًا جماليًا، وتعكس في جوهرها دلالات شعار الملتقى «ميزان».

 

«بحرٌ بلا ساحل»

استندت حصة لوتاه في عملها الفني «بحرٌ بلا ساحل» إلى بحور الشعر العربي، التي شكّلت منطلقًا لفكرة العمل وتكويناته البصرية. واتخذت من «البحر السريع» تحديدًا نقطة انطلاق، مستلهمةً عبارته الشهيرة: «البحر السريع ما له ساحل»، لتبني من خلالها الصلة بين البحر باعتباره وزنًا شعريًا من جهة، والبحر بوصفه فضاءً مائيًا من جهة أخرى، في تداخل إبداعي يجمع بين اللغة والإيقاع والمشهدية الطبيعية.

ويتأمل العمل الدلالات المتعددة لمفهوم «الميزان»، بما يحمله من معانٍ تتصل بالتوازن والمقياس والوزن، من خلال علاقة متشابكة بين الخط العربي والإيقاع الشعري والشكل المادي. وانطلاقًا من علم العَروض، أي علم أوزان الشعر العربي، يتأمل العمل آليات قياس الشعر، التي لا تقتصر على المعنى، بل تمتد إلى أنظمة الإيقاع والوزن الكامنة في بنية اللغة ذاتها.

ويتألف العمل من أربع قطع قماشية شفافة معلّقة، تستحضر في بنيتها امتداد سطح البحر وحركته المتماوجة، فيما توحي حوافها السفلية المتموجة بخط ساحلي متغير وغير ثابت.

وعلى امتداد هذه الحواف، حِيكَت بدقة كرات شبيهة باللآلئ لتشكّل كلمات عربية. وتؤدي هذه اللآلئ وظيفة مزدوجة تجمع بين الخط والزخرفة؛ فهي تصوغ اللغة بصريًا، وفي الوقت ذاته تضيف ثقلًا ماديًا إلى القماش الرقيق، فتحوّل الوزن من مقياس شعري مجازي إلى كتلة محسوسة.

حصة لوتاه مصممة جرافيك إماراتية. ومن خلال مسيرتها المهنية في القطاعين الحكومي والخاص، عملت في مجالات تصميمية متنوعة، مع تركيز خاص على فن الخط (التايبوغرافيا) وأبحاث التصميم. وإلى جانب ممارستها المهنية، تستكشف لوتاه في أعمالها الشخصية موضوعات الهوية والثقافة المحلية ضمن المشهد البصري المعاصر.

حصلت لوتاه على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة، تخصص تصميم الجرافيك، من جامعة زايد في دبي، كما حصلت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة، تخصص تصميم الجرافيك والتجربة البصرية، من كلية سافانا للفنون والتصميم.

«هاء»

يحوّل علي مليح في هذا العمل الفني آلاف الأكواب الورقية المعدّة للاستخدام لمرة واحدة من أغراض استهلاكية عابرة إلى تكوين نحتي ضخم ذي حضور طاغٍ. وعلى سطح العمل، تمتد خطوط من التيتانيوم المصقول لترسم تكوينات مكبّرة للحرف العربي «هاء»، بما يحمله هذا الحرف من صلة وثيقة بالنَّفَس والصوت الإنساني. ويؤدي قلب اتجاه الأكواب إلى إحداث تحوّل دقيق في الإدراك البصري والمشهد الصوتي المحيط بالعمل، فتتولد لحظات من السكون والانتباه المتأمل، تدعو المشاهد في الوقت نفسه إلى إعادة النظر في العلاقة بين الظاهر والباطن. ومن خلال منح مادة صُممت للاستخدام العابر حضورًا نَحتيًا مهيبًا ودائمًا، يتأمل العمل مفهوم التحوّل، ويقترح أن أكثر الأشياء اعتيادية وبساطة قد تتحول إلى حوامل لدلالات ومعانٍ عميقة.

علي مليح، خطاط ومعماري مقيم في البحرين، وحاصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة البحرين. كما أنه مؤسس «قرطاس»، وهو الاستوديو الخاص به للتصميم ومنصة متخصصة في فن الخط العربي.

تعلّم معظم مهارات الخط العربي من خلال التعلم الذاتي، معتمدًا على الكتب ومقاطع الفيديو وأسلوب التجربة والخطأ. وفي عام 2013، سافر إلى إسطنبول للمرة الأولى وبدأ في تلقي دروس التصحيح على يد الأستاذ الكبير حسن جلبي؛ ولا يزال يواظب على السفر إلى إسطنبول بانتظام لمواصلة التعلم والحفاظ على الروابط الفنية والمهنية هناك.

«أبجدية الجلوس»

يستكشف عمل «أبجدية الجلوس» الخط العربي بوصفه بنية حية، لا مجرد وسيلة لنقل اللغة. وانطلاقًا من الطبيعة المتغيرة لحرف «الهمزة» الذي يتبدل موضعه تبعًا لعلاقته بالحروف المحيطة به، يتأمل العمل مفاهيم الحركة والتكيف والتوازن داخل نظام الكتابة العربية؛ إذ تجسد الهمزة، سواء استقرت على الألف أو الواو أو الياء أو ظهرت مستقلة، مبدأ التعايش بدلًا من الثبات الدائم.

ومن خلال ترجمة هذه العلاقات إلى هيئة نحتية، يحوّل الفنان شبير مير الأبجدية العربية إلى كيان قابل للجلوس عليه؛ حيث يدعو العمل المشاهدين للجلوس لا على الكلمات أو الجمل، بل على «بنية اللغة» ذاتها، مما يتيح للجسد التفاعل مع الحرف عبر تجربة الوزن والتوازن واللمس. وبهذا، ينقل العمل الفني التركيز من فعل القراءة إلى فعل التجربة الحسية، كاشفًا عن الأبجدية العربية بوصفها فضاءً يُعاش ويُختبر بقدر ما يُفهم.

وتنطلق هذه التجربة من شغف الفنان بالنحت وفن الخط العربي، ومن رغبته في إظهار ما يمكن أن يتيحه تفاعلهما من أشكال وتكوينات بصرية معاصرة، إلى جانب اهتمامه الدائم باستكشاف إمكانات الخامات المختلفة.

وبوصفه نحاتًا، يؤمن شبير بأن جوهر الفن يتجلى في العملية الإبداعية ذاتها؛ إذ يسعى من خلالها إلى تشكيل فضاءات تتسم بحدود مرنة وانسيابية، بعيدة عن الثبات والصرامة.

«مكيال الوجود»

يستلهم عمل «مكيال الوجود» للفنان شبير مير جوهره من الطابع الشاعري والحسي للشعر الأردي، مسلطًا الضوء على قدرة فن الخط على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية. وتُظهر اللغة الأردية، المكتوبة بنسخة معدلة من الخط العربي، كيف يمكن لتقليد خطي مشترك أن يتطور ليصبح لغة بصرية وأدبية متفردة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صلته بجذوره التاريخية.

تتوزع أشكال الحروف المعدنية على طول حاجز مبنى «1971»، ممتدة عبر العمارة وكأنها نبات اللبلاب المتسلق؛ مما يتيح للخط أن يحلّ في أرجاء المبنى بدلًا من أن يظل حبيس صفحات الورق. وبذلك، يحوّل العمل اللغة إلى حضور مكاني نابض بالحياة، حيث تتجلى فنون الخط بشكل عضوي عبر الإيقاع والتكرار والنمو.

ومن خلال خلق حوار بين الخط الأردي وفن العمارة، يحتفي الفنان شبير مير بالحيوية المستمرة للكلمة المكتوبة، وبقدرة الأشكال الخطية على الانتقال والتكيف والازدهار عبر مختلف اللغات والأماكن والأجيال.

شبير أحمد مير، فنان متعدد التخصصات، يقيم ويعمل في دبي، وحاصل على شهادة في التصميم الجرافيكي من كلية الفنون الوطنية في لاهور، باكستان. تقوم ممارسته الفنية على التجريب واستكشاف إمكانات التعبير البصري عبر وسائط وأشكال فنية متعددة، مدفوعًا بشغف مستمر نحو ابتكار مقاربات جديدة وتوسيع آفاق تجربته الإبداعية.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *