أمين الريحاني ناقدًا فنيًّا
د. إلهام كلّاب
لقد طغت صورةُ أمين الريحانى الرحالة على تنويعات هذه الشخصيَّة الثريَّة والشاملة، على الرغم من أنه کان مؤرِّخًا، مفكرًا، روائيًّا، شاعرًا، كاتبًا، مُخرجًا مسرحيًّا، مُترجمًا، وخاصة رسامًا متأملًا- بترف المقيم الدائم – للوحات الفنية في بارس وفي نيويورك وفي بيروت، وناقدًا فنيًّا فريدًا.
لذا شكَّل طبعُ مخطوطته الإنكليزية في النقد الفني Critiques in arts والتي جمعت 26 مقالًا في النقد الفني، نُشرت في مجلات في نيويورك من 1918 حتى 1930، كشفًا لوجهٍ آخر من الريحاني، المُتذوق الفني، والمُتابع المتأنِّي لكلِّ الحركة الفنيَّة في عصره، والناقد الحازِم لها، من خلال زياراته للعديد من المتاحِف والمعارض العالميَّة وسعيه إلى لقاء الفنان شخصيًّا، مثل بوردیل (Bourdelle) ورودان (Rodin) وماتيس (Matisse) وأوبرهارت (Oberhardt) وغیرهم.
لقد صاغ الريحاني منهجًا نقديًا خاصًا، يبحثُ في الأثر الفني، صدق الانفعال، وعمق الروحية، في ما وراء التقنيات، رافضًا تذوق مدارس الفن المستجدة في بداية القرن كالتكعيبية والوحشيَّة، مُعبِّرًا عن إعجابه الكبير بالانطباعيّة الفرنسيَّة، والأميركيَّة، واللبنانيَّة أيضًا من خلال تقديره الكبير لفن الأنسي وفروخ.
إن البيئة البصريَّة التي عاصرها الريحاني قادته أولًا إلى الإعجاب بالانطباعية الأميركية مع الفنان فريدريك شيلد هاسام (Frederick Childe Hassam)، وبالواقعية الاميركية التي جسدها جورج لوكس (George Luks) وجورج بیلوز (George Bellows) في مشاهد من شوارِع المدينة مع ناسها العاديين وعُمّضالها وفُقرائها وضواحيها. كما اهتمّ بطريقة تعبير الفنان عن الحرب العالمية الأولى في اختلافها بين فناني المُحترفات وفناني الخنادق.
***
لكن للريحاني مقاربات فنية أخرى نلمحها في کتاباته الأدبيَّة، في رسائله، وفي أسفاره، وفي صداقاته مع الفنانين، وبالتحديد في حياته الخاصة، ويزدهي اليوم متحفُه الخاص في الفريكة بحوالى 66 رسمًا لشخصيّات عربيَّة ولوحات لفنانين معروفين (وولف وكيني) ولوحات أصدقاء فنانين لبنانيين مثل جبران وفروخ و جرداق.
أما في حياته الخاصة، عندما حضر سنة 1915 في سان فرنسيسكو معرضًا لرسَّامة أميركية اسكتلندية كانت قد عرضت في باريس مع زملائها ماتيس وبيكاسو (Picasso ) وسيزان (Cézanne) في Salon de mai، فسعى إلى التعرُّف إليها في افتتاح معرض نيويورك، هذه الفنانة هي برثا كيس التي أصبحت زوجتَه في ما بعد.
وكان لهذه البيئة الفنيَّة الدور الكبير في تعزيز ذائقتِه الفنيَّة .
ففي أوروبا في بداية القرن العشرين، برزت تيَّارات فنيّة غير مألوفة جماليًّا.
فبعد ثورة الانطباعيَّة التي رسمت الأحجام بانطباع الضوء، ظهرت الوحشيّة التي استعادت الألوان القوية بجرأة،
والتكعيبيّة التي حطّمت أُسسَ اللَّوحةِ التقلديَّةِ،
والتجريديَّة التي اعتمدت الشَّكلَ والفِكرة
والتعبيريَّة التي اعتمدت الانفعال.
سعى الريحاني التائق إلى المعرفة – وهو لم يكن أكاديميًّا- إلى التعرُّف إلى هذه التيارات وفنانيها.
فالتقى Bourdelle وأعجب بمنحوتاته وبشخصيته، وأعجب بفنّ رودان Rodin وبفنّ ماتيس Matisse على الرغم من لقائه الجاف بهما.
أُعجب بتفاحات سيزان التي حرّرت الشَّكلَ واللَّون من معناهما الموضوعي.
وأعجب كثيرًا بالانطباعيَّة Impressionisme فكان يسلسل التأثير ويقول: Monet خلّف Pissaro و Pissaro خلّف Gaugin و Gaugin خلّف Matisse.
إنما كان يؤكد على أنّ تضارُبَ المدارِس الفنيَّة يزيدُ من الثرثرة الفنيّة ويجعلُ بعض الفنانين من “راكبي الموجة” أو “ملتقطي طرف الثوب”.
أما التكعيبيَّة فحسابُها عسيرٌ عنده، يعتبرُها تربيعات وزوايا وأمراضًا فنيّة، تحطّم الرؤية الجماليّة وتحجِّم الروح.
أما في أمیركا فقد أحبَّ أسلوب المحفورات Prints وفضلها على اللوحات الزيتية بالحبر الأسود على الأبيض، وخصّ بهذا الأسلوب أغلب مقالاته.
لكن في هذه المرحلة من نهاية القرن، كانت تزدهر في أميركا مدرستان:
1-الانطباعية الأميركية
Frederick Childe Hassam و Goerges Inness
وكان تقديرُه العظيم إلى فريدريك شايلد هاسام (تقنيَّة عالية ومواضيع اجتماعية).
وتوقف عند ماري كاسات (Mary Stevenson Cassatt) الوسيط بين الفن الأوروبي والأميركي.
2- مجموعة الثمانية
أستاذهمRobert Henry وأحيانًا هم “واقعيّو نيويورك” أو “مدرسة النفايات” أو “العصابة السوداء”.
توقف عند لوحات Lawson و Bellowsو لوکس Luks
واقعية المدينة، الحياة اليوميّة للناس العاديين
Bellows حفلات المصارعة سكان الضواحي
في لبنان
زار في لبنان سنة ١٩٤٠ معرضًا جمع أكبر عدد من فناني القرن.
كتب الريحاني دراسة طويلة بانوراما وافية عن بدايات الفنّ اللبناني.
مرّ الريحاني نقديًا على كلّ لوحة وكلّ فنان “مُعجبًا” أو “مُهاجمًا” أو “متهكمًا”، ويتقصّد ذكر رفعة الفنّ وهبوط السياسيّين.
توقف عند أربعة فنانين يكنُّ لهم الإعجاب الكبير.
عمر الأنسي الذي يجمع بشطحات ريشته بين قلب الطبيعة وقلب الفنان، مذكرًا بغزلانه الجميلة الوادعة قائلًا: “تخشى وأنت تدنو من الصورة أن تتب وتفرّ هاربة منك … هذه الغزلان تتحبّبُ إلي وتعازلني”.
مصطفى فروخ الذي يصور النور ويستعين يالألوان
ولوحة الشيخ الدرزي الرائعة.
وقد رسم لوحتين عند زيارته الفريكة.
الأولى من خلال باب مفتوح عنونها “من حيث خرج أمين الريحاني ليجول في قلب لبنان” .
والثانية للقرويّة حنّة وهي ترقُّ الخُبزَ في الفربكة.
الحويك شيخ الفن
كان يقول عنه: يتناول من بين صخور حجرًا ويقول هذا الحجر لبناني، فهو جدير
بأں ينطُق ما في قلب لبنان وقلب الفنان.
أما في عري بعض لوحات قيصر الجميل
تفوح بالعنبر والصِّدق في انصهارٍ وامتزاجٍ وقداسة
والجميّل ينتقل براحة من الشغف بالعري إلى الشغف بالروح القدس.
كان الريحاني ناقدًا ثاقبَ العين، يُحاولُ متابعةَ العمل الفنى مُتحولًا الى قلق المُبدع، كما يفتش عن الإنسان الفنان ومدى انطباع صِدقه على اللوحة.
***
*ألقيت في الندوة حول “امين الريحاني الوجه والتجليات” في سياق أنشطة معرض بيروت الدولي للكتاب الدورة ٦٧ .
شارك فيها إلى الدكتورة إلهام كلّاب: د. نايلا أبي نادر، الكاتب والناشر سليمان بختي، د. امين ألبرت الريحاني، الكاتب والناقد عبده وازن، أدارها الشاعر مكرم غصوب.




