سجلوا عندكم

حامد أحمد الشّريف في روايته “مقتل دمية”: “لن أكونَ دميةً بعد اليوم، حتّى مع هوى نفسي ونوازعِها”

Views: 875

مارلين سعاده

المصدر النهار( بتصرّف)

يُعتبَر معرض الرياض الدولي للكتاب الذي يقام ككلّ سنة في مدينة الرياض السعودية، من أهم معارض الكتب العربية التي تُعقد خلالها المؤتمرات والندوات والمحاضرات على أنواعها، وتشارك فيها أبرز دور النشر العربية… 

أختار من ضمن الكتب المعروضة السنة، رواية “مقتل دمية” للكاتب السّعودي حامد أحمد الشّريف، الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع، كونها تتناول حقوق المرأة العربيّة، وتهدف إلى توعيتها على كيفيّة التعامل مع واقعها الصّعب، وحثّها على تغيير هذا الواقع عوض الهروب منه. إنّها رواية متقَنَة الحبكة، لا تصنُّعَ فيها، إذ نجح الكاتب في نقل مشاعر وخبايا نفس الشّخصيّة الرّئيسة التي تسرد لنا الوقائع بدقّة وصدق متناهيَيْن، وبأسلوبٍ روائيّ غنيّ بالإثارة والتشويق، الأمر الذي يجعلها قريبة جدًّا من الواقع؛ فقد وظّف الكاتب موهبته ومخزونه الثقافيّ من مطالعاتٍ ودرايةٍ بفنّ الرّسم الذي يخصّص له حيِّزًا كبيرًا في الرواية، ورحلاتٍ سياحيّة قام بها إلى أوروبّا (سويسرا تحديدًا) ليضعَنا في أجواءٍ مثيرة، أكان من ناحية اللّغز الذي يحيط بالدّمية – ما يذكّرنا بروايات أغاتا كريستي وما يكتنفها من غموض- أم من ناحية وصف الأماكن الخلّابة التي تدور فيها الأحداث، والتي زارتها البطلة خلال هجرتها القسريَّة القصيرة إلى تلك البلاد.

البطلة إذًا شابّة سعوديّة، تهوى الرسم، هجرت بلادها لتعيش في الرّيف السويسريّ، في مدينة “أنترلكن”، حيث اختارت فندقًا قديمًا قرب بحيرة، ما هيّأ للرواية المزيد من أجواء الغرابة والغموض… وقد أشارت البطلة خلال السّرد إلى هروبها في أحيان كثيرة من سيّارات الشرطة، مخافة أن تُجبَرَ على رفع النقاب للتأكُّد من شخصيّتها. إلّا أنّها في لحظة جموح، ودفاعًا عن كبريائها، لم تتوانَ عن التخلي عن زيّها بطرفة عين: “لا أعرف حينها سبب ما قمت به، إلّا أنّني – ودون شعور منِّي – اقتربتُ منه ونزعت النِّقاب عن وجهي والغطاء عن رأسي. هكذا فعلت، بدون مقدِّمات. ظهرتُ أمامه بكامل زينتي، بل بالغت بنثر شعري بطريقة مستفزَّة بعد نزعِ مطّاطٍ كان يجمع شتاته”. (ص 106)

 

باختصار، يعرض الكاتب من خلال هذه الرواية واقع المرأة العربيّة عمومًا، والسَّعوديّة خصوصًا، مضيئًا على معاناتها، وما لحق بها من ظلم، بحجّة حمايتها وصون شرفها؛ وقد أحسن اختيار الشّواهد الدامغة ممّا تفرضه العادات والتقاليد، ويتحوّل إلى قيد يَحدُّ من حرّيّة المرأة، ويَخنق صوتها، ويَحرمها الكثير من حقوقها… لكنّ الرواية تأخذ منحى غامضًا من خلال قصّة الدمية التي يُدخلَنا في دوّامتها، وما تُسبّبه من رعب للبطلة؛ فتَكثر تساؤلاتُها -كما تساؤلاتُنا- حول هويّتها، وسبب زياراتها الليليّة الدائمة لها، والشّخصيّة الغامضة التي تلاحق هذه الدمية باستمرار، مضمِرةً لها الشّر، ساعية إلى قتلها والتخلّص منها. وقد وُفّق حامد أحمد الشّريف بشكل مذهل في إدخالنا أجواء الرُّعب المسيطر عليها، بأسلوبه الوصفيّ الشائق والمثير، الذي يحثّنا على المتابعة من دون كلل أو ملل، لمعرفة لغز اللعبة ومصيرها. 

لقد طعّم الكاتب روايته بأجواء من الرومنسية والحب، بحيث نجد البطلة بين الوقت والآخر، تهجر مقرَّ إقامتها في “فندق القنطرة” – كما أسمته – في مدينة “أنترلكن”، هربًا من معاناتها الجديدة في بلاد الغربة، لتأخذَنا معها في رحلات سياحيّة خلّابة ( مدينة هايدي، هارْدِر كُولْم، بحيرتَي “ثُون” و “بْرِيِنْز”…)، حيث يفاجئها حبيبها بلحاقه بها في بعض هذه الرحلات، ليُمضيا معًا أسعد اللّحظات. كما يكشف لنا طيبة البطلة وتواضعها، بالأخصّ من خلال العلاقة التي تربطها بخادمة الفندق “ألكسندرا أَليتْشي” التي تشكّل الشَّخصيّة الأساسيّة في الرواية إلى جانب البطلة؛ ومن خلال علاقتها بالراهبة الأخت “سارة غرينر”.

“مقتل دمية” رواية تكشف تعقيدات النفس البشريّة وكيفيّة تأثّرها بمحيطها؛ وقد نجح حامد أحمد الشريف ليس في خلق أجواء ساحرة على مدى الرواية فحسب، وإنّما في إبراز ردّات فعل البطلة، المبنيّة على مواقف سابقة عاشتها، وتوظيفها لإنتاج مواقف جديدة تؤسّس لمستقبل بواقع مختلف قائم على الوعي والنضوج والانفتاح.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *