أمّي…..

Views: 24

د. جان توما

 

خمسَ عَشْرةَ سنةً، وما زلتُ أشعرُ بيدِكِ ترفعُ غطاءَ سريري عليّ خوفًا من البرد. أخبِرُكِ سرًا يا أمّي: ما كانَتْ يدُكِ إلّا جرّةَ أحلامٍ تودِعُ خزائنَ راحتي ما كنت افتقدُهُ في يومياتيّ، وكانت لمستُكِ تعوِّضُ ما فاتني.

ما كان ليلي طويلًا، كما ليلُ هذه الأيام. سَحَرَتْنَا بعدَكِ الشاشاتُ والألوان، وكانت حكاياتُكِ السِّحْرَ والعِطْرَ  وما فات. لِمَ كلّما مررْتُ أمامَ بيتِنَا العتيقِ في تلك الأزقةِ شعرْتُ بأنَّ العالَمَ يتّسعُ، وبأنّ لا حدودَ بين “هنا” و”هناك”؟ولِمَ كلّما خرجْتُ من هذه الأزقةِ إلى الشوارعِ الفسيحةِ ضاقَ العالمُ مساحةً؟!.

خمسَ عَشْرةَ سنةً وأنتِ، كما أنتِ، تسكنينَ القلبَ والعينين، تروحينَ وتجيئينَ في البيت. ألمحُك عابرةً، بين يديكِ عروسةُ زعترٍ وحبّاتُ زيتونٍ تغنيني عن شهيّاتِ الموائدِ وطيّباتِها. واقفةٌ أنتِ، في كلّ حين، بلا دعوةٍ ولا استئذان، تهتمينَ بتفاصيلي، تضطربينَ، تصلِّينَ وتفرحينَ. لا أسأل كيفَ تحضرينَ؟! أعرفُ أنّكَ هنا؟ وأنَّ رتبةَ الغيابِ لا تقومُ إلّا بطقوسِ الحضورِ الدائم، وأنتِ، كما الذكرى، تَجْرينَ بلُطْفٍ في النَفَسِ والروح. (https://alfrescogrills.com)

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *