حبيب يونس قارئًا رواية “حبيبتي مريم” لهدى عيد: مشهدية الوطن المصلوب على الخطر
حبيب يونس
أسعد الله مريمات قلوبكم.
ثلاثة لا يمكن إلَّا أن تقفَ أمامها حائرًا:
الحذاء، والخيانة، والغموض.
وحَيرة أخرى أضيفها. كيف لي ولست من هواة الرواية، أن أقوِّم رواية؟
أما الحيرة الكبرى، فكيف يستمر وطن معظم حكامه يدخِّنون السيجار، فيما تفكيرهم، بافرا وتاطلي ويننجه؟ وكيف يقدِر شعب يكاد يمَّحى عن الخارطة الإنسانية، أن يظلَّ يقرأ، ويؤلف، ويتحدَّى نفسه أن “خذِ الكتاب بقوة”؟
“حبيبتي مريم”… رواية السَّيِّدة هدى عيد الجديدة، وقد دعتني مشكورةً إلى الاحتفال بنَدوة وتوقيعٍ عنها، في هذا المهرجان السَّنويِّ العريق، وسط كوكبةٍ من صفحات القلوبِ والوجوهِ، هذا الصَّباح، ليست سوى بعض جواب عن ذينك السؤالين، وملعبٍ وسيع أبدِّد فيه تلك الحيرة.
أربعة أصوات كأنها أربعة فصول… كأنها أربعةُ رواة، فيكتمل عقدُ أبطالِ الرواية. الابن الوطنُ المنسلخُ عن نفسه بين جذر وغربة. الأبُ الوطن المألوم الشَّكَّاكُ الملحاحُ، الغريبُ عن عالمه، الجوَّال داخل نفسه. الأم الأمَّة الغائبة الحاضرة، بين شك ويقين، بين حقيقة وزَيف. الابنة الوطنُ الحلم المنكسر، الحائرة بين فجيعتين. فتكتمل مشهدية الوطن المصلوب على الخطر، مذ كان، وتكثر الحِيرات، أين منها حِيرات الرواية الثلاث.
وقبل الغوص في أصوات الأبطال، وحين تقرأون وتفرحون، لا بد تلاحظون تلك الأرجوحة التي نصبتها العبارات والكلمات، بين شجرة المتانة اللغوية وقاموسية المفردات، وشجرة الكلام اليومي العامي المفصحن.
ولا بد تلاحظون، استطرادات تشي باطلاع وثقافة، وبأسلوب سردي شيق، وبتقسيم لمشاهد الرواية، فلا تجعلك تملّ، إذ ما إن تسدل ستارة على مشهد، حتى تنهض من مقعدك لترفع، مشغوفًا، الستارة عن المشهد التالي.
من الصفحات الأولى للرواية، حيث حكيم يطلق العنان لصوته، ظننت هدى عيد قرأت، وربما سرقت، ما يعني لي الحذاء. كنت أُسأل ما الذي يلفتك في المرأة. فأجيب: حذاؤها أولًا ومن ثم عيناها. (https://www.srmfre.com/)

أحسُّ وقفة المرأة، في أي نوعٍ تنتعله من الأحذية، تجعلني، بلمحة بصر خاطفة، أكنهُ أولَ سرٍّ من شخصيتها، لأقبِضَ على الأسرار الأخرى حين أقرأ عينيها. وها هي هدى عيد تُفرد لأهمية الحذاء حيزًا مهمًّا في بداية روايتها، وإن كان حكيم خُدع في قراءة حذاء المرأة التي أغوته، وخذلته.
هل تراني وهدى وحيدين، في قراءة ماورائيات الحذاء؟
دعك… ها هو الراحل الياس رحباني يبشر في “الذئاب تصلَّي” بالفلسفة الحذائية. فيقول إن الحذاء إذا كان مريحًا هو الذي يجعل الإنسان واثقًا من نفسه حين يطلُّ على الناس. أما إذا كان ضيقًا أو ضاغطًا على رِجل مسؤول مثلًا، فتراه يشرد حين يخطب، أو يتلعثم فيبدو غير مقنع. يتألم، يتعثر، فيخسر. لذا راح الرحباني يخاطب الحذاء بـ”يا سيدي” لأنه هو سر نجاح الإنسان الأول، ومرتع راحته. ويسأل بسخريته المعهودة: الإنسان الذي يتسلق الجبال، هل هو في حاجة إلى فيلسوف أم إلى حذاء؟
والجواب أن الحذاء، في موقف كهذا، أهم من الفيلسوف.
وما بالك بالراحل الكبير الآخر ريمون جبارة؟ سألته، ذات مرة، عن هواياته. أجابني: هما اثنتان. الأولى، لن أفصح أنا عنها. عيب. والأخرى: تأمُّل واجهات محالِّ الأحذية في برج حمود… كانت تثير في مخيلة “صانع الأحلام” مشاهد وتساؤلات، لم يجد تفسيرًا لها.
ومن حكيم إلى غريب. الرجل المثقف الذي فقد كلَّه الأحب مريم، ودفعته ظروف مقتلها في حادث سير، إلى أن يشكِّك في إخلاصها له، فيُميته قلق يوازي حبه الكبير لها، هل خانتني؟
وما الخيانة، يا غريب، ونحن نرتكب الخيانات، يوميًّا، وعلى مدار الساعة، ولا ندري، أو نعي… فهل حاسبنا أنفسنا، مرة؟
هي الشمس تطرقُ بابَ النَّهار، والصبَّاح نديّ، فيما العينان تغمران النوم بالجفنين.
هو القمر يحرِس اللَّيلَ والنِّيام، ونحن نعطِّل نوبة حراسته، سهرًا ورقصًا وأغاني…
هو اسمُنا، ولو لم نختره، لكننا أحيانًا نفضل عليه تسميةَ الدلع أو اللقب.
هو ثوبنا الجديد نعرِّفه إلى جسدنا، فيتآخيان… إلى أن نخونَه بثوب آخر، فننفيه في خَزانة الثياب، أو في الذاكرة، أو في الصورة.
هو بيتنا، حيث ولدنا وكبِرنا، نهجره إلى آخر، ولا نعود نمرُّ حتى في الحي القديم، ونبقي صدى طفولتنا وظل شبابنا على قارعة النسيان.
هي قريتنا… وحيدة مستوحدة بين الجبال، فيما نحن على مرمى حجر منها، في مدينة تنسينا حتى الشوق إلى مسقط الرأس، إن لم نستبدل هذا المسقط بآخر.
هو وطننا… نهجره إلى أوطان وأوطان، ونسقط عنا جواز السفر.
هي طريقنا اليومية إلى العمل… نخونها أحيانًا، بسلوك غيرها، فنخسر رفيق درب.
هي ذاتنا، نحاول مرات ألَّا نكونها.
… في كل ما سبق، ألسنا نخون؟
هدئ من روعك يا غريب… فمن منا بلا خيانة فليرمِ من فيه يشكِّك، بحجر.
ضم يا جوالًّا في الشك والفضول، ابنتك جودي، وواسِها في دمع ذرفته على زوج خسرته ذات انفجار، وأمٍّ تبكيانها معًا.
أما حيرة الغموض… التي بها تختم الرواية، فأجمل ما في الرواية وأنبل. كيف ماتت مريم، ولم، وأين جثتها التي نبشتها دموع الأب، قبل معاول العمال ومجارفهم وأصابعهم. شاءت هدى عيد ألا تكون وحدها صاحبة الأصوات الأربعة. أنت يا من يقرأني، قالت، ضم صوتك إلي واكتب ما يلي فاصلةً أنهيت بها روايتي.
فمريم حبيبتك أيضًا.
وها مريم حبيبتي، والرواية حبيبتي أيضًا.
***
*ألقيت في ندوة مناقشة رواية ” حبيبتي مريم” (دار الفارابي) للدكتورة هدى عيد في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب التي شارك فيها د. جان توما، د. منى رسلان، د. نازك بدير، والشّاعر حبيب يونس.



