سجلوا عندكم

سوزان بعيني… حرية تمرُّد وجمال

Views: 1057

سهيل مطر

أيها الأصدقاء،

أعذروني، أنا  آتٍ عكس السير، مُخالِفًا البرنامج، ولكنني بمحبة وبرغبة من الصديقة ميراي شحاده (رئيسة منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي) أحوّل هذه القاعة إلى كرسي اعتراف،

الزمان: خريف 1965 ( من 60  سنة)

المكان: كلية الآداب في  الجامعة اللبنانيّة، قرب الأونسكو، البهو الخارجي.

الأبطال: مجموعة طلّاب شباب، مراهقين، يقفون على باب كافتيريا أبو جورج،

 وفجأة:  تُطلّ هي…

من أین جاءنا الصَّمتُ؟  تحوَّلنا إلى عيون فقط،

تحوَّلت الباحةُ  إلى برواز،

وحدها كانت الصورة والمرآة.

 

توجَّهت إلينا مُبتسمة: أهلا بالشباب، أنا سوزان.

اتطلَّعُ إليها بشغف: قامة كأنَّها الريح،

عينان لونهما كبرياء وخمر،

وجه لا تفارقه الابتسامة بلون التفاح الطيّب،  

مساحات من الحلاوة والغنج والحياء.

أتقدّم منها مُعرِّفًا: أنا سهيل.

تبتسم: أعرفكَ، أنت رئيس الرابطة، ومنذ دخولك الجامعة، لم أرَ فيك إلا وجه المُشاغب أو وجه من يُتقن “غزل البنات”.

ضحكتُ، مددتُ يدي للسلام،

 تذكرتُ قول الرحباني وصوت فيروز:

 نسيتُ من يدها أن أستردَّ يدي/ طالَ السلامُ وطالت رَفَّةُ الهُدُب.

 

وبدأت الحكاية،

صبيّة على بعض كبر كأنها وردة،

 وعلى بعض تواضع كأنها بنفسجة.

سوزان لم تمرّ في الجامعة، مرور صبايا، كأن شيئًا لم يكن،

بل استقرَّت، وملأت الجامعة، حِراكاً، ثقافة، تطلعات وأحلامًا.

أحببتها؟ الحب انشودة الله.

 خطيئة؟ لا، ومع ذلك، من كان منكم بلا خطيئة فليرجمني بحجر.

تسلَّمت سوزان اللَّجنة الثقافيَّة، فكانت هي “الحركة الثقافية”.

 تسلمت اللجنة الاجتماعية، كانت: تذكروا معي، السهرة السنوية في  الكارلتون،

سوزان تشغل الجميع طلة، وعطراً ورقة وكرماً،

راعي السهرة رئيسًا ونائبًا ومسؤولا كبيرا، ينظر إليها بإعجاب،

 يراقصها باحترام ويقدمها سفيرة الجمال والصداقة والحرية.

 سوزان تفرض حضورها،

 إن ابتسمت كانت زهرة الغاردينيا، وإن غضبت كانت لسعة النحل.

تُشاركنا الدُّروس والرحلات والانتفاضات والاجتماعات والسهرات…

 وهي القائدة الفاعلة.

ثلاث سنوات تمر، لا تسألوني عن الحنان والحنين.

إنه الزمن الموجع.

أذكرها في يومنا الأخير في الكلية:  

نجتاز الامتحانات الخطية، ننجح، إلا  أن العميد استغرب نجاحي، واسرّ للأساتذة سأسقطه في الشفهي، هو لا يستحق. لقد أمضى السنة في الإضرابات والمظاهرات، وبالفعل رسبتُ في الشفهي، إلا ان غضب سوزان، انتزعني من السقوط، صعدت الى العميد، مع بعض الرفاق لتقول له: سهيل يجب أن ينجح. عميد، ماذا تنتفع من سقوطه، سيعود في السنة القادمة إلى الاضرابات والمظاهرات، تخلّص منه وامنحه علامة النجاح. ونجحتُ.

أية قبلة حُبّ وحنان وعُرفان جميل

اليوم يا سوزان، اعترف، واقول: شكراً، أنا أحببتك، وأحبك كثيرًا،

بعد 60 سنة، لماذا يصل العاشق دائمًا متأخرًا؟

في طريقي اليوم إلى اهدن کانت فیروز تغني: فايق یا هوى،  لم كنا سوى.

 وأصل، أنت هنا، لا تزالين،

 أطبع قبلة على صورة لك،  دموعي السجينة إكليل ورد.

 

من يستطيع  أن يغيّب وجه صبية كتبت حبَّها على إيقاعات الحرية التمرُّد والجمال.

 سوزان،

أرجوك، صلّي من أجلي،

من أجلنا،

 من أجل لبنان،

فأنت أكثر قربًا من الله، والله معك.

***

*⁠ألقيت في احتفال  تكريمي إلى روح “سوسنة المنابر” الأديبة والشاعرة سوزان بعيني، في فندق قبشي الكبير، إهدن،  برعاية وزارة الثقافة ممثلة بمديرها العام الدكتور علي الصمد، وبدعوة مشتركة من  “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي” و”منتدى ريشة عطر”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *