عبر كتاب “شذرات فكريّة” أحمد العلمي يخوضُ الكتابة الشذريّة ويضعنا بإزاء مروحة واسعة من الإشكاليّات وأسئلة الحياة المعاصرة!
د. مصطفى الحلوة
نائب رئيس الاتحاد الفلسفي العربي
مدخل/ في الدعوة إلى نمط من الكتابة جديد!
المشتغل المجدّ بالفلسفة وصاحب الأفكار الرائدة الدكتور جمال نعيم، دعا، عَبْرَ صفحته على الفايسبوك (17/10/2026) إلى اعتماد نمط من الكتابة جديد . في إثر جولةٍ له في “معرض بيروت العربي الدولي للكتاب” (دورة 67)، الذي امتدّ بين 9 و 18 تشرين أوّل 2026، يذهب إلى أنّ غالبيّة العناوين (أي الكتب) التي يضمّها هذا المعرض، تكفيها مقالةٌ أو نصف مقالة، لتعبِّر عن كل واحد منها. ويُضيف بأنّ ثمّة جهدًا ضائعًا وكلفة كبيرة، وقصاصًا لمن يُريد أن يشتري هذه العناوين!
وعن البديل الذي يطرحُهُ، يقول: “آن الأوان ليقنع الكاتب بكتاب أو كتابين في حياته ، يكونان بمنزلة خُلاصة فكره. وإذا لم يكن لديه ما يقوله ليكتفِ بالمقالات أو المنشورات.
وإذْ يسأله محمد علي عقيل، أحد مُتابعيه الفايسبوكيّين: ما هو المطلوب، وما هو البديل : تحديثًا ، شكلاً ومضمونًا وكيف؟ يُجيب نعيم: مقالات، منشورات، كُتُب شذريّة !
لعلَّ جمال نعيم يتقاطع ، في ما ذهب إليه، مع الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي يُؤثر عنه قولُه: “إنّ مرماي أن أقول في عشر جُمَل ما يقولُهُ غيري في كتاب !” .
إسنادًا لهذا التوجّه في الكتابة، نستحضر سليم اللوزي، أحد كبار الصحافيين العرب، في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي قضى اغتيالاً، على يد “نظام الوصاية السوري” (1980)، فقد عُرف ببراعته أيضًا في فن الرواية، مُخلِّفًا أربع روايات، إحداها “المهاجرون” ، أصدرها سنة 1972. فقد اتّبع فيها أسلوبًا مُغايرًا للأسلوب المنمّط والمتعارف عليه، لدى سائر الروائييْن، ويُعلّل ذلك بالقول: “إنّ هذا الأسلوب يتلاءم مع عصر الطائرة. ففي الماضي كان المسافرون يُضّطرون للمرور على مدن وقُرى، ليست لهم حاجة ولا رغبة ، في إضاعة وقتهم فيها، كي يصلوا في النهاية إلى حيث يقصدون. اليوم أصبح المسافر يقفزُ إلى المكان الذي يختاره مرّة واحدة. وهكذا يجب أن يكون أسلوب الكاتب، في عصرٍ أصبح الوقتُ فيه مهمًّا للقارئ”.
وكأننا بأحمد العلمي قد خلص إلى الخِيار، الذي يُروِّجُ له صديقُنا جمال نعيم، فكان هذا الكتاب “شذرات فكريّة” ، الذي ننتدي حوله هذه العشيّة !
علمًا أنّ العميد العلمي أعلن، في مقدّمة الكتاب، بأنّ كتابه “يختلف عن المألوف” ، وقَصَدَ أن تكون عباراته “موجزة ومختصرة “، يقينًا منه بأنّ “هذه الصيغة أفضل من الصيغ المألوفة” ، كونها “تستفزّ طاقة القارئ على التفكير والتأمّل، وتدعوه إلى موقف الدارس، وليس موقف من يأخذ بالمسلّمات” (راجع المقدمة، ص 9).

الكتابة الشذريّة/ تعريفًا وتاريخًا.. وفي أبرز رموزها ؟
الكتابة الشذريّة (Aphorisme)هي لونٌ أدبيٌّ فكريٌّ، يقوم على كتابة مقاطع قصيرة ومركّزة، بحيث تشغل كل شذرة بعض سطر أو سطرًا أو عدّة أسطُر. وهي تجمع بين التأمّل الفكري والاختزال، نابذةً السرد الطويل، والنسق التراكمي المنهجي.
وتفصيلاً، فإنّ أبرز خصائص هذا اللون المعرفي: الاقتصاد اللغوي، حيث الاعتماد على التكثيف والتخلُّص من الحشو والإطناب، وإلى ذلك، فإن هذا النمط الكتابي يُقدِّم الحقيقة المُبتغاة ، كأنها لمعةُ برق خاطفة. علمًا أن الشذرات مفتوحةٌ على التأويل، أي ترك مساحة للقارئ، كي يملأ الفراغات ويربط الدلالات مع بعضها البعض.
وهذا ما توقّف عنده أحمد العلمي حين قال إنه يضع شذراتِهِ بين يديّ القارئ، داعيًا إِيّاه، كي يكون هو اللاعب. وبتعبيرًا آخر، يطرح العلمي الأفكار والمواقف، ويترك الدور الأساسي للقارئ، كي يُفكِّر ويتأمَّل ويستنتج (المقدمة، ص 9).
ويُضيف كاتبنا بأنّ هذا دأبه، في نشر الثقافة النفسيّة والاجتماعيّة، التي كان وما زال يراها الحلّ الأمثل، لزيادة الوعي بالذات والآخر والمحيط (المرجع السابق، ص 9 ).
والكتابة الشذريّة هي كتابةٌ إشكاليّة، تطرح الأسئلة أكثر مما تطرح الأجوبة. وهي ، وفق الفيلسوف الألماني فريدريتش شليغل (Friedrich shlegel) (1772 – 1829)، فنٌّ يُخاطب المستقبل والأجيال القادمة .
.. وإذْ نتحرّى جذور الكتابة الشذريّة، وأبرز من أبدعوا فيها، عبر تاريخ الفكر، يتحصّل لنا بأنّها عُرفت لدى اليونان الأوائل، من مِثل الفيلسوف “هيرا قليطس” وغيره، من فلاسفة القرن السادس قبل الميلاد.
وفي العصر الحديث اعتمد هذا اللون الأدبي الفيلسوف الفرنسي “باسكال” (1623 – 1662) في كتابه (pensées)، أي “أفكار”، والفيلسوف الألماني نتيشه، في كتابه “ما وراء الخير والشرّ”، الذي نشره سنة 1886، وكذلك الفيلسوف الفرنسي رولان بارت (1915-1980)، صاحب كتاب “شذرات من خطاب العشق” ،
“Fragments d`un discours amoureux” ، المنشور سنة 1977 . والفيلسوف البرتغالي “فرناندو ببسوا” ، في كتابه “اللاطمأنينة” المنشور سنة 1982. وكذلك الكاتب الفرنسي “لابرويير” (1645-1696). في كتابه “Le caractères” (أي الطبائع).
وبانتقالنا إلى الفكر العربي، نجدُ مجموعة من الكتابات الشذريّة والتجليّات الصوفيّة العرفانيّة، التي اتخذت مع القرن الرابع الهجري، الحادي عشر الميلادي صورة شطحات شذريّة مُتشظّية. كما يبدو ذلك واضحًا عند الحلاّج، في كتابه “الطواسين”، وعند إبن عربي في “التجلّيات الإلهيّة”، ولدى النِفّري في كتابه “المواقف والمخاطبات”.
وفي عصرنا الراهن، نُشير إلى أنّ “تويتات” و “بوستات” وسائل التواصل الاجتماعي هي كتابات شذريّة، وإن كانت تروح، بغالبيّتها، إلى الابتذال وسوقيّة القول.

“شذرات فكريّة”/ إِشكاليّات وقضايا للتبصُّر والاعتبار !
على مدى سبعين صفحةًً، حفل الكتاب بثلاثمائة وثلاث وسبعين شذرة (373). ترجّحت كل واحدة منها بين نصف سطر وعدة أسطر، ولا تتجاوز أصابع اليدين، ما خلا بعض الشذرات، التي اقتربت من مقالٍ صغير، وسوف نُشير إلى عددٍ منها.
في عمليّة إِحصائيّة للموضوعات، التي تناولتها هذه الشذرات، فقد بلغت حوالي مائتين وخمسين قضيّة، معظمها على درجةٍ قُصوى من الأهميّة ، ونذكر بضع عشرات منها على سبيل المثال: الجهل/ التكيُّف مع الواقع/ الثقافة وأزمتها/ الفكر النقدي/ الإصغاء إلى الآخر/ إنتاج المعرفة لا استهلاكها/ التحرّر من قيود الماضي/ الاستبداد المحصّن بالدين/ تأثير التلفزيون على الطفولة/ التدهور الحضاري/ السعادة/ الحروب ووحشيّتها/ الهروب من الواقع/ المنهج العلمي في رؤية المستقبل/ إنغلاق الثقافة على مسلّماتها/ الذهنيّة العربيّة والفراغ المعرفي/ الصحة النفسيّة/ الضمير الجنسي لا الضمير المهني/ الهوس بالسرعة للوصول إلى الغايات/ جدل اللغة العنف/ الغرور القاتل/ الإدمان على الإنترنت/ التعصُّب/ النفاق الاجتماعي/ الاغتراب الروحي/ القانون في لبنان/ الوحدة العربيّة/ الكبت/ التنجيم/ الذاكرة/ دعوة إلى التفاؤل/ السلام مع النفس/ مُحاربة الفساد/ الإِعلام كسُلطة أولى/ السلوك العنفي/ الصداقة / السعادة/ التلوّث الاجتماعي والثقافي/ الفصام/ توريث العبوديّة/ القلق/ التكيُّف الانفعالي / سحر السلطة/ المقامرة/ الهدف الأسمى للتربية/ الشيزوفرانيا/ الضحك كظاهرة إنسانيّة/ العلاج النفسي/ الإِعلام العربي/ الحاجة إلى بطل أو زعيم/ العدل الاجتماعي / الأحلام نافذة الروح/ ظاهرة الانتحار/ الانحراف النفسي.. إلخ.

“شذرات فكريّة” / في ميزان النقد ؟
في تعاطينا هذا الكتاب، من منظور نقدي موضوعي، نجدُنا بإزاء المحطات الآتية:
أولاً: يتبدّى لنا، من خلال عملية المسح، التي أجريناها لـِ “شذرات” العلمي، أنها شملت مساحة واسعة من قضايا مجتمعنا المحلي والمجتمعات البشريّة، وهي قضايا تُؤرق الإنسان، في حياته اليومية، وتضع مستقبل الشعوب على كفّ عفريت” كما يُقال!
من هنا الطابع الشمولي للكتاب، ناهيك عن سمته “الكشكوليّة”، وفق ما ذكر المؤلِّف في مُستهلّ المقدّمة، ومنها نقتبس: “.. ففيه من كلّ وادٍ عصا” (المقدّمة، ص 9).
ثانيًا: أوردَ الكاتب شذراتِهِ بشكل عشوائي، فلم يعمد إلى أسلوب “الرُزم” ، بحيث يتم جمع القضايا المتماثلة أو المتشابهة، أو التي يُكمِّلُ بعضها بعضًا، تحت “ثيمة” واحدة (Thème) ، أي النهج الموضوعاتي (Thématique) . فعلى سبيل المثال، ثمة كلام على أطروحة الثقافة، في الصفحات الأولى، وفي منتصف الكتاب، ومواضع أخرى، لم تُدرج في رُزمة واحدة، أو مجموعة واحدة. علمًا أن اعتماد النهج الموضوعاتي يحتاج إلى جهد مُضاعف، ولا يخلو من صعوبة وتعقيدات.
ثالثًا : تطغى السِمة الاجتماعية النقديّة على شذرات الكتاب، ولاسيما ما يعود إلى منظومات القيم، بوجهيها، الإيجابي والسلبي، أي القيم السامية “والقيم الهابطة” .
رابعًا: التزم د. العلمي تقنيّات الكتابة الشذريّة، ومنهجها وغاياتها، فجاءت شذراتُهُ، بغالبيّتها العظمى، كثيفة في معانيها واستهدافاتها، بحيث تبعث برسالة (Message) إلى القارئ.
وإذْ اتسمت براهنيتها، فهي قد تطرّقت إلى مختلف قضايا الساعة، والقضايا الكبرى، المدرجة على جدول أعمال مجتمعاتنا الشرقية والعربية، كما المجتمعات البشرية. هكذا، كانت خواطرُ والتماعات فكريّة وحِكميّة، تكتنز معاني عميقة، هي مدعاةٌ للتبصُّر والتفكُّر!
خامسًا: من حسنات الكتاب أنّ القارئ يستطيع البدء بقراءته، من أية صفحة يشاء، ذلك أن موضوعاته غير مُتدرِّجة، ولا ترتبط ببعضها بعضًا. فقد يُقرأ بدءًا من الصفحة (70)، أي بالمقلوب، وصولاً إلى الصفحة (11). وقد يُقرأ على دفعات، أي في جلسات مُتعدِّدة، ولا ينقطع حبل تفكير القارئ، فالكتاب، كما أسلفنا، ليس عملاً مُتسلسلاً، إذْ تتمتّع كل شذرة باستقلاليّة تامّة.
سادسًا: تميّز أسلوب الكتاب بالإيجاز والوضوح، كما بالسلاسة والانسيابيّة. كأنّنا بالعلمي يُحاكي القاعدة الذهبيّة، التي سنّها أبو عثمان الجاحظ، فحواها: “خيرُ الكلام ما كان قليلُهُ يُغنيكَ عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه! ” .
وإلى ذلك، وبما خصَّ سِمة الإيجاز، فقد أشَّرَ عليها العلمي، في الصفحة (15) من كتابه، عبر هذه الشذرة : “القدرة على الاختصار أهمّ من القدرة على الكتابة (يقصد الكتابة المُسهبة)، فالتحدّي هو كيف تكونُ مختصِرًا ومركِّزًا “.
سابعًا: في بعض الشذرات، زاوج الكاتب بين المعياريّة والخطابيّة الوعظيّة، أي ما يجب أن يكون، وليس ما هو كائن .
والمعيارية ، كما نعلم، هي النقيض من الموضوعيّة. من هنا كثُر ترداد عبارات : يجب أن ، ينبغي أن، على المرء أن يفعل كذا.. إلخ.

هكذا كان جنوحٌ إلى “عالم الينبغيّات” ، كما يدعوه الكاتب د. أنطوان مسرّه. وتمثيلاً لا حصرًا : “علينا أن نتعلّم حبّ الحياة” (ص 13)/ علينا إعادة النظر في مفهومنا للتربية (ص 17)/ على العقل العربي أن يُحدِّد موقفًا من الزمن (ص 19)/ أيّتُها الأم، من غير المفيد انشغالك بمستوى تقدّم طفلك وأدائه (ص 31).
ثامنًا : خرجت بعض الشذرات عن خطّ الكتابة الشذريّة لتقع في مطبّ فن المقال ، أو المقال القصير. وعلى سبيل المثال: الشذرة التي تتحدّث عن الفرق بين الحلم العادي والكابوس (ص: 34)، إذْ بلغ عدد سطورها العشرة. مثال آخر: الشذرة حول أخطر أنواع الاستبداد، هو الاستبداد الديني (ص 18)، والشذرة حول المخدّرات (ص: 27)، والشذرة التي تستعرض مزايا التعليم العالي، وهي أكبر شذرات الكتاب، حيث تمتد على ثلاثة عشر سطرًا ( ص ص : 67 – 68).
وبصرف النظر عن الإطالة (عدد الأسطر)، ثمّة خروج من روحيّة الشذرة، في الشذرات المذكورة ، إلى روحيّة المقال.
تاسعًا: للتشوّه المهني ، Déformation professionnelle ، بوجهه الإيجابي، حضورٌ بيّنٌ في عشرات الشذرات. فالعلمي، مُنطلقًا من خلفيّة تخصُّصِهِ في علم النفس، طفق يُقارب هذه الشذرات من منظور: علم النفس العيادي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السياسي، وعلم النفس التربوي. وقد أجاد ونفع، في هذا المجال، إذْ كان يلعبُ في ملعبه المعرفي!

خاتمة: وإذْ نختمُ، نخلصُ إلى أن هذا الكتاب، أو الكُتيّب لا فرق، لا يُقاس بحجمه، بل بما يكتنز من معطياتٍ قيّمة وخواطر ذات مغزى، تفتح على آفاقٍ واسعة من الأسئلة، وبما يبعث من رسائل إلى إنساننا المعاصر والأجيال. ويبقى السؤال: متى كانت الكُتُب تُقيَّمُ بأحجامها وعدد صفحاتها؟!
وهنا، يحضُرُنا قول المتنبي، من قصيدته المشتهرة “واحرَّ قلباه”، وهو يُعاتب سيف الدولة الحمداني، مُحذِّرًا إيّاه من المنافقين المنتفخين، ذلك أن انتفاخهم هو من قبيل الورم، وليس دليل عافية: “أُعيذُها نظراتٍ منك صادقةً/ أن تحسبَ الشحمَ في من شحمُهُ ورمُ!” .
“شذرات فكريّة” مؤلَّفٌ جديرٌ بالقراءة، لاستقاء العِبَر منه.
مُباركٌ لك، د. أحمد، مولودُك الفكري الثاني، ولتُكمِل مشوارك المعرفي على درب الكتابة الشذريّة، فهي مُستقبلُ فن الكتابة، في قابل الأيام!.



