سجلوا عندكم

وهم المُحلِّلين العرّافين الجدد

Views: 542

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين

في زمنٍ صار فيه الضجيج أهمّ من الحقيقة، خرج علينا جيلٌ جديد من “العرّافين الاستراتيجيين”. تسمع أحدهم يعتلي الشاشة نافشًا ريشه كطاووس مزيّف، يقول بكل وقارٍ مصطنع: “سجّلوا عندكم، في اليوم الفلاني سيحدث كذا وكذا”. ويأتي آخر أكثر بطولية ليعلن: “خدوها مني”، كأنّه الناطق الرسمي باسم الغيب أو الموظّف المعتمد لدى مجلس الكواكب والنجوم!

يتصرّفون وكأنّهم شركاء في صناعة القرار الدولي، بينما هم في الحقيقة لا يملكون سوى جرعة زائدة من الثقة بالنفس ممزوجة ببعض العبارات المعلّبة. يبيعون الوهم في قناني براقة، ويقدّمونه للجمهور على أنه عصارة علم وخبرة. فإذا صدف وتحقّق “توقّعهم”، نصبوا أنفسهم أنبياء زمانهم، وإذا خاب رهانهم، ابتكروا تاريخًا جديدًا للتنجيم السياسي، وكأن شيئًا لم يكن.

والمفارقة المضحكة المبكية، أنّ بعض الناس ينجذبون إليهم كأنّهم يملكون مفاتيح الخلاص. يصدّقون كل كلمة، ويهلّلون لكل نبوءة، مع أنّ ما يُقال لا يتعدّى كونه حكايات مقاهٍ تُروى على الهواء. وهكذا يتحوّل “المحلّل” إلى مهرّج بربطة عنق، يُضحك من حيث لا يدري، ويُشعر المتفرّج الذكي أنّه أمام مسرحية كوميدية رديئة الإخراج.

إنّ السياسة ليست “قراءة طالع” ولا “بخت زهر”، بل علم وحسابات دقيقة وموازين قوى متحرّكة. واليقين الوحيد أنّ الغيب لا يعلمه إلا الله. أمّا هؤلاء “المتنبّئون”، فما هم إلّا باعة أوهام في سوقٍ مكتظّ بالثرثرة، لا يملكون من أدوات التحليل سوى أصوات مرتفعة وكلمات منفوخة كالفقاعات، سرعان ما تنفجر في وجوههم.

فكفانا تصديقًا لهؤلاء العرّافين الجدد، ولْنُعد البوصلة إلى حيث يجب أن تكون: العقل، لا الوهم.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *