سجلوا عندكم

قصة قصيرة/ بيتي… إِرْثُ عائلتي

Views: 526

ديانا جورج حنّون 

بخطواتٍ بطيئةٍ، مشَتْ “نانا” نحو بيت جبليّ، قرّرَتْ أنْ تبيعَه وتسافر. 

بعد ثلاث سنوات على إعلانٍ مصوّرٍ في مكتبٍ عقاريّ في “بيروتَ”، أُعلِمَتْ بمشترٍ له.

فتحَتِ الباب الحديديّ واجتازَتِ العتبة. 

عبقٌ من أريج ماضٍ لامسَ روحها، هزَّ أعماقها، وأرجفَ قلبها. هنا، في “بيتِ العزّ”، كما سمَّتْهُ أختها الكبرى “دودي”، عاشَتْ أيّاماً حلوة وحزينة. 

بعد دقائق، توقّفَتْ سيّارة فارهة أمام البيت. ترجّلَ منها رجلٌ أربعينيٌّ. سارَ بثباتٍ، متأبّطاً حقيبةً جلديّةً، ودقَّ الجرس.

“تفضّل”، قالَتْ. 

حيّاها، وقالَ: “إسمي “مارك”.

“أهلاً بكَ. هل جلبْتَ الأوراق التي سأوقّعُ عليها؟ أنا مستعجلة”. 

وأشارَتْ عليه بالجلوس.

“أريدُ أنْ أرى البيت عن كثب”.

“تفضّلْ”.

بعد جولتهِ، قالَ: “البيت يحتاج إلى ورشة تصليح. ولا يستحقّ المبلغ الذي طلبْتِه”.

“سيّدي، مكتب بيع العقارات أراكَ صور البيت من جوانبه كافّة، وما يحيطُ به من أشجار الزّيتون. إنْ لمْ يعجبْكَ يمكنكَ الإنصراف”.

“طيّب، وقّعي هنا”. 

ووضعَ أمامها الأوراق التي أخرجها من الحقيبة، وقلم حبر.

“والمال؟”

أراها الشّيك. إطمأنّتْ، وأمسكَتْ قلم الحبر، وبدَتْ واثقة من نفسها، وهي تحاولُ أنْ توقّعَ اسمها. وإذْ بها تسمعُ صوتاً يقولُ: “هذا إرثكِ”.

رفعَتْ رأسها عن الورقة، وقلبها يخفقُ بقوّة. رأتْ “دودي” جالسةً قرب الرّجل. 

عقدَتْ “نانا” حاجبيها، وارتجفَتْ يمينها، وتمتمَتْ: “إذهبي من هنا”.

“آنستي، ألنْ توقّعي؟” سألَها.

لمْ تسمعْهُ. وتابعَتْ: ”  “دودي”، لا تعترضي، عودي من حيث أتيتِ. ألمْ تكنْ رغبتكِ الأخيرة أنْ تُدفَني آخر بستان الزّيتون؟ هذا ما حصل. عودي إلى هناك. لا تقاطعي بيعَ البيت. لمْ يعدْ لكِ فيه حصّة. باتَ لي، وأنا حرّة التّصرف بمُلكي. إبتعدي”. 

وإذْ بالباب يُدقّ بعنفٍ. 

إختفَتْ “دودي”. إلتفتَتْ “نانا”، ورأتْهُ واقفاً كالرّمح، يحدّجُها بنظراتٍ ثاقبةٍ. فاهتزّتْ أعماقها، وقالَتْ:

” “حميد”، ماذا جئْتَ تفعلُ هنا؟”

“لأمنعَكِ من البيع”.

“ما شأنكَ بي؟”

“أنا.. حبيبك”.

“ألمْ تتأخّرْ؟”

“أتيْتُ”.

“والأخرى؟”

“لا أحداً في حياتي، ولمْ يكنْ”.

“رأيْتُ صوركما معاً”. 

“كفى “نانا”، سنحلُّ مشاكلنا فيما بعد. لا تبيعي بيتَكِ”.

“أتجرؤ وتأتي بعد أنْ سافرْتَ وتركتَني وحدي؟ أصمتْ”.

“سافرْتُ لأتفقّد الشّركة.. لكنّني لمْ أنسكِ وتابعْتُ أخباركِ. ما زلتُ أحبُّكِ”.

“لنْ أسمعَكَ”.

“أتقبلينَ الزّواج بي؟” 

ذُهِلَتْ.  

“أرجوكِ، إلغي بيع إرثكِ. ووافقي”.

“أأثقُ بكَ؟”

“لنْ تندمي”، قالَ “حميد”، واقتربَ منها. أخذَ القلم من يدها، وأعطاهُ إلى الرّجل، ثمّ احتضنَ أصابعها وقبّلها.

وهي تنظرُ في عينيهِ، قالَتْ للرّجل: “آسفة، لم أعدْ أرغبُ أنْ أبيعَ بيتي”.

“أأنتِ متأكّدة؟”

“لنْ أبيعَ إرثي”.

لمَّ أوراقه، وضعَها والشّيك في الحقيبة، وغادرَ. 

تنفّسَتْ “نانا” الصّعداء، وقالَتْ: ” هلا أعدْتَ سؤالكَ”.

إبتسم، وقالَ:

“أتتزوّجينَ بي؟”

“نعم، نعم، نعم”. 

“أحبُّكِ، أحبُّكِ، أحبُّكِ. سأنقلُ شركتي إلى “بيروتَ”، ثمّ نتزوجُ. سنمضي شهر العسل في “البندقيّة”. سأشتري لكِ بيتاً…”

“دعْ أمر البيت لي أنا”.

في ليلة العودة من رحلة شهر العسل، وقفَتْ “نانا” على شرفة بيتها الجبليّ المطلّة على بستان الزّيتون، وقالَتْ مناجيةً روح أختها: ” “دودي”، ارقدي بسلام. ما أردتِه تمَّ. إرْثي، سأحافظُ عليه حتى آخر نفس”.

ثمّ دخلَتِ الدّار، وأغلقَتِ الباب. جلسَتْ قرب “حميد”، اتّكأَتْ على كتفه، أغمضَتْ عينيها وهي تشعرُ بالسّكينة والانتماء إلى مكان أرادَتِ الهروب منه فعادَتْ إليه.

*اللوحة من اعمال الفنّان التشكيلي ميشال روحانا

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *