في كتاب” قطاف الخريف”

Views: 301

د. جان توما

يقول هاشم:

من أين أتيتِ إليَّ

حَسِبْتُ رياحَ الّليلِ مَحَتْ كُلَّ الطُّرقاتْ

وَحَسِبْتُ زَمانَ الشّعرِ مضى، وزمانَ الحبّْ

ورأيتُ زمانَ الهَمِّ يُبَاعدُ ما بينَ الخفقاتِ وبينَ القلبْ.

 

أقولُ: هي تأتي من اللاجهويّةِ، ففي الشِّعرِ تفقدُ البوصَلَةُ عقاربَهَا، وَيَتوهُ مغنطيسُها في متاهاتِ بآبيءِ العيونِ إنْ رنا النَّاظِرُ إلى الجمالِ وصارَهُ. ما زالَ هاشمُ “يَتَلَمَّسُ وَجْهَهُ” وَلَنْ يَقَعَ عليهَ. سَكَنَتْ “رياحُ اللّيلِ” الأمكنةَ والأشكالَ وَضَاعَ دَرْب ِ”النخلةِ” في عُمْرانٍ قِيلِ عَنْهُ حضارة، وَرَاحَتِ الطُّرُقَاتُ تُفَتِّشُ عن قادومياتِها، فلا التُّرَابُ بَقِيَ تُرَابًا والزَّيتونُ يكادُ يَفْقِدُ هُويَّتَهُ، فيما الزَّيْتُ يسري في القواريِر نعمةً، وِمِنَ الصَّابونِ تَفوحُ عَرَاقَتَهُ مجاورًا الشَّقائقَ وشُرُفَاتِ الجلولِ والتّلولِ والهضابِ. انكفأَ هاشمُ إلى “زمانِ الشِّعْرِ الّذي حَسِبَهُ مضى” فإذا دوواينُهُ تُزيحُ حَجَرَ السِّتْرِ وتقومُ طالعةً بضيائِهَا” ما بينَ الخَفقاتِ وبينَ القلبْ”.

 

يقولُ هاشمُ:

اشتاقُ ليالي الثّلجِ ودفءَ المقهى في مُدُنٍ نائيةٍ

وَأَحِنُّ لموجِ شواطِئِها

ولشمسٍ باردةٍ ورياحٍ تَعْبُرُ عندَ حدودِ موانِئِها.

 

أقولُ: إنَّ اضطرابَ هاشم يقودُهُ إلى التّضادِ، إلى التّعارضِ، إلى التّناقضِ، فها هو يلملمُ لياليَ الثّلجِ ودفءَ المقهى مع موجٍ وشواطىءَ وشمسٍ باردةٍ ورياحِ موانِىءَ، هو هنا يرسُمُ على الحيطاِن صورةَ غَدِهِ، يمحو ويصحّحُ ولا يقعُ على رصيفٍ آمنٍ، لعلَّ الشّاعرَ فيه، وليدُ التَّمزُّقِ، أو آتٍ من هذا العيشِ على حدّ السّكينْ ، ما بينَ فَرَح ٍوَوَجَعٍ وحنينْ. لكأنَّ العالمَ الذي يَودُّهُ لا جلولَ فيه، ولا كرومَ عنبٍ، ولا تلاوينَ أزهارٍ، كأنَّ “النخلةَ” عِنْدَهُ وإنْ طَالَ سَعَفُهَا شوارعَ طرابلسَ التي دَرَجَ فيها لن تقدِرَ أنْ تبنيَ له مدينتَهُ الفُضلى، بل تُطْلِقُهُ قامةً في واحاتِ الحبِّ عندَ بئرٍ يرى في قعرِهَا ملامحَ وجهِهِ فيرفعُ رأسَهُ ليلتقيَهُ في زُرْقَةِ سماءْ، لا على صفحة ماءْ.

 

 يقولُ هاشم:

كانَتْ تتزاحمُ في دربي الخُطُواتْ

سنواتي تَسْبَقُ أيامِي، فالعمرُ ضَبَابْ/ وسَرابٌ يمضي خَلْفَ سَرَابْ

 

أقولُ: وحيدًا الشّاعرُ يبقى، ولو ضَجَّ المحيطُ حولَهُ. سكينتُهُ تأتي من هدأةِ نِفْسٍ، وتوتُرِ شريانٍ، وانحباسِ نَبْضِ قلبٍ. الدروبُ كلُّها عندَ  الشِّعرَاءِ مجردَ خطواتٍ، تسيرُ بهم الدّروبُ وهم سُكارى بصِغَرِ أو بكِبَرِ وَثَبَاتِهِم، وهم في الموقِعِ نفسِهِ، تتغيّرُ الهالاتُ حولَهُم وَيَبْقَونَ في سرديةِ الحياةِ والموتِ. هنا هاشم قَلَبَ السَّاعةَ الرَّمليَّةَ وَخَرْبَطَ مَجرَى العُمْرِ، فصارَتِ السَّنواتُ تَسْبِقُ الأيامَ، وَدَارِتِ الأيامْ وَمَرِّتِ الأيامْ، ولكنَّ مرورَها عِنْدَهُ مُحَبَّبٌ.

ما يلفتُك عندَ هاشم هذه البداوةُ في ِشعْرِهِ، التي يرى فيها العودةَ إلى الأصولَ، شهامةً ونجدةً وإغاثةَ ملهوفِ. فلو غَمَرَ العُمْرُ الضَّبَابَ، وَحَلَّ السَّرَابَ إلَّا أنَّ الضَّبابَ يجلو رؤوسَ الجبالِ، يلقي على أكتافِهَا شالًا من نورٍ، أمّا السَّرابُ، فَمِنْ جمالِ اللّغةِ العربيّةِ أنَّ المطرَ إذا هَطَلَ تَرَكَ ثلاثَ نُقَطٍ على حرفِ السِّينِ في السَّرابِ ليصبحَ الشرابَ الذي ينعشُ أفئدةَ الواحاتَ ويلملمُ الضَّائعينَ، ويوحِّدُ بينَ العطاشِ إلى ماءِ حبٍّ أو ماءِ حلالْ.

 

يقول هاشم:

وكأنّي مُنْذُ ولدْتُ أفتّشُ عن عينيكِ الضاحكتينْ

وأبحثُ عن بعضِ الكلماتْ/ لتكونَ قصيدةَ عشقٍ وصلاةْ

 

أقولُ: منذُ كانَ الشِّعر،ُ والشّاعرُ تائهٌ في وادي عبقر، وهو يقضي عمرَهُ

أَخا سَفَرٍ، جَوّابَ أَرضٍ، تَقاذَفَت        

به فَلَواتٌ فَهوَ أَشعَثُ أَغبَرُ

 

كما امرؤ القيسِ وطُرفةُ وعمر ابن أبي ربيعة. وهاشمُ كاسمِهِ مقلوبًا “مَشّاهٌ” في دروبِ عالَمِها منذ أبصرَ بنورِ عينيها، هي الأمُ، الأختُ، الحبيبةُ، الأرضُ، أو اختصارًا: القصيدةُ المستحيلةُ التي يجلسُ إليها هاشمُ يُجَدِّلُ خصائلَ كلماتِهَا، يلملمُ ضفائِرَ معانيها، وَمَتَى ضَحَكَتْ رَبِحَ الدُّنيا وخسر نَصَّهُ. صحيحٌ أنَّهُ يبحثُ عن بعضِ الكلماتِ من أجلِ صلاةٍ، لكنَّهُ يعرفُ أنَّ مِفتَاحَ المعجمِ اللغويِّ في يَدِهِ، وأنَّهُ اؤتمنَ على أبوابِ الخروجِ منها إلى عوالمَ من الجمالياتِ التي عَشِقَهَا في عيونِ الشِّعرِ، وعيونِ الكتبِ، عيونِ من سَبَقَهُ إلى حيثُ الخُضرةُ والماُء والشكلُ الحَسَنْ. كلُّ قصيدةٍ عندَ هاشم هي صلاةٌ لأنَّهُ يتوجَّهُ إلى الآخَرِ، المختلِفِ عنه، جندريًّا، أو مناطقيّا، أو لونًا، أو مذهبًا أو اختلافَ رأيٍّ. كانَ يعرفُ أنَّ الكلماتَ المشتتةَ تصيرُ إلى بيتِ شِعْرٍ واحدٍ مسبوكٍ، ومتى انفرطَ معنًى سَقَطَتْ معانٍ ، وأنَّ اللؤلؤَ المنظومَ لا يكتملَ رونقُهُ إلَّا إذا ابتسمَ الثَّغْرُ الجميلُ وباللحظِ السّاحِرِ يُشفى العليلُ.   والسّلام

***

*مداخلة في ندوة حول  ديوان “قطاف الخريف- شعر” للعميد هاشم الأيوبي في معرض الكتاب ال٥٢ في الرابطة الثقافية بطرابلس مع الدكتورين محمود عثمان وفرح الجم.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *