د. مصطفى الحلوة في تكريم ميراي شحاده: عدَّة نساءٍ مقتدرات تجسّدن في امرأة واحدة

Views: 66

د. مصطفى الحلوة                 

أن تُكرَّمَ المهندسة والشاعرة ميراي شحادة الحداد، عند مشارفِ مدينة الحرفِ جبيل، التي حملت أبجديتها إلى أصقاع العالم، فواللهِ  ليس ذلك بكثير عليها! 

وبالتوازي ما فتئت مكرَّمتُنا تنسجُ أبجديّتها على امتداد الجغرافيا اللبنانية وما يتعدّاها، بإيقاع، لا تتوقَّفُ عقاربُه، منذ العام 2020، وجهدت في استحضارِ أبيها، شاعرِ الكورة الخضراء عبد الله شحادة، وكانت الخطوةُ الأولى، بإصدارِ مجموعتِهِ الأدبية الكاملة، وتعميمِها على الملأ! 

وأن يُحتفى بميراي، غداةَ عيد الأب، فما ذلك بمُستغرَبٍ، فقصّة ميراي بل ملحمتُها، بطلُها ذلك الأبُ العظيم، الذي يمدّها بطاقةٍ خلاّقةٍ، تعصى على النفاد، فراحت تستعيشُهُ، تستحضرُه، في كل حركاتها وسكناتها، وفي اهتماماتها الثقافية، والفعاليّات التي تُنظّمها، عبر المنتدى، الذي أوقفته على اسمه، فكان خيرَ مُنتدى! أجل .. تستعيشُهُ، عَبْرَ نشر الكلمة، تنشرُها، بحبٍّ وفرح، من دون تعبٍ ولا كلل، تنشرُها، بطقوسِيّة المؤمنِ المتعبِّدِ، آناء الليل وأطرافَ النهار! 

كيف لا تستعيشُهُ، وهو مثلُها الأعلى، وقدوتُها في مسيرتها الحياتيّة؟ ولئن غاب جسدًا، فإنّ روحَه تواكبُها في كل خطواتها.

 

وأن تكرّم ميراي، غداةَ عيد الموسيقى، فما ذلك بكثير عليها أيضًا وأيضًا، ذلك أنّ الموسيقى لغةُ الروح، تُلامسُ أعماق النفس البشريّة. بل هي صوت الله، بملء الكون، وما كانت ميراي، في رحاب العرسِ الكونيّ إلاّ ذلك اللحن، الذي يتنزّلُ علينا بَرْدًا وسلامًا، ويتسلّلُ إلى دواخلنا دونما استئذانٍ، وليس من جوازِ عبور! 

أيّها الأحبّة ، 

يقعُ المرءُ في حيرة من أمرهِ، إذا ما عزمَ على التحدّث عن ميراي، عن تلك المرأة الاستثنائيّة، التي اصطفاها الله من بينِ خيرِ خلقِهِ، فكادت أن تكونَ نسيجَ وحدِها، ويصحُّ فيها قولُ أبي الطيِّب المتنبّي. مع تعديل طفيف: “ولو كانَ النساءُ كمن شهدنا/ لفُضِّلتِ النساءُ على الرجالِ/ وما التأنيث لاسم الشمسِ عيبٌ/ ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ!” .

ميراي، وما أدراكَ من هي، هي عدَّة نساءٍ مقتدرات، تجسّدن في امرأة واحدة، تلعبُ أدوارًا مختلفة على مسرح الحياة ! مهندسةً، طرقت باب الفيلسوف أفلاطون للانخراط في أكاديميتِهِ بأثينا ، فأشار بالإصبع إلى العبارة، التي خطّها على باب الأكاديمية “من لم يكُنْ مهندسًا، فلا يدخلُ منزلَنا!”. تبسّمت ميراي ابتسامة المنتصر، وأبرزت أوراقها الثبوتية في الهندسة، مما يُؤهِّلها للخوض في هندسة الكون، بل في ميكانيكا الكون الفلسفيّة! أسقِطَ في يدِ أفلاطون، وكان أن شرّع لها باب منزله، وها هي ميراي اليوم، في خضمّ مُتابعة الدكتوراه في الفلسفة، بعد أن حازت الماجستير، بكفاءة عالية! 

هل أُحدّثكم، هذه العشيّة المباركة، عن امرأةٍ حديديّة في لبوس حرير؟ 

هل أحدّثكم عن شخصيّة إشكاليّة، تعيش مخاض ولادةٍ فكرية مُتجدِّدة كل حين؟ 

هل أحدّثكم عن تلك التي تُطِلُّ علينا بـ “أنواتٍ” (جمع أنا) مُتعدِّدة مُتصارعة، عبر جدل لا ينتهي.. تُطِلُّ بأناها الشاعرة، بأناها المتعالية، بأناها الخائبة، بأناها المنكسرة، بأناها المتوجّعة، بأناها الرجاء، بأناها الناهدة إلى خلاص! 

هل أحدّثكم عمَّن تتلو علينا آياتٍ بيِّناتٍ، من أتون وجعها، وهو وجعٌ مُلازمُها ما عاشت، هو وجعُ الأبِ والأمّ، الذي يحفرُ فيها عميقًا، وليس منه بُرءٌ وشفاء؟! 

هل أُنبئكم عن تلك التي علّمتها الحياة أن تُحيلَ حزنها ربيعًا، وأن تعتصرَ من أحزانها فرحًا … تدّعي الأفراح، وترقص وجعًا بكبرياء! 

هل أخبركم عن تلك المرأة الصامدة، في وجه أعاصير الزمن وعواديه، لا تُفارقُ الابتسامةُ مُحيّاها، إبتسامةٌ تنبعث من أعماق القلب، وليس اصطناعًا من رؤوس الشفاه ؟ 

هل أحدِّثكم عن تلك التي تفيضُ محبَّةً، وآمنت، كما المسيحيّون الأوائلُ الأنقياء، بأن “الله محبّة” ، ولتغدوَ المحبةُ عينَ ذاتها، في تماهٍ لا مُتناهٍ، وليس وفق لعبة تبادل أدوارٍ، تقوم على مصالح نفعيّةٍ زائلة؟ 

 

هل أخبركم عن التي أُترِعت حبًّا، وارتقت به تقديسًا إلى علّيين، فكان أن ردّدت على مسامع أحد جاحدي الحبّ : “إنْ لم تعرف الحبَّ، يا صاح، لن تعرف ما هو ديني؟ كأننا بها تترسَّمُ خُطى أحد كبار المتصوّفة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، والذي لا يُنازعُهُ مُنازعٌ في التصعيد بالحبّ إلى فضاءات كونيّة لا مُتناهيّة: “أدينُ بدينِ الحبّ أنِّى توجَّهت / ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيماني!” .. بل كأننا بها، ترى إلى الحبّ الحقيقة الجوهريّة الخالصة، فكان ضالّتها، التي تبحث عنها، بدفعٍ من إيمانها الإنجيلي ، وما علّمها يسوع الناصري! 

هل أُحدِّثكم عن امرأةٍ، زانها التواضُع، فلم تُصعِّر خدَّها للناس، ولم تمشِ في الأرض مرَحًا، لأن الله لا يُحبُّ كلَّ مختالٍ فخور؟ 

هل أخبركم عن حكايا تلك المتصوّفة، التي لم يغرّها عَرَضُ الدنيا، ولا ترّهاتها ولا مجدُها الزائل، ولا تفاهاتها ومتاعُ غرورها؟ 

هل أدلّكُم على مُبدعةٍ ، ما خطّت يداها ما خطّت، إلاّ وترجّحت كلماتُها بين شعر ونثر، بل بين أجمل ما في الشعر وأرقى ما في النثر.. تنساحُ على الورقِ مِدادَ قلبٍ نازف ، فتأتينا بعيونِ الكَلِمِ وعميقِه؟ 

طاوعتها اللغة، مالت معها اللغة، حيث تميل هي وتهوى، بل غدت اللغةُ في حالة انتشاءٍ بين يديها، فكان السحرُ الحلال! .. وكانت وحدةٌ وجوديّةٌ بين ذاتِ ميراي وذاتِ اللغة! 

هل أُخبركم عن التي ترى إلى كل مؤلَّفٍ، يصدُرُ عن منتدى والدها، بمنزلة تحيّةٍ تبعث بها إلى ذلك الأب، وأحسبُهُ يُباركُ جهودَها ويشدُّ على يدها، وقد قرَّ عينًا في عتمةِ القبر؟

هل أُنبئكم عن ميراي، التي لم تجنح إلى الكتابةِ إلاّ لتتواصل مع أبيها، مع روحِهِ الطاهرة، كي تبثَّه حزنها ووجعها والذكريات؟  ولِمَ العجب، وعبد الله هو مسوّيها خلقًا شعريًّا، على رُغم الهاوية الزمنيّة، التي حفرها بينهما رحيلِهُ !

بل هل أنبئكم عن تلك التي كيفما أدارت وجهَها فَثَمَّ وجها والديها، تستشعر وجودهما، وهما يرمقانِها ويقتفيان خطاها، في كل منعطف من منعطفات مسيرتها الظافرة ؟ 

بل هل أخبركم عن ميراي، التي ترى إلى أمّها بدرَ البدور، وبُرعُمَ الخلود، في أكمام الزمن، فراحت تُناديها، بأعلى الصوت: “أيا أمّي، أَطلِّي ولو قليلاً/ وبلِّلي ما جفَّ من عمري، يا جارة القمر”؟ 

كيف لا تقول ما قالت، وقد ترمّلت تلك الأم في الخامسة والثلاثين من صباها، فحضنت أطفالها- كبيرتُهُم ميراي بنتُ عشر- وقامت بدور الأم والأب في آن، جاعلةً من نفسها جسرًا كي يعبر عليه هؤلاء الأبناء إلى فجرٍ جديد، ومستقبلٍ واعد! 

 

أيّها الأحبّة، 

هذا غيضٌ من فيضِ مُكرّمتنا ميراي، ولا يتّسع المقام لما في الجِعبةِ من عظيم القول فيها. 

ولعلِّي في ختام هذه الكلمة الشهادة، أحسبُ أن روح عبد الله شحادة كانت تُطوِّف في فضاء هذا الصرح، ويُصيخُ إلينا السمع، وأنّ طيفه مَخَرَ عُباب بحر جبيل، ليكون معنا في الحضرة، فهو من أولئك الأموات- الأحياء، عند ربّهم يُرزقون! 

وآخر كلماتي، باسم الصديق د. علي الصمد، أتوجَّهُ إلى الهيئة الداعية إلى هذا الحفل المهيب، ممثّلةً بالدكتورة كوليت الخوري يوسف، وإلى القيّمين على هذا الصرح الجامعي الزاهر، وإلى كل من أسهم في هذه التظاهرة التكريمية، التي زاوجت بين الفكر والموسيقى، كأحلى ما تكون المزاوجة . 

مُباركٌ لكِ، عزيزتي ميراي، هذا التكريم الذي تستحقينه عن جدارة، والشُكر موصولٌ للحضور الأحباء . 

***

*كلمة د. مصطفى الحلوة ممثِّلاً مدير عام  وزارة الثقافة د. علي الصمد 

في الاحتفال التكريمي للمهندسة الشاعرة ميراي شحادة الحداد 

جامعة AUT (حالات) / الأربعاء 24/6/2026 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *