جان توما قارئًا “شهوةُ السّنابل” لأسعد المكاري

Views: 287

د. جان توما

من العنوانِ” شهوةُ السّنابل” نكرِّرُ ما جاءَ في القولِ السّائرِ: من اشتهى انتهى. فهل انتهى تَجْوالُ شاعرِنَا أسعد بدوي المكاري في مَسراه السُّنْبُليّ؟ “شهوةُ السّنابلِ” قائمةٌ في هذا الشّتاتِ الذي توريه الرّيحُ لحبّاتِها. فهي تنثرُه ليعودَ الحاصدُ/النّاظمُ فيجمعُهُ وينقلُهُ متفرّقًا، ضائعًا، جوّابّا، ليطحنَه حجُر الرَّحَى، فيصيرُ المشتتونَ إلى واحدٍ في رغيفِ خبزٍ يجمعُ الكلَّ في لقمةِ خبزٍ وملحٍ.

من مِعجَنٍ الخبزِ ومَلّاحةِ الملحِ، يطلعُ أسعد المكاري متجدّدَ الرّوحِ والتوثُّبِ. فهو، بِحَسَبِ قولِهِ، في أولى قصائدِهِ: يعمّد ُالقصيدةَ بماءِ العينِ، ويمسحُ الجبينَ بزيتِ القلبِ، المعجونِ برَمَادِ اللّغةِ لصلاةٍ وبَخُورٍ مُنتَظَرٍ(ص13)، هو الّسابقُ لحضورٍ أخّاذٍ مبهرٍ، يقودُكَ إلى القصيدةِ في انفجاراتِ ينابيعِهَا؛ من الكتابةِ على حيطانِ المدينةِ بيروتَ المتوجّعةِ (ص 79) وإهدنَ/ الرّيفِ الهانىء ( ص94) إلى إعادةِ رسمِ وجهِ أمِّهِ (ص96)، وملامحِ أبيهِ التَعْبَى( ص85).

إذا ذهبنا إلى النّقدِ وعلم النّفسِ الأدبيِّين يمكننا تبيانُ محورَين تناولهُما الشّاعرُ في ديوانِهِ وهما: محورُ المدينةِ والرّيفِ ومحورُ الوالدَين. فقد وَقَفَ في تناولِهِ بيروتَ كما وَقَفَ الشُّعراءُ أبو البقاء الرّندي وابن خَفَاجَة، وابن اللبّانة، وابن عبدون، الذين وثّقوا بدموعِهم سقوطَ الحواضرِ الأندلسيّةِ مثلَ قرطبة وبلنسية وطليطلة. ملتقيًا مع ابنِ طرابلسَ الرّاحلِ خريستو نجم في قوله:

في الموتِ الزاحفِ مجانًا يُمَشِّطُنَا في كلِّ رصيفْ

في الموتِ الأعمى يَصْرَعُنَا قدامَ الفُرنِ

لقاءَ رغيفْ

في الأوتارِ المقطوعةِ من صوتِ الأخويّ شريفْ ​ بيروتُ “المطفأةُ ضوضاؤُها وأنفاسُها” يَضيعُ فيها شاعرُنَا، تتجاهلُهُ الأمكنةُ التي لم يَعُدْ يَقَعُ عليها. تُشَّوّشُهُ “عتمةُ البيوتِ”، وَيَقْهَرُهُ “دمعُ الأمهاتِ والفراشاتِ”. يَعتَلُ “همَّ العصافيرِ كيف تقتاتُ”؟ ولماذا “العناقيدُ تهاجرُ بيادرَ الحنينِ”؟ أسئلةٌ لا جوابَ عندَهُ عليها، “إذ السّنابلُ أُحْرِقَتْ، والقمحُ احترفَ المجاعةَ”، ومع الحيارى يستغربُ ” كيف يَنِزُّ الحزنُ من غفواتِ القِرميدِ”؟. يخرجُ من حزنِهِ إلى حزنِ بيروتَ، يرفَعُهَا على صليبِ القيامةِ، يلفُّ جروحَهَا بالكتّانِ الأبيضِ، ولا يدحرجُ عليها الحجرَ، لأنَّهُ ” لم ولن أقولَ بيروتُ تموتْ، بيروتُ آلهةُ الحُبِّ، لن يميتَها جبروتْ”.

 

من هذه المدينةِ المنكوبةِ يعبرُ إلى جبيلَ وغيرِهَا وصولًا إلى الرّيفِ، إلى إهدن، في عودةٍ إلى البداءاتِ وإلى الأصولِ والعفويةِ والبراءةِ الأولى. هنا ” ملكةُ تلبَسُ الصفاءْ، وفوقَ روابي السَّمَرْ، تتمخطَرُ الأحلامُ بألوانِ النقاءْ” . واضحٌ انحيازُ الشّاعرِ إلى تلكَ الروابي والوادي المقدّسِ حيثُ ” الملائكةُ تَنْفُخُ في مزاميرِ الفرحِ، وعيونٌ تتلوّنُ في الرَّجاءْ، أحداقُها ضياءْ”. لقد بدا الشّاعرُ في تيهِهِ متكئًا على ثابتةٍ واحدةٍ هي الرّيفُ اللبنانيُّ، مؤمنًا بأنَّ سقوطَ الرّيفِ يعني سقوطَ المدنِ، فهناكَ التّراثُ والأصالةُ البعيدةُ عن التكلّفِ والتصنّعِ، هنا الأرضُ البسيطةُ تمدُّ شروشَها إلى الأكُّفِ المهتمةِ بالترابِ،عابقةً بتلاوينِ الفصولِ وجمالاتِ الشّهورِ، هنا لا انفصامٌ ولا اختلاطٌ فـفي” إهدن عشيقةُ الرّوحِ أنتَ أقربُ إلى السّماءِ من السّماءْ”.

هذا الرّيفُ استدعى وجهَيِ الأمِّ والأبِ. بداءةً جدّدَ العلاقةَ بين “أُمّي وأُمتي” كما قالَ جبران، واستحضرَ كلماتٍ مفتاحيّةً تتناولُ الأمومةَ والصّلةَ بين رَحِمِ الأمِّ ورَحِمِ الأرضِ في ولادةٍ مكرورةٍ في هذا التّوغلِ بين الإنسانيّةِ والطّبيعةِ. لذا تكرُّ مفرداتُهِ: البراءةُ، الشّبابُ، اللّباسُ، الجبينُ، اللّقمةُ، الطّفلُ، العيونُ، الأحداقُ، الحساسينُ، الوجعُ، الياسمينُ، الأحلامُ، القساوةُ، الأبناءُ، الأولادُ، الآمالُ. لعلَّ هذه المفرداتِ مجموعةُ ملامحٍ استخدمَهَا الشّاعرُ ليرسُمَ وجهَ أمِّهِ بَلْ أُمَّتِهِ، وإذ يؤكّدُ ” أنَّ الوطنَ في النّار”، يشيرُ إلى أنّ البلدَ، ولو طالَتْ أزماتُهُ، خارجٌ كالذّهَبِ بعد احتراقِ الأدرانِ بهيًّا نقيًّا كإنسانِهِ. من هنا فإنَّ تناولَهَ مفردةَ ” الرّمادِ” في قصيدتِهِ الأولى يلتقي مع الشّاعرِ خليل حاوي في عنوانٍ لديوانٍ لَهُ ” نهرُ الرّمادِ”، فما كان جامدًا محترقًا يصيرُ هدّارًا كحصانِ امرىءِ القيسِ: “مكرٍّ، مِفَرٍّ، مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا”، لتَصُحَّ عندَهُ الكنايةُ الجاهليّةُ ” كثيرُ الرَّمادِ” أي كثيرُ الطَّهي، كثيرُ الكرمِ في استضافةِ عابرٍ أو إغاثةِ ملهوفٍ.

 

من هذا الوجه الأُمَّوميّ يعبُرُ الشاعرُ إلى الوجهِ الوالديّ، ذاكَ الذي إذا طلبْتَ منه نجمةً صباحًا عاد إليكَ مساءً بآلافِ المجرَّاتِ والأقمارِ والأحلامِ. هو لا يريدُ لأبيهِ أنْ ينامَ كالتّاريخِ الذي لا يتأوهُ ولا يتثاءَبُ، بل ينامُ على مجِدهِ. والدُ الشّاعرِ هنا هو ذاكَ الذي يفتحُ ألفَ دارٍ لأبنائه، ويعجَزُ أبناؤُهُ عن إبقاءِ بيتِهِمُ الوالديّ مفتوحًا لانشغالِهمِ بألفِ قصّةٍ وقصّةٍ، ناسيينَ جذورَهُمْ وشروشَهُمْ، فيما يودُّ الوالدُ رؤيتَهُم ولو “بكّائيين على الأطلال” ليشعرَ برطوبةِ دمعِهِم، ولو كَذِبًا. الوالدُ “هو عرسُ الوطنِ” يقولُ الشّاعرُ، موسِّعُ الآفاقِ، تضيقُ الأرضُ بنا في غيابِهِ، وتتسِعُ بوجودِهِ وتزدادُ رحابتُها، ومتى غابَ صارَحْنَاهُ أنْ يلملمَ خيباتِنَا، وأنْ لا تندَثِرَ أحلاَمُنَا. مَثَّلَ الوالدُ للّشاعِرِ، كما للمحبّينَ، الحُلُمَ الذي لا تَقْوَى عليه الدّنيا، فإنِ انكسَر راحَ الفانوسُ السّحريُّ ليظهرَ الواقعُ بغلاظتِهِ وثِقْلِهِ وبلادتِهِ.

مضى الشّتاءُ وجاءَ الربيعُ، فقوموا إلى الحقولِ، فقد بَدَتْ” شهوةُ السّنابلِ” تتخايلُ تيهًا. سيلقاكُمْ هناكَ الشّاعرُ أسعد المكاري بقافلتِهِ الشّعريّةِ، معلّقًا قصائدَهُ على أسوارِ أبجديَّتِهِ، يُرنِّمُ بمزمارِ إيقاعاتِهِ، كي تفتحَ لكُمُ الأبوابَ، لتعبروا الجسرَ خفافًا من ديوانٍ إلى ديوانٍ ليكونَ لكُم ُالعالمُ أجملْ.

***

*ألقيت في ندوة حول ديوان “شهوة السنابل” للشاعر أسعد المكاري، مساء الخميس، في جناح منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافيّ، معرض الكتاب الـ٥٢ في الرابطة الثقافيّة بطرابلس. وكانت مداخلات للأديبة ميراي شحاده  ووفاء عاصي، وماري الفخري وماري ديب وعزف وغناء للشاب شربل اسكندر.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *