الخوارزميّات وتحوّلات الوعي: من القلق المعرفي إلى الدَّعَة الفكرية

Views: 80

فيصل طالب

المدير العام السابق لوزارة الثقافة

 لطالما كانت المسارات الإنسانية عبر التاريخ مدفوعة بالأسئلة الكثيرة التي بها بدأت الفلسفة، ونشأت العلوم، وتشكّلت الحضارات. غير أن المشهد في عالم اليوم انقلب على نحو مذهل ومثير للقلق؛ إذ بتنا نعيش في عالم يفيض بالبيانات والحلول الجاهزة، وتنهمر فيه المعلومات كالمطر، وتُستحضر الإجابات عن أيّة أسئلة بلمح البصر، من دون قيود أو حدود. وفي حين يبدو هذا الفيض المعرفي إنجازاً غير مسبوق، إِلَّا أنّه لم يكن بدون ثمن، بل إنّ تكلفته العميقة وضعت القيمة الحقيقية للوجود الإنساني على المحكّ، فسرقت منه الأسئلة الكبرى المحرّكة للوعي الإنساني تفكيراً وتأمّلاً وبحثاً واستكشافاً وتمحيصاً ونقداً وتحليلاً، وأودعت مكانها الأجوبة الفورية مسلوبة الروح. تُرى ما الذي نخسره حقيقةً في هذا السياق، وما هي تجلّيات هذه التكلفة الباهظة التي انتزعت من العقل البشري متعة التجربة، ومخاض السؤال الذي يلد الجواب بعد رحلة البحث الجاد والكدّ المنتج؟ 

تتبدّى هذه التكلفة بصورة عامة بفقدان “البصمة الشخصية” في الفهم والإنتاج المعرفي، وحلول التنميط العقلي مكانها، من خلال تقديم الأجوبة نفسها التي تظهر لملايين البشر، وكأنّ إنسان اليوم يعيش على الهامش الفكري لعالم تصنع الخوارزميات حدوده، ويخضع لمفاهيم بنية معرفية جديدة قائمة على التبسيط والجاهزية بدلاً من التعمّق والمخاض الفكري، تُفرض عليه فرضاً، وتعيد تشكيل العقل البشري المعاصر وطريقة إدراكه للوجود.  

من مظاهر هذه التكلفة ما يمكن إيراده فيما يلي: 

​- غياب متعة البحث: عندما تغيب المشقّة في الوصول إلى المعرفة، نفقد معها لذّة الاكتشاف؛ إذ إنّ الإجابات السريعة تحدّ من الفضول الإنساني الفطري للسعي إلى تعرّف ما لا يعرفه.

– الخمول المعرفي: الإجابات الجاهزة غالباً ما تكون معلّبة ومختصرة، ممّا يحرم الإنسان من التأمّل والتفكير النقدي والتحليلي اللذين يصقلان الروح والعقل.

– الإرهاق الذهني غير البنّاء الناتج من التدفّق غير المنقطع لسيل المعلومات، بمختلف أنواعها وأشكالها…

– إضعاف الذاكرة البشرية لصالح الذاكرة الرقمية…

– تراجع القدرة على التركيز والتروّي والمثابرة والمصابرة وتحمّل مشقّة الارتحال المعرفي للوصول إلى المبتغى…

– تحوّل الإنسان من باحث عن المعنى ومنتج له، إلى مستهلك للمحتوى المعرفي. فالمعرفة التي تأتي من طريق البحث والسعي والتعب والمثابرة هي الأكثر رسوخاً وتمثّلاً في التكوين البنيوي العقلي والروحي والنفسي. ذلك أنّ الإجابات المتاحة تنتزع من أعماق الحياة الإنسانية القلق المعرفي الذي هو المحرّك الأساس لحيوية الابتكار والإبداع.

​- تراجع الأسئلة الوجودية: على الرغم من أنّ هذا العالم يمنحنا كلّ الإجابات، لكنّه في الوقت عينه يشغلنا بالصغائر اليومية والحلول التقنية السريعة، إلى الحدود التي تنسينا طرح الأسئلة المهمّة حول المعنى والغاية والقيمة وجوهر الوجود الإنساني، والتي لا تملك التكنولوجيا، ولا حتى الذكاء الاصطناعي، إجابات حاسمة عنها. إنّها  الأسئلة نفسها التي ميّزت الكائن البشري عبر العصور، ومنحته عمقه الأخلاقي والفكري والروحي. ذلك أنّ قيمة الإنسان لا تقاس بمقدار ما يملك من معارف وبيانات، بل بعمق الأسئلة التي تشغله، فيسعى لطرحها في سيرورته نحو وجوده الحيّ. من بين هذه الأسئلة، على سبيل المثال لا الحصر:                                    

من أنا بعيدًا من الأدوار التي أؤديها على مسرح الحياة؟ وهل يمكن للإنسان أن يعرف نفسه حقّاً ؟

ما معنى أن أعيش حياة ناجحة؟

هل السعادة لحظة عابرة أم طريقة في النظر إلى العالم؟

لماذا نخاف الفقد والموت إلى هذا الحد؟

ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟

ما هي الحرية؟

ما قيمة الرأي ووجهة النظر، إذا كان كل شيء قابلًا للتغيّر؟

هل التقدم التقني يجعل الإحاطة المعرفية أفقية أم عمودية؟

ماذا يبقى من الإنسان؟

هل الحقيقة واحدة، نسبية، مطلقة؟

لماذا نشعر بالوحدة رغم كثرة وسائل التواصل؟

ما الفرق بين أن نعيش، وأن نستهلك الوقت فقط؟

ماذا يعني وعي الوجود؟ ومن نحن؟

…  

إنّ قيمة السفر المعرفي ليست في الوصول السريع إلى الغاية المرجوّة، بل هي في الطريق إليها، وما فيها من حركية العبور، ومن وعد مفتوح على الاكتشاف والدهشة، وما يرافق كل ذلك من متعة البحث، والشغف، والتعثّر، والسؤال، والإصغاء، والاختلاف، والمفاجآت، وربّما الضياع أحياناً …، وساعتئذ يحلو الجنى من تلك الأشجار التي هزّت أغصانها ريح السعي المثمر في حقول العقل والروح. 

إنّ وفرة المعلومات في عالم اليوم تمثّل سيفاً ذا حدّين: آفاق مفتوحة وغير مسبوقة للاطلاع المعرفي والتواصل من جهة، وتحدّيات عميقة تمسّ الفكر والوعي الإنساني والتمثّل المعرفي العميق في البناء التكويني للإنسان من جهة ثانية.

وعلى الرغم من أنّ هذا العالم يغرينا بإجاباته السريعة، إِلَّا أنّه يجب ألّا يثنينا عن الإطلالة من نوافذ الأسئلة الأكثر توغّلاً في أعماقنا على الآفاق المفتوحة؛ حيث تكمن هناك المعاني التي لا توفّرها الخوارزميّات. 

إنّ الحاجة اليوم أصبحت ملحّة لترسيخ ثقافة جديدة لا تقوم فقط على تلقّي المعلومات   واستهلاكها، بل على حسن اختيارها، وفهمها، وتمثّلها، وتحويلها إلى معرفة نافعة وعميقة تستطيع أن تبقي في داخلنا مساحة للأسئلة القادرة على إيقاظ الفكر وإنتاج الوعي، والحفاظ على إنسانية الإنسان، وإعطاء الحياة ما تستحق من قيمة. ومن غير التربية تقع على عاتقها مسؤولية التصدّي لهذا المسار المحفوف بمخاطر الإضرار ببناء الشخصية الواعية للطالب؟! فالمدرسة ليست لتلقين المعرفة وشحن العقول بالمعلومات المتوافرة بسهولة للجميع؛ لأنّ الآلة تستطيع أن تتولّى هذه المهمة، وتقوم بهذا الدور بكفاءة أعلى وسرعة أكبر، بل هي لصنع هذه المعرفة، وترسيخ قيم البحث المعرفي والاختيار الواعي، وبناء العقل النقدي المفكّر، وتنشئة جيل يبحث عن المعنى المكوّن أو المولّد (الكيف)، لا المعنى المكدّس أو المتراكم (الكم)، وعن إقامة جسور العلاقة الوطيدة المتفاعلة مع مفاهيم الحياة وقيمها. قديماً قال الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق… ، إنمّا الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ….، وجودة السبك”. الجاحظ يخبرنا أن المعنى (الإجابة الخوارزمية) مجّاني ومتاح للجميع، لكن القيمة الإنسانية الحقيقية في ذلك، كما يراها، ليست في التقاط المعنى المطروح، بل في مغامرة العقل الذي يسأل ويبحث ويسبك هذا المعنى، ليصنع منه وعياً حيّاً. التكنولوجيا تمنحنا “المطروح”، لكنّها تسرق منّا “السبك” (مخاض البحث)، وتلك هي المسألة!               

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *