سهيل مطر في تكريم ميراي شحاده: من كورانيَّتِها الزيتونيَّةِ الأطيابِ نستلهمُ ملامِحَ لبنان – الثقافة والحرية

Views: 95

 

 

سهيل مطر 

أيها الأصدقاءُ

لا أدري من أين  جاءتني، نوبةُ صلاةٍ، هذه الليلةَ.

هل لأنَّه عيدٌ؟

عیدُ الأب، عيد الموسيقى، عيد مار يوحنا، وعيد…

لهذا سأُصلّي معكُم صلاةَ عُمر أبو ريشة:

ربِّ طوّقتَ مغانينا      جمالًا وجلالا

ونثرتَ الخيرَ فيهن     يمينًا وشِمالا

وتجلَّيتَ عليهن        صليبًا وهِلالا

ربِّ، هذي جنَّةُ الدُّنيا     عبيرًا وظِلالا

كيف نمشي في رُباها الخُضرِ     تيهًا واختيالا؟

وجِراحُ الذُّلِ نُخفيها          عن العزِّ احتيالا

رُدَّها قفراءَ إن شئتَ          وموّجها رِمالا

نحنُ نهواها على الجَدبِ      إذا أعطَت رِجالا

عفوًا عُمر أبو ریشة دعني أقول:

رُدَّها قفراءَ إن شئتَ          وموِّجها هِباءَ

نحن نهواها على الجَدبِ      إذا أعطَت نساءَ

ومع سيّدتين مُكرِّمة ومُكرَّمة أنا اليوم: ميراي وكوليت… وباقة من ورود الحلاوة يزينّ هذه القاعة. وفي عيونهنّ عِبارةٌ واحدة: شِمّ ولا تدوق.

کولیت امرأة لكلِّ الفصول: الجمالُ الأخضر، الدقّةُ الأكاديميَّةُ، الناي الغنوجُ على دمعةٍ وابتسامةٍ. شكرًا، لها، أنقذتنا، الليلة، من عالمِ مهووس، مجنون، مُجرم، جنكيزخاني، غارِق في الصِّدام والدَّم، فإذا بها، كوليت، تصرُخ بنا: تعالوا إلى ميراي، أيها المُتعَبون فإنها تُريحُكم.

واستجبتُ أنا، أنا المُتعب والمُتعِب معًاً. إلى ميراي وذهبتُ

أسألُها: أين أنتِ؟

هي، في قامَتِها والقِيَم،  في عِطرهِا، في شِعرها، في مُنتداها، في وفائها، في صمتِها والكلام.

هي في كلّ مكان:

مِكَرٍّ، مِفَرٍّ، مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا    كيُنبوع ماءٍ حطَّه السيلُ من عَلِ

والله، هي الماءُ، بها نغتني، منها نستقي، من دُموعٍ لها ومن عرقِ الجَبين، من بُحَّةِ صوتِها وبريقِ عينيها، ومن كورانيَّتِها الزيتونيَّةِ الأطيابِ، نستلهمُ ملامِحَ لبنان – الثقافة والحرية.

ويسألني  صديقٌ: ميراي، ما معنى هذا الاسم؟

أجيبُ إذا غنّت فيروز:

أسامينا، شو تعبوا أهالينا، تَ لاقوها،

وشو افْتَكَروا فِينا

الأسامي كلام، شو خَصّ الكلام

عينينا هِنِّي أسامينا

فإنّ أهل ميراي، لم يتعبوا، تطلّعوا إلى عينيها فكأنها المرآة أو Miroir .

يُجيبُني أحدُهم: لا تنسَ أنّ والد ميراي كان من كبار المُعلّمين والمُثقّفين، ومن الطبيعي أنّه قرأ Mireille للشَّاعِر الفرنسي فردريك ميسترال (Frédéric Mistral)، الذي نال جائزة نوبل للآداب 1904 على رائعته “ميراي”، وهي  تحملُ معنى: الإعجاب، التألّق، الصبيّة المحبوبة، الفتاة التي تلفتُ الأنظار بجمالِها وأخلاقِها.

هذا كان عن ميراي  Mistral، أما ميراي أنا، فأضيفُ: الحُبُّ، الكرَمُ، الديناميكيَّةُ، الوفاءُ، ولا أكتفي،  فهي الزوجةُ المثاليَّةُ، والأُمُّ الطيِّبةُ، والابنةُ الوفيَّةُ، وهي الناشِرةُ، تنشُرُ الكلِمةَ الحلوةَ ولا تنشُرُ عرضَ أحد، وهي المُعلِّمةُ، والمُهندسةُ، والأديبةُ، وزد روزد… وهنيئًا لك يا أخ سامي، ولا حسدَ أو غيرةَ. أما أنتُم الأربعة: تينا وجنى، رامي وشادي، فارفعوا رؤوسَكم فهي تستحقّ.

 يُقاطعُني أحدهم قائلًا: لا، نحن نتابعُ المُسلسلاتِ التُّركيةَ، واسمُها يعني في التركيّة الإعجابَ أو التأمُّلَ، وأنا مُعجَب وأتأمَّلُ، واللي نيتو غشّ تقلُب عليه،  أعودُ إلى الصَّلاة لأقولَ لعلّ اسمَها مشتقٌ من المِرآة، أو من المرأةِ، أو من مريم:

يا مریم،

کوني لميراي، واليوم عيدُها الروحي، الشفيعةَ، والقدّيسةَ الطَّاهرةَ والأُمَّ الحنون.

 تُلفِتُ نظري الدكتورة كوليت لتقولَ لي:

ولكننا في عيد الأب،  يا أبا زیاد، ماذا تقولُ؟

أنظُر إلى ميراي، ملامحُ أبيها تختبئُ بين الجُفون والأهدابِ

وكأنها تُغنّي مع فيروز:

غمَّضتُ عيوني خوفي للناس

يشوفوك مخبَّى بعيوني

إلى أبي، إلى أب ميراي، إلى كلِّ أبٍ:

قُبلةٌ على يديكَ، يا أبي، وسامحني، هُنا كنتَ أو هُناك،

في الخِتام، باسمكِ ميراي، وسامحيني، سأخاطبُ والدَكِ عبدالله قائلًا:

فنم هنيئًا وصلِّ، لا تشِحْ أبدًا

               واغفِر خطاياي عِطرًا فيك أنسكنُ

غنيتني مجدَك الآتي فخُذه وفًا

             والأرضُ تشهدُ والتاريخُ والوطنُ.

***

*ألقيت في الاحتفال التكريمي للمهندسة الشاعرة ميراي شحادة الحداد 

جامعة AUT (حالات) / الأربعاء 24 /6/ 2026 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *