سجلوا عندكم

حين يصبح التكرار دقة لا عيباً

Views: 138

فاروق غانم خداج

كتب إليّ صديق كريم يحب أسلوبي ويستحسن كتابتي، فقال: «أراك تكثر في مقالاتك التحليلية من استعمال ألفاظ مثل: بوصفها وكونها. وكان الأولى أن تستبدلها بمرادفاتها حتى لا يتكرر اللفظ».

ابتسمت، وشكرته على ملاحظته، لكنها دفعتني إلى سؤال أوسع: هل تخضع جميع أنواع الكتابة لمعيار واحد؟

أظن أن الجواب بالنفي.

فالكتابة ليست قالبًا واحدًا، بل أجناس متعددة، لكل جنس غايته وأدواته. فما يُعد عيبًا في المقالة الأدبية قد يكون عنصر قوة في المقالة التحليلية أو البحثية.

حين أكتب نصًا وجدانيًا، أسعى إلى تنويع المفردات وإحياء المرادفات وصناعة الإيقاع الداخلي للجملة، لأن اللغة هناك جزء من الجمال. أما حين أكتب مقالة تحليلية أو تعريفية، فإن اللغة تتحول إلى أداة لنقل الفكرة بأقصى درجات الدقة والوضوح. عندئذ تصبح كلمات مثل: بوصفها، وكونها، وباعتبارها أدوات وظيفية، لا مفردات زخرفية.

ولهذا أكررها حين يقتضي المعنى ذلك، لأن وظيفتها لا تتغير بتغير السياق، كما لا تتغير وظيفة حروف الجر أو أدوات الربط. وليس من المنطقي أن أبدّل أداة تؤدي علاقة فكرية دقيقة لمجرد طلب التنويع الشكلي.

ولعل أقرب مثال إلى ذلك ما ألاحظه في كتابتي نفسها: حين أصف ظاهرة «بوصفها بنية اجتماعية» في موضع، ثم أصف أخرى «بوصفها أثرًا نفسيًا» في موضع آخر، فإن الأداة واحدة، لكن وظيفتها في كل مرة مختلفة: تأطير الظاهرة ضمن فئة تحليلية بعينها. استبدالها أحيانًا قد لا يغيّر المعنى، لكنه يضعف الإحالة المنهجية المتكررة التي تربط بين مواضع التحليل.

وفي الكتابة العلمية أو الأكاديمية، تُستعمل المصطلحات بالمنطق نفسه؛ فلا يُطلب من الباحث في الفيزياء أن يبدّل كلمة «الطاقة» كلما وردت، ولا من الطبيب أن يغيّر لفظ «الخلايا» بحثًا عن مرادف، لأن ثبات المصطلح جزء من بناء المعرفة نفسه، لا نقص في اللغة. وعلى المنوال ذاته، من يقرأ النصوص الإنجليزية الأكاديمية يلاحظ تكرار أدوات مثل: therefore، وhowever، وin fact. وهذا التكرار لا يُعد ضعفًا، بل شرطًا من شروط الوضوح المنهجي.

وإذا عدنا إلى كبار كتّاب العربية الحديثة، وجدنا أن أمثال طه حسين والعقاد لم يكونوا يطاردون تنويع الألفاظ على حساب بناء الفكرة، بل كانوا يثبتون أدوات الربط والصيغ المنطقية حين تقتضيها الحجة، لأن غايتهم كانت الإقناع لا التزيين، وتسلسل الفكرة لا تنويع الشكل.

إن الخطأ ليس في التكرار ذاته، بل في نوعه. فالتكرار قد يكون علامة عجز لغوي إذا نتج عن فقر في المعجم أو ضعف في التعبير، وقد يكون في المقابل خيارًا واعيًا تفرضه ضرورة المعنى، فيصبح تركه إخلالًا بالدقة لا تحسينًا للأسلوب.

لقد اعتاد بعض القراء أن يقيسوا كل كتابة بمقياس النص الأدبي الخالص، فيطالبون الكاتب بأن يطارد المرادفات في كل جملة. لكن المقالة التحليلية ليست قصيدة، والبحث ليس خاطرة، والنص التعريفي ليس لوحة بلاغية.

كم من نصوص زُيّنت لغتها حتى اختفت فكرتها، وكم من نصوص بدت بسيطة وربما كررت أدواتها، لكنها بقيت لأنها أوصلت معناها بوضوح.

إنني لا أكتب لأستعرض ثراء المفردات، بل لأحمل فكرة. فإذا كانت كلمة مثل بوصفها هي الأقدر على أداء هذه الوظيفة داخل هذا السياق التحليلي، فلن أستبدلها بغيرها لمجرد تنويع الشكل، لأنني لا أبحث عن اختلاف الصوت، بل عن ثبات المعنى.

فاللغة ليست معرضًا للمفردات، بل أداة للفكر. وإذا تعارضت الزينة مع الدقة، كانت الدقة أولى، لأنها التي تمنح النص وضوحه، واتساقه، وقدرته على البقاء.

ولعل صديقي، إن قرأ هذا الدفاع، يدرك أن ما بدا له تكرارًا، لم يكن إلا محاولة للوفاء بالدقة أكثر من الوفاء للتزيين.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *