سجلوا عندكم

“قد ينبع ما  لم أتمكّن من كتابته رسالة من عارف الريّس الى إملي نصرالله” جديد “دار نلسن”

Views: 63

صدر عن “دار نلسن” في بيروت كتاب “قد ينبع ما  لم أتمكّن من كتابته رسالة من عارف الريّس الى إملي نصرالله”، للرسام التشكيلي عارف الريّس.  من أرشيف: جمعية عارف الريس، جمعية بيت طيور ايلول، المكتبة الشرقية لجامعة القدّيس يوسف. لوحة الغلاف من أعمال عارف الريّس. في ما يلي كلمة الناشر الأديب سليمان بختي، والمقدمة  بقلم الأديب هنري زغيب.  

كلمة الناشر

لم يدُر في خَلَدي أبدًا أنَّ هذه الرِّسالةَ التي كتبَها الفنَّان عارِف الريّس (1928-2005) قبل ثلاثين سنة في 26/ 2 /1996، وأكملَها في 27/ 2 /1997، ورفَع القلمَ عنها في 3/ 3/ 1997، متوجِّهاً بها إلى الأديبةِ الصَّديقةِ إملي نصرالله (1931-2018)، سترى النُّورَ في هذا الكتاب.

لا أزالُ أذكُرُ، عندما سلَّمتني الأديبةُ (اللَّطيفة النفس) إملي نصرالله رسالةَ عارِف إليها، وكان ذلك قبلَ سنواتٍ قليلةٍ من وفاتها. وكم تحمسَّتُ، بعد الاطِّلاعِ عليها، لنشرِها في منشورات دار نلسن. لكن الأديبة نصرالله طلبَت التريُّثَ لمُتابعةِ الأمرِ مع عائلةِ عارِف الريّس. وتضافرت عواملُ مُختلفةٌ أخَّرت النشر، منها الأوضاع غير المُستقرَّة في لبنان وظُروف مرض السيِّدة إملي نصرالله. لكن بهمَّة السيّدة مهى نصرالله (ابنة إملي) وبالتعاون مع “جمعيَّة عارِف الريِّس”، و”جمعيَّة طُيور أيلول”، والمكتبة الشرقيَّة في جامعة القديس يوسف، استعدنا الأملَ من جديد بالنَّشرِ، وهكذا كان.

أعادتني هذه الرِّسالةُ الى أدب الترسُّل الذي كان سائدًا، في ذلك الزمان، بين الشُّعراء والأُدباء والرسَّامين والفنانين، في سياقِ حركةٍ أدبيَّةٍ ثقافيَّةٍ مُتفاعلةٍ وحقيقيَّةٍ. يكتبُ الفنَّانُ عارِف الريِّس، هنا، مُعاناتِه مع الفنّ وظُروفِه، ويُثيرُ الآراءَ الصَّريحةَ والجريئةَ والمُباشِرةَ في كلّ موضوع يُعالجُه. يكتبُ على رُسلِه، وعلى هواه، وكمَن يبوحُ بصوتٍ عالٍ، وهو يتأرجحُ بين الكلمةِ والرِّيشةِ، وبين الذَّاكرةِ والمصاعِب والأسئلةِ والأوهامِ، ويحِنُّ حنينًا صادِقًا إلى مكانِه الأول في لبنان، وإلى عيشِه مُهاجراً في إفريقيا ودارساً في باريس وفلورنسا. يبحثُ عن أسئلةٍ ولا يجدُ لها جواباً، ويُقاتلُ على جبهاتٍ كثيرةٍ ويقولُ: “وكأن الفِكرَ يقاتلُ على حُدود النَّفسِ التوَّاقةِ إلى الحرية فتحرِّرُه”. يطرَحُ، أيضاً، مُشكلةَ القلقِ بين المُعاصَرةِ والوراثة، ويصرُخ:”الفنونُ فعلُ إيمان ولو كفرَ الفنَّانُ في بعض حالات مُعاناتِه”.

نكتشفُ في خضمِّ الرِّسالةِ أنَّ ما يكتبُه عارِف الريِّس أو يبوحُ به على الورقِ الأبيض ويودعُه رحابةَ روحِ أملي ورهافتَها، هو رسمٌ بالكلمات لحالةِ النَّفسِ، كأنه يريدُها أن تحمِلَ معه وعنه بعضَ الثِقلِ والأعباءِ، وأن تُشاركَه الكثيرَ من التساؤلات حول انطباعِ النُّورِ واللَّونِ والمِساحات والرُّموزِ. إنَّه قدرُ الفنّ، بالنهاية، مثلما هو قدرُ الفنَّانِ أن يُغنّي وجعَه وفرحَه ومراراتِه وخيباتِه.

هذه الرِّسالةُ هي وثيقةٌ نادرةٌ، وقد تعاملنا معها على هذا الأساس، وهي جزءٌ لا يتجزأ من تُراثنا وحكايات أعمارنا، وهي، وفي الوقت عينه، تحيَّةٌ إلى فنَّانٍ تشكيلي كبير مُرهفٍ وشفَّافٍ، هو عارِف الرِّيس، وإلى أديبة حملَت، دائماً، الهمَّ الإنساني في الأدبِ والحياة، ورفعته إلى الذُّرى العاليةِ وإلى سماءِ طُيور أيلول،إملي نصرالله.  وهي رسالةٌ بأنَّ الفنَّ في كلِّ تجليَّاتِه سيظلُّ يفتحُ البابَ نحو الضَّوءِ والرَّونقِ والأملِ، وسيظلُّ ينتصرُ على الموتِ والغيابِ والفِقدان.

المقدمة: كي يكتملَ الحصاد

حين يعمل المؤَرِّخون والدارسون والمؤَرشڤون على تراثِ علَمٍ في أَيِّ حقلٍ معرفيٍّ أَو علْميٍّ أَو إِبداعيّ، يُولُون الرسائلَ عنايةً خاصةً وحيِّزًا بارزًا من كتاباتهم. ذلك أَنَّ كاتبَها يسترسل في كتابتها على سجيَّته ووساعة بَوحه أَو همومه أَو شجونه، مدركًا أَنَّ هذه الرسالة موجَّهةٌ إِلى شخص واحد، ومضمونها شخصيٌّ بينهما. وهو ما لا يسترسل إِليه حين يَكتب للطباعة والنشر، مدركًا أَنَّ القرَّاء يتلقَّفون الكتاب، فيُصبح مَشاعًا ومضمونه عامًّا، ولذا يُحجِم عن أَن يكتبَ ما لا يريد قراءَهُ أَن يعرفوا عن حياته الخاصة والشخصية.

***

هذه الرسالة، استرسلَ عارف الريِّس، العلَمُ اللبناني التشكيلي المبدع، وكتَب على رحابة فكره. صحيح أَنَّ رسالته إِلى إِملي نصرالله، أَديبتِنا الساطعة على قمَّة أَدبنا اللبناني، ليس فيها الشخصيُّ أَو الخاصّ، لكنَّها مساحةٌ له كي يعبِّر عمَّا في قناعته من أَفكار في الفن، قد لا يُتاحَ له التعبيرُ عنها والتبسُّطُ بها في مناسبة أُخرى، بدليل أَنه عَنْوَنَ رسالتَه “قد ينبع ما لم أَتمكَّن من كتابته، ولا أَعرف كيف أَكتبُه”.

هنا أَهميةُ أَن يكونَ وَرَثَةُ الغالية إِملي احتفظوا بها بين أَوراقها، وأَن يبادرَ الصديق سليمان بختي إِلى نشرها كُتَيِّبًا في “نِلْسُنِهِ”، وهو القَيِّمُ المكرَّسُ الوفيُّ للأَدب اللبناني، ناشرًا ومحاضرًا وكاتبًا غزيرًا مصقولَ التنبُّه إِلى أَعلامنا المباركين.

هذه الرسالة ستصبح مرجعًا بيوغرافيًّا رئيسًا لكل من سيكتب عن عالَم عارف الريِّس، البرنارْدْشُوِيُّ السخرية المالحة، وهو لم يجد أَنقى من قلب إِملي نصرلله يُوْدِعُهُ خفقاتِه الفنية، لأَنه رأَى فيها “البراءة التي نكتب في أَيام التشويش الحضاريّ الصاخب الجارف”، فقدَّم لها رسالته “أَوراقًا مربَّعة كي تتربَّع كلماتٍ عند زاوية بين زواياها نقدًا وتوضيحًا”.

***

كان ذلك قبل ثلاثين سنة (1996)، يوم أَطلق لها من محترفه في عاليه فصلًا بيوغرافيًّا آخرَ من سيرته بعد أَفريقيا وباريس، بعودته إِلى لبنان الذي يشعر أَنه “مفخَّخ له”. لذا اختار الرجوع إِلى الهناك البعيد، إِلى إِيطاليا روما وفلورنسا، نافرًا من الْتِقاء أَحدٍ يعرفه.

إِنها مرارة الفنان حين يشعر أَنَّ في بلاده مَن لا يقدِّرون عملَه، فيُغرِقُونه في حزازات وصغائر. وهو كان يعرف قدَره منذ مطالعه في فضاء الفن: “كنت أَدخل في المجهول، وأُحاول العودة فلا أَجد السبيل إِلى ذلك، فأَتوقف كمن يتوقَّف أَمام جدار المبكى”. وتتواصل مرارةُ الانفراد: “كنت أَشعر بالوحدة، لأَنني لا أَملك الجواب، لو أَردتُ أَن آخذ موقفًا مما يحدث. كنت أَسأَلُ الأَساتذة فأَسمع منهم ما لا يُقْنعني، والسبب أَنْ ليس من تراث تشكيلي فني في بلدي”.

سوى أَنه لا ييأَس. بل يثابر لإِيمانه بعناد ريشته ضدَّ كلِّ ريح، فيعي أَنَّ: “المعاصرة تبدأُ بإِنجازات العلْم التي حوَّلَت اتِّجاه التطلُّع. وهذا ما فرض تغيير الزاوية التي ينطلق منها المبدع باتِّجاه وُجهة المستقبل الشاغل بال العالم المعاصر”.

ويعي أَكثرَ أَهمية محيطه اللبناني: “عجبًا أَن لا يرى الفنان اللبناني أَنَّ ما يُحصِّله من الغرب، هو جزءٌ من حضارته، لأَن الغرب أَخذ الكثير من حضارتنا القديمة والحديثة، المسيحية والإسلامية، وبنى عليها مُلْكه ومملكته المعاصرة. فبلادُنا أَرض الأَنبياء، وموطن الرسالات التوحيدية الثلاث. المهم أَن نَبحث عن ذاتنا في الطبيعة وفي عمقنا الحسي. إِنَّ في زوايا أَنفسنا توقًا إِلى السمُوِّ والارتقاء إِلى ما لا تُمكن ترجمته إِلَّا بالفن. فليس للفن غيرُ الفن بكل مدارسه…”.

***

ودِدْتُ لو أَستلُّ أَكثر بعدُ من فلْذات هذه الرسالة. لكنني لا أَودُّ إِفسادَ اكتشافِ القارئ ما فيها من بَوح أَطلعَهُ عارف الريِّس من وراء تذكاراته، ووضَعَه بين يَدَي كاتبةٍ هي من أَنصع مَن أَرَّخ لحركتنا الأَدبية والفنية.

ذات يومٍ في عاليه، وكنتُ لدى عارف الريِّس في محترفه، سأَلْتُه عن تفاعُل الجمهور حيال لوحاته ومنحوتاته، فأَجابني بسخريته الحادة: “أَنا منفعلٌ بها ومنها وأَمامها. لم أَرسُم ولم أَنحَت لأُرضي السوى، بل لأُرضيني أَوَّلًا”. ففهمتُ أَنه يعمل ليقطف هو أَوَّلًا مذاق ريشته وإِزميله، ويترك للجمهور صدى قناعاته.

وذات يومٍ آخَر، كنتُ أُحدِّثُ إِملي عن إِقبال القراء كثيفًا على مؤَلفاتها، فبادَرَتْني: “الفضلُ لضميريَ الأَدبي. كتبتُ قناعاتي فرضِيتُ، ورضيَ بها الجمهور تفاعُلًا وإِقبالًا”.

وكلاهما على حق: المبدع يقابِل المتلقي بقناعاته الإِبداعية أَوَّلًا، وعلى المتلقِّي التفاعل رفضًا أَو رضًى.

هنا أَهمية هذه الرسالة في هذا الكتيّب: همَسَ بها عارف الريِّس إِلى إِملي نصرالله، فجاءت أَصداؤُها في الموقع الأَصَح. واليوم قُدِّر لها أَن تَخرج إِلى العلَن، فتعكسَ هواجس فنانٍ عرفَ إِلى مَن يبوح بها كي تَلْقى أَنقى اقتبال.

هكذا الفنُّ الحقيقيّ: صوتٌ نقيٌّ صادحٌ، يتلقَّاه صدًى نقيٌّ صادحٌ، فيكتملُ الحصاد، ويَغنى تراثُ لبنان.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *