سجلوا عندكم

“بيت الملح”… رواية ضد النسيان

Views: 62

د. ميشال أبو عبود

زياد كاج يُعدّ من الأصوات الأدبية اللبنانية التي كرّست مشروعها الإبداعي لتوثيق بيروت وذاكرتها الاجتماعية والإنسانية، أكثر من اهتمامها بالسرد السياسي المباشر. ويمكن القول إن مشروعه الأدبي يقوم على تحويل الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية. 

ما يميز زياد كاج أنه لا يكتب عن الأحداث الكبرى بقدر ما يكتب عن الناس الذين عاشوا تلك الأحداث. 

فبيروت في رواياته ليست مجرد مدينة، بل شخصية حيّة لها ذاكرة وروح. 

من خلال أعماله وتصريحاته، يمكن استخلاص عدد من الأفكار التي تشكل رؤيته الأدبية: 

  • فهو يرفض الطائفية ويعتبرها سبباً لتشظي المجتمع اللبناني.
  • يؤمن بالتعددية الثقافية والإنسانية.
  • يعتبر الأدب وسيلة لفهم المجتمع لا للهروب منه.
  • يدافع عن الذاكرة باعتبارها شرطاً لبناء المستقبل.

إذا أردت أن أضع زياد كاج ضمن خارطة الأدب اللبناني الحديث، فأراه أقرب إلى كتّاب الذاكرة والمدينة منه إلى الروائيين السياسيين. فهو لا ينشغل كثيراً بالأيديولوجيات أو بالخطابات المباشرة، بل يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تكشف التحولات الكبرى في المجتمع.

بعد الاطلاع على مجمل إنتاجه، أعتقد أن زياد كاج لا يكتب الرواية بوصفها وسيلة للتسلية، بل بوصفها أداة لحفظ الذاكرة الوطنية. ففي زمن تتعرض فيه الذاكرة اللبنانية للتشويه أو النسيان أو التوظيف السياسي، تأتي أعماله لتوثق حياة الناس العاديين، وتحفظ تفاصيل الأمكنة، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لفهم الماضي بعيداً عن الخطابات الضيقة.

 

 

ومن هنا، فإن قيمة أعماله لا تكمن في بعدها الفني فحسب، بل أيضاً في بعدها الحضاري؛ لأنها تسهم في بناء وعي جماعي يقوم على أن الذاكرة ليست عبئاً يُورث، بل مسؤولية تُصان، وأن الشعوب التي تمتلك الشجاعة لمواجهة تاريخها بصدق، هي الأقدر على صناعة مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً. وهذا ما يجعل رواية «بيت الملح» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي يهدف إلى تحويل الذاكرة من سجل للألم إلى مصدر للتعلم والمصالحة.

  • لا يمكن قراءة بيت الملح باعتبارها رواية مغامرة أو رواية حرب فحسب، بل هي رواية عن الإنسان عندما تنهار الدولة، فالكاتب لا يجعل الحرب بطلة الرواية، وإنما يجعل الإنسان ضحية الحرب.

وهنا تكمن قوة النص، إنه لا يكتب تاريخ المعارك، بل يكتب تاريخ الناس.

  • تقوم الرواية على ثلاث طبقات متوازية.

الرحلة الخارجية: رحلة الأولاد فوق البحر، وهي رحلة مليئة بالخوف والجوع والضياع.

الرحلة الداخلية: رحلة انتقال الأطفال من البراءة إلى النضج، فالحرب لا تقتل البشر فقط، بل تقتل الطفولة، كل صفحة تحمل انتقالاً نفسياً يجعل الطفل أكبر من عمره الحقيقي.

الرحلة الوطنية: رحلة لبنان نفسه ، فالبلد الذي كان يسمى “سويسرا الشرق”  يتحول تدريجياً إلى بلد الحواجز والانقسام والخوف، وبذلك يصبح مصير الأطفال انعكاساً لمصير الوطن.

الرواية مليئة بالرموز، وأهمها: 

البحر / ليس مجرد مكان /  إنه شخصية روائية.

فهو في الوقت نفسه:  المنقذ /  السجن / الطريق / المجهول 

اي انه عندما تصبح اليابسة أكثر خطراً من البحر، فهذا يعني أن الوطن فقد توازنه. 

بيت الملح / العنوان من أجمل عناصر الرواية،  فالملح يحمل معنيين متناقضين: 

الملح يحفظ الأشياء … / لكنه يذيبها أيضاً.

وكأن الكاتب يقول إن الذاكرة تحفظ الوطن لكنها تؤلم أبناءه في الوقت نفسه.

أما “البيت”، فهو رمز للأمان، لكنه في الرواية بيت هش، سريع الذوبان إذا واجه الماء، فيصبح صورةً لوطنٍ مهدد بالانهيار إذا فقد وحدته.

الباص / الحافلة التي تظهر على الغلاف ليست مجرد وسيلة نقل.

إنها تمثل لبنان نفسه، داخلها:  مسلم  /  مسيحي /  طفل / شيخ  / امرأة /  رجل 

الجميع يجلسون في المركبة نفسها / لكن الطريق أمامهم مجهول.

إنها صورة مصغرة عن المجتمع اللبناني.

اللغة / لغة زياد كاج ليست لغة شاعرية متكلفة، بل لغة شفافة، فهو يعتمد كثيراً على الصورة، ويترك الحدث يتحدث، وهذه تقنية صعبة، فالكاتب الجيد لا يخبرك بالحزن، بل يجعلك تشعر به. 

البعد الفلسفي / الرواية تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، مثل:  ما الوطن؟   هل الوطن أرض؟  أم ذاكرة؟  أم ناس؟ هل يمكن للإنسان أن ينجو من الحرب دون أن يحملها داخله؟ 

دور الكاتب في حماية الذاكرة الجماعية / وهنا برأيي تكمن القيمة الحقيقية للرواية،  فالذاكرة ليست مجرد تذكر، بل مسؤولية أخلاقية.

الأمم التي تنسى حروبها…  تعيد إنتاجها، ولذلك يصبح الأدب أحد أهم أدوات بناء الأمم.

فالسياسي قد يكتب اتفاق سلام ، لكن الروائي يكتب أسباب الحاجة إليه.

ولهذا بقيت أعمال تولستوي وهمنغواي وإريك ماريا ريمارك وغيرهم حية، لأنها حفظت الذاكرة الإنسانية أكثر مما حفظتها الوثائق العسكرية.

لماذا تحتاج الشعوب إلى أدب الذاكرة؟ 

لأن التاريخ يعلّم الوقائع، أما الأدب فيعلّم الإنسان، والفرق كبير.

يمكن للتاريخ أن يخبرنا أن الحرب بدأت سنة 1975، لكن الرواية تجعلنا نعيش خوف أم تنتظر ابنها على حاجز، أو عطش طفل تائه في البحر، وهنا تتحول المعرفة إلى وعي.

ولهذا قال ميلان كونديرا: 

“صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان.” 

فالذاكرة ليست للانتقام، بل لمنع تكرار المأساة.

الرسالة الإنسانية للرواية / ليست الرسالة:  “الحرب سيئة”  ، فهذه حقيقة بديهية، 

بل الرسالة الأعمق هي:  إن الإنسان يفقد إنسانيته عندما يسمح للخوف أن يصبح هوية، وللانقسام أن يصبح قدراً. /  والرواية تدعو، من خلال رحلة الأطفال، إلى استعادة الإنسان قبل استعادة الوطن.

“بيت الملح”  ليست رواية عن الحرب، بل رواية ضد النسيان. 

فهي تكتب ما لا تستطيع كتب التاريخ أن تكتبه: مشاعر الناس، وخوفهم، وأحلامهم المكسورة. ومن خلال تجربة ثلاثة أطفال، يعيد زياد كاج بناء لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، لا بهدف إحياء الأحقاد، بل لترسيخ قناعة أن المستقبل لا يُبنى على إنكار الماضي، ولا على الارتهان له، وإنما على فهمه ونقده واستخلاص العبر منه.

إن حفظ الذاكرة الجماعية ليس استدعاءً دائماً للألم، بل هو فعل حضاري يضمن ألا تتحول المآسي إلى قدرٍ متكرر. فالشعوب التي تواجه تاريخها بصدق تمتلك فرصة أكبر للمصالحة مع ذاتها، أما الشعوب التي تترك ذاكرتها عرضة للنسيان أو للتوظيف السياسي، فإنها تبقى مهددة بإعادة إنتاج الانقسامات نفسها.

ولهذا يمكن اعتبار «بيت الملح» إسهاماً في مشروع الذاكرة الوطنية اللبنانية، فهو لا يكتفي بتوثيق زمن الحرب، بل يدعو القارئ إلى أن يجعل من الذاكرة جسراً نحو المستقبل، لا سجناً للماضي. وفي هذا تكمن إحدى أسمى وظائف الأدب: أن يحوّل الألم إلى معرفة، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية جماعية في بناء وطن أكثر عدلاً وإنسانية.

***

*ألقيت في ندوة حول كتاب “بيت الملح” لزياد كاج في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة البقاع 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *