حبَّة تراب إلى بيروت لنعيدَ السقف إلى أعلى
سليمان بختي
يقول المعلم بطرس البستاني (١٨١٩-١٨٨٣) في مقالته عن بيروت :”ولم تزل على باب الدركة عتبة يظهر انها كانت لغير هذا الباب وعليها كلمات باليونانية معناها أيها الداخل في هذا الباب افتكر بالرحمة”.
واذا كان لبيروت صفات طيبة فلعلها متصلة بالرحمة ومنها الطيبة والتسامح والانفتاح. هكذا كانت بيروت، وهكذا صارت بيروت لكل من يدخلها، وهكذا تجعلنا نتهيب ونتهيا للدخول الى الرحابة والمقعد الخالي من كل ندامة او كل فجيعة، ونكتفي منها باللون والضؤ والفسحة وموج البحر وغصن العصافير . ويكفي أن نرى الحب يمشي معنا على رؤوس أصابعه في الطريق، فلا حقد في الادب ولا في السياسة ولا في الاجتماع. ويكفي أن نفرح ولو بقليل من النغم ولو بقليل من الرذاذ الناعم ولو بقليل من الهوى، وندرك حينها ان المكان يحاكينا وان العاصمة تلفنا بالرداء وبالخافق التعب وبالجناحين الخضيين، وأن تكون الصدى لصوت الحياة والفرح . وياتيك ذلك الشعور الخلاب بان مدينتك لك وحدك، وأنك تصنعها كل يوم كما تشاء، ولك ان تقطف ورودها وتركض فوق ترابها وفي قلبك شوق الثمار إلى الثمار .
وما عليك اذا دخلت الى المقهى او الى المسرح او الى المكتبة وتقتني المجلة او الكتاب او تكتب القصيدة او تنتظر لحضور الندوة، او تعود لتشرب فنجان القهوة وترى اليمام الأليف يهبط إلى الطاولة ويكاد يشرب من الفنجان، وامامك بحر وخلفك جبل ، واأت ايضا بين جامعتين او ثلاث.
كان الكاتب سمير عطالله يختصر لبنان بأنه من رأس النبع الى رأس بيروت ويقصد الجامعتين اليسوعية والأميركية. ولكن هناك شيئًا في الهواء يدفع الناس إلى الأمام دون ان يشعروا، يدفعهم إلى بلاغة التقدم والرؤية الجميلة. وكلٌّ مشغول في مشروعه، جماعة “المكشوف” ومجلة “الأديب” لصاحبها ألبير أديب، ومجلة “الطريق” والثقافة وسهيل ادريس في مجلة” الاداب” ويوسف الخال في مجلة ” شعر” وأدونيس في “شعر ” و”مواقف” ونزار قباني في دار منشوراته، وفؤاد كنعان في مجلة ‘الحكمة ” وتوفيق صايغ في مجلة” حوار” ، وميشال اسمر يهيئ المحاضرات الشهرية في ” الندوة اللبنانية”، وشوقي ابي شقرا يرعى الصفحة الثقافية في جريدة “النهار” ويقنعها بأنها قصيدة ، ومارون عبود يرعى الجيل الذي في الصف وفي الكلية الوطنية ويرعى الجيل الذي يحاول ان يقول جديدا في الأدب والحياة، وعاصي ومنصور الرحباني وفيروز في خلق الغناء الجديد.
وياتي بدر شاكر السياب من العراق لينال جائزة مجلة “شعر” ومعها الف ليرة قيمة الجائزة وكتاب” أنشودة المطر” مطبوعا في بيروت. وياتي محمد الماغوط الى بيروت ويقول إنها قارة مشينا فيها الاف الكيلومترات. وياتي محمود درويش ليعيش انتصاره وحصاره في بيروت ويكتب:”بيروت خيمتنا/بيروت نجمتنا/بيروت من تعب ومن ذهب/ ومن اندلس وشام”.
وكانت صالات العرض مفتوحة للريشة وللوحات والحقبة الفنية المضيئة. كان القلم والريشة وخشبة المسرح والصحيفة والظواهر والمواهب كلها تعيش حقبة التواصل من النهضة الى الحداثة.
ماذا يجري؟ وبيروت تستقطب إليها كل الروائح والالوان والوصال لبلوغ الغاية.
وكل العمل هو فتح في المجال الرحب وفي المغامرة وفي مسامرة الافق . كانت الثقافة صنيعة المبدعين وكانت بيروت صنيعتهم ومليكتهم ايضا. هل كانت رئة ام طريقة التنفس؟
كان المؤرخ كمال الصليبي يردد “بيروت رئة لبنان والعالم العربي” .
وماذا يعني أن تعيش في الرئة؟
يعني أن تعيش في الحياة والاوكسيجين والأمل.
في العام الماضي التقيت بالشاعر الكبير ادونيس ودعوته الى حضور معرض” ايقونات من القدس” في دار النمر، راس بيروت. لا أنسى ما قاله لي بعد دهشة المعرض:”بيروت عادت تنبض ثقافيًا من جديد”.
كان هذا اجمل ما سمعت منذ سنين . فقلت له:”يجب ان تعود فلا يذهب تعبكم هباء” .
ابتسم وشد على يدي .
هكذا نعيش في بيروت على حافة كل بداية. الم يعنون الناقد الانكليزي روبن كريسويل كتابه عن بيروت بأنها “مدينة البدايات”.
يقول إلياس خوري “بيروت هي المدينة التي تخترع نفسها كل يوم . تهدمها الحرب فيعيدها الناس بحكاية”.
سنظل نبحث عن الحكاية، وعن اخر نقطة ضوء ، وآخر قطرة ماء ، وآخر ما تركه البحّار، وآخر ما تبقّى في كيس الدرويش.
لا نريد شيئا. فقط حبة تراب لنعيد السقف الى اعلى ما نستطيع، وأن نحمل الصخرة إلى قمة الجبل، وأن نسهر على أغنية تشبه الحياة، بل هي الحياة كلها .
***
*الصورة الرئيسية: مائية بريشة الفنان التشكيلي اللبناني أمير سلامة.



