من ميراي شحاده إلى إدمون نادر: في ربوع كورتي الخضراء أهديك زنبقة وفاء!
ميراي شحاده
هذا المساء، حزمتُ أقلامي وجمرَ انتظاري وجئتُكم على متن القوافي أحوك بعضًا من ذكرياتي في هذه البلدة الجميلة التي اكتنزت بلابلَ طُفولتي وأقاحي دفاتري.
شكرًا أدمون نادر، وفي يوم الوفاء إليك، أستهلّ كلمتي بسُنبلة ِوفاء لعمّو الياس: وما أدراكُم من يكونُ لي وكم يعنيني!
الياس جبر الياس الذي أمسك يومًا بيُمناي وأخذني ذاتَ صيف من كوسباي إلى الجامعة في بيروت، وأنا التي فقدَت أباها صغيرة وليس في جيبها سوى صدى لصلوات أمّها ودمعٍ قد خبّأته في ثنايا روحها، وهو يقول لي: متلك متل جيزيل ، انتي بنتي كمان!
اليوم جميعهم من شرفات السماء يباركون لقاءنا وتسابيحَ احتفالنا، إدمون، الياس ، عبدالله شحاده الذي عُرف ذات زمن بشاعر الكورة الخضراء …أبي وأمي … رحلوا وبقيت بين أضلعي قرابينُ حُبِّهم تُزهر يومًا بعد يوم.
صديقتي جيزيل أصبحت طبيبة أسنان وأنا ما أنا عليه بفضلك يا عمّو الياس.

بين العُبور والغياب، تسمو في منافينا غُربةٌ واشتياقُ..
نعودُ إلى الماضي بلهفةِ الطفل الذي يحبو إلى قطعة حلوى، إلى حِضن أمّه، نعودُ إلى مقامات البراءة …نرتشفُ خمرة الذكريات ونسكرُ في يقظة من الزمن! علّنا نصحو ..علّنا نمزّق الكفن.
وعدتُ اليوم إلى قلحات، مع كتيّب من منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء، نكرّمُ به الليلة رجلًا أنيقًا مرّ من هنا، نكرّمُ المعلّم أدمون نادر! لم ألتقِه يومًا …لا أذكر، ربّما، لكنني عرفتُ الملعبَ وكرة السلَّة…عرفتُ الصنوبرَ وفراشات الحُقول… ركضتُ هنا وهناك، منذ أكثر من أربعة عقود، جيزيل وأنا وجمع من الرفيقات والرفقاء…وتوارينا خلف حفافي الزمن واشتعلنا في بخور البلمند…

مشينا دروبك يا أدمون ورددنا شِعرك ونهفاتك واختلنا بين السُّطور وهذا المدى ..احتضنا حطبنا وملّاحاتنا وأضرمنا في العُمر ما فاح من شذا وعبّدنا طريق النحل بالزَّهر والندى، كي، لمن سيأتي من بعدنا، يقطفَ الشهد وصور الماضي الجميل….كي تعتمر الحقول قصب السكّر، سكّر من رحلوا ومن احترقوا واستعرت دموعهم في خطى العبور من دوالي العنب لدنان الخمر والرحيق.
شكرا أدمون..لأنّك جعلتني اليوم أقف هنا؛ في ربوع كورتي الخضراء وأهديكَ زنبقة الوفاء من الصرح الثقافي الذي خلدتُ اسم أبي فيه (منتدى شاعر الكورة الخضراء) وجعلتُه دارة للأدباء والشُّعراء من الكورة للفيحاء، لبيروت للجنوب وبعلبك!
ما أروع الوفاء نبحر على متنه ونرتشف من أقداحه مجدًا وتراثًا وقيمًا عظيمة!

ولقلحات أقول:
يا أغنية الملح، يا بوح الزبد
يا فيضَ طفولتي وضجيجَ أشواق
من حكايا التين والعنبِ.
يا غرّة الضوء تنسدل على
جبين كورتي، أشهى من الجمان
في الكتبِ.
سرّحتِ في مرايا البحر زيتونًا
ودفقتِ ميرونَه الأخضر في الأدبِ.
كم ألهمتِ قافية
كم رسمتِ رابية
وكم تأنّق بك شاعر
تسرمد في روابيك للأبدِ.
يا مُزن الحروف يا حسنكِ النادر
أدمون اخضلّ اليوم في بخور الأحدِ!
ذكراه ضجّت أشواقها ولهى
وزئبقُ الوقت ماجنٌ حائر
كيف للشِّعر أن يحيي أمسًا
على مسارح الغدِ.
لا ينأى شاعرٌ عن ديارالهوى، ولو وافى الثرى
قريضه درب الخلود،
في البالِ وفي الحقبِ!
وأكاليلُ غارمن وحيٍ قوافيه
تهمسُ للأرز ليعانق قلحات
ويحنو من وراء الحجبِ!
هذا حبري وهذا خفقُ يراعتي
نشيدُ حبّ وأريجُ زهر
كُرمى من رحلوا، كُرماك يا أبي!
جذورٌ في الأرض تغيبُ وتغفو
وتصحو أفنانُها ملؤها نايات
تزهر ألحانُها في القببِ!

***
*ألقيت في حفل تكريم المعلّم الراحل إدمون نادر، في النادي الثقافي الرياضي قلحات، نهار الأحد 23 آب 2026، وذلك تقديرًا لمسيرته التربوية وعطائه، بحضور أفراد عائلته وتلامذته وأصدقائه، وعدد من أبناء البلدة والمهتمين بالشأن الثقافي.



