قراءة سياسية في “مذكرة التفاهم الثلاثية” (اتفاق الإطار، واشنطن 26 حزيران 2026)
الدكتور الأمير وليد الأيوبي
تمثل العلاقة الجدلية المتلازمة القائمة بين المبادئ والمصالح جوهر الحياة السياسية…وإذا كانت الغلبة في الحياة السياسية هي غالبا للمصالح، فإن المبادئ تبقى المرجعية الأخلاقية المعيارية ووحدة القياس التي بدونها لا يمكننا صياغة الأحكام وتقييم السياسات وتطوير أداء المؤسسات…
وعوضا عن استرداد السيادة المختطفة، فقد انتقصت السلطة اللبنانية مما تبقى من السيادة بالاستعانة بوسيط خارجي غير محايد هو واشنطن. لقد بدت السلطة اللبنانية كمن يريد انتقاما من ايران وحزب الله، أن يميت عدوه أو أن يموت هو، وهو موقف شبيه بموقف السلطان العثماني محمود الثاني من محمد علي باشا، خلال الصراع الذي كان دائرا بين الآستانة والقاهرة في ثلاثينيّات القرن التاسع عشر.
إن دون تحقيق مندرجات هذا الاتفاق، ولا سيما لجهة “نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة اللبنانية، وتفكيك بنيتها التحتية، وتجفيف مصادر التمويل التي تستفيد منها، كشرط سابق على انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية (المادة 2 و 3 و4 و11) عقبات كبيرة.
من هي الجهة التي ستقوم بهذه المهمة؟ هل هي الدولة اللبنانية؟ هل هي الدولة العبرية؟ أم الدولتين معا بالتعاون والتنسيق في ما بينهما؟ أم هي الدولة السورية يا ترى كما عبر عن ذلك مرارا الرئيس الأميركي الراعي الأوحد لهذا الاتفاق؟ أم هي قوة دولية مشتركة؟ ألا تعبد هذه الاحتمالات الطريق أمام نزاع محلي-إقليمي، قد يتخذ أبعادا دولية لا تحمد عقباها؟
إن تعايش الدولة اللبنانية مع تنظيم “حزب الله” سوف يكون الحل الذي يرضي كل أطراف النزاع، فواشنطن وتل-أبيب غير جادتين كما يبدو في تجريد هذا التنظيم وسائر أذرع إيران من سلاحها، وإلا لكانتا قامتا بهذه المهمة منذ زمن بعيد، لكنه لا مصلحة لهما في ذلك في ظل ما تمثله الأصولية الدينية السنية من خطر استراتيجي عليهما…
فالرئيس الأميركي لم يخف رغبته في الطلب من الرئيس السوري تجريد تنظيم حزب الله من سلاحه، ولن يخف هذه الرغبة إذا ما دعته المصلحة الطلب من الحزب التخلص من “الشرع” إذا ما تمرّد هذا الأخير عليه…ولا استبعد على الإطلاق فرضية خلط الأوراق وإعادة النظر بالأدوار في لحظة تاريخية حرجة، كما إني لا أستبعد إعادة تموضع تنظيم حزب الله بما يضم له بقاءه، وهو التنظيم البراغماتي الذي ساهم في ترسيم حدود لبنان المائية بما يضمن لإسرائيل وإيران مصالحها على حساب لبنان.
إن اعتبار أطراف هذا الاتفاق أن التطورات الأمنية الدراماتيكية التي شهدها لبنان هي “نتيجة الهجمات، والتهديد الذي تمثله، والنية العدائية للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، ولا سيما حزب الله (المادة 5) هي مقاربة لا تتسم بالحد الأدنى من الموضوعية، بتركيزها على النتيجة وتجاهلها للأسباب وعلى رأسها داخليا تقاعس الدولة اللبنانية عن القيام بدورها السيادي المنوط بها، وخارجيا الصراعات الإقليمية-الدولية، وعلى رأسها الدولة الفلسطينية المؤجلة.
أما في ما يتعلق بحق الدفاع عن النفس الذي تنص عليه المادة 7 من الاتفاق، فهو مجرد كلام إنشائي في ظل موازين القوى القائمة بين بيروت وتل أبيب، ونظرا لكونه مبدأ ثابتا من المبادئ التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة ولا سيما في المادة 51 منه! ولا يقل إنشائية عن هذه المادة، المادة الأولى من الاتفاق التي تنص على عزم الطرفين اللبناني والإسرائيلي بصفتهما “دولتين -ذواتي- سيادة”، على انهاء النزاع بصورة نهائية، ومعالجة أسبابه الجذرية. فهل يجهل المتفاوضون أنه لا سيطرة لأي منهما، ولا سيما لبنان، على أسباب النزاع الخارجية والداخلية؟!
لكن الاتفاق يزداد ريبة مع اشتراطه على أن يكون الدعم المالي الأساسي من قبل الراعي الأميركي (م 9 و 10) مرتبطا بتحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل بنزع الدولة اللبنانية لسلاح الميليشيات، مما يعني عمليا أنه لن تكون هناك لا عودة ولا مساعدات.
إن روحية هذا الاتفاق ليست ضامنة لسلام مستدام…فهي بمثابة قنبلة موقوقة ذات تداعيات دراماتيكية قد تنفجر في ظل الظروف الداخلية والخارجية الهشّة…فلو توفرت النية الحقيقية في السلام بين مختلف الأطراف المعنيّة بهذا الاتفاق، لكانوا اتفقوا على تزامن انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، مع تسليم تنظيم حزب الله سلاحه للدولة اللبنانية، بضمانة أممية ودولية وإقليمية فعلية، ولكنّا بالتأكيد في طليعة المرحبين بلا تحفظ بهذا الاتفاق، لكن لا تل-أبيب تريد الانسحاب من لبنان، ولا تنظيم حزب الله يريد تسليم السلاح الى الدولة اللبنانية، وهنا تكمن القطبة الضائعة أو التوافق الضمني القائم بين الطرفين.
فلكي يعم السلام ويستتب، فإنه بحاجة الى التربة الخصبة الملائمة، وأبرز العناصر المكونة لها، ليست التنازلات والمساومات والتفاهمات، بل الإيمان الراسخ بالسلام (ثقافة السلام)! وبما أن هذا الشرط غير متوفر في أطراف النزاع داخليا وخارجيا، فإن كل التسويات والتفاهمات سوف يكون مصيرها الفشل لا محالة!
إن السلام الحقيقي ليس صنيعة عواصم القرار…ولا ينبع من موازين القوى…ولا يمكن له أن يستقر على أسس صلبة وراسخة في ظل الأحقاد الدفينة وأزمة الثقة المتبادلة…فإما أن يكون السلام نابعا من أعماق الذات، وإلا استحال مجرد شعار أجوف وعملية تجميلية ترقيعية لا قيمة سياسية فعلية لها! فالإغراءات المالية والاقتصادية هي مجرد مسكنات! فما بالنا عندما تكون بمثابة مفخخات؟!
إنه لا يمكن اختصار السلام أو اختزاله أو ابتساره بمبادرة سياسية، أو مجاملة دبلوماسية، أو بالتهافت الشكلي على احتكار القرار، أو بالتفاهمات محدودة الفعالية، أو حتى بالنكايات وممارسة الكيدية. كما لا يمكن أن يرسي اتفاقا أمنيا، سلاما عادلا وشاملا، وما لم تغير تل-أبيب وطهران من منهجيتهما السياسية، فتقدمان الحل السياسي على الحل الأمني، فلن تنعم لا بيروت ولا تل-أبيب ولا طهران بالسلام.
وما لم تستعد الدولة اللبنانية سيادتها الفعلية…والمؤسسات فعاليتها…والقانون هيبته…والمواطن حيويته…وما لم تكف العصابات المتحكمة بمصير هذا العالم عن ممارسة سياسة السطو على حقوق الشعوب، فلن تنعم شعوب العالم أبدا بالسلام العادل والشامل الذي إليه تتوق!
29 حزيران 2026
***
*أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية-مؤسس حركة “ثورة بلا حدود” وأمينها العام



