ميراي شحاده قارئة “أنا بيروت الدُّرّة البيضاء”: عايدة حيدر صنعت من الجرح ذاكرةً وجمالًا ومعنى
ميراي شحاده
بيروت، الدُّرّة البيضاء، مَن نتحلّق حول اسمها هذه الليلة.
لمّا تواصلت معي الشاعرة عايدة حيدر، وقبل أن نلجَ معًا تفاصيل تنسيق ديوانها وإخراجه، استوقفتني بضع كلماتٍ من سيرتها الذاتية؛ كلماتٌ جعلتني أحبّها قبل أن أقرأها، فاعتمرني فيضٌ من سموّ مشاعرها، ونبل إيمانها، وصدق التزامها بمواطنيتها اللبنانية: هذه المرأة الآتية من زمن التحدّي، التي سابقت خطى أيّامها، وجعلت حكايا قصائدها تغتسل بالعطر، وترتشف من النور، وتنسج من الكلمة فضاءً يليق بالروح.
دُهِشتُ أولًا بعنوان ديوانها، المنقوش بحبر قلمها، كما دُهِشتُ بغزارة قصائدها، المموسقة جلّها على أوزان الخليل؛ قصائد تنبض بالإحساس، وتتّكئ على موسيقى الشعر العربي، وتفتح للكلمة دروبًا إلى الوجدان.
جاء هذا الإصدار، في تنسيقه وإخراجه، من منشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده الثقافي”، حاملًا الكثير من رفعة الشعر وهيبته، ومن دفء المشاعر وصدقها؛ ديوانًا يزاوج بين جمال الكلمة وجلال الإحساس، والأهم أنّه جمعنا، نحن الشعراء والأدباء والأحبّة، في أمسيةٍ عالية.
من بحر الوافر، الحاضر بقوّة، والمتلائم مع طبيعة الديوان الوجدانية والوطنية، والمختال بين الوجع والأمل، وبين الانكسار والنهوض؛ كما في قصيدة “سيولد النور”:
“ويأتي النورُ من عمقِ المآسي
ويمحو الليلَ عن كلِّ المدائن”
وفي قصيدة “بكيت الدهر”:
“بكيتُ الدهرَ في صمتِ البوادي
وصوتُ القهرِ يغلي في فؤادي”
وصولًا إلى “بوح القلوب”:
“يبوحُ الشعرُ عشقًا حيث يهوى
ونارُ البعدِ عند الوصل تُطفأ”
ثم إلى إيقاع الرمل الأكثر هدوءًا وانسيابًا، حيث ينضح البوح، ويتجذّر الإصرار العاطفي في عشق الوطن:
“لم يكن هجري لداري ممكنًا
قسمًا بالله، لن أنوي الرحيل”
ومن هنا وقفت الشاعرة تنادي: “أنا بيروت”.
من هويّة الفرد إلى هويّة المدينة، يأتي العنوان ليلغي المسافة بين الإنسان والمكان، فيصبح جرح المدينة جرحًا في الذات، وتصبح ذاكرتها جزءًا من ذاكرة الإنسان.
ومن هنا يمكن قراءة الديوان في ضوء فكرة الهويّة السرديّة عند بول ريكور؛ فالجماعات والمدن لا تحافظ على هويّتها لأنها تبقى على حالها، بل لأنها تستطيع أن تروي نفسها من جديد بعد التحوّلات والانكسارات.
بعد الرابع من آب انقسم الزمن في بيروت إلى ما قبل الانفجار وما بعده. الحدث لا يغيّر الأبنية فقط، بل يغيّر علاقة الإنسان بذاكرته، وبيته، وشارعه، وبصوت المدينة. هنا يأتي الشعر فعلَ إعادة بناءٍ رمزي؛ إذا كان الانفجار قد حطّم المكان، فإن القصيدة تحاول أن تمنع انهيار معناه.
وكأنّ شاعرتنا تقول: قد يُدمَّر جسد المدينة، ولكن هويّتها لا تُختصر في حجارتها.
في مواجهة رماد الانفجار، جعلت من بيروت درّةً؛ لأنها صنعت من الجرح ذاكرةً وجمالًا ومعنى. أمّا بياضها، فهو النقيض الرمزي لذلك المشهد الذي ارتبط بالانفجار: الدخان، والخراب، والغبار، والزجاج المحطّم، والرماد.
فـ”الدُّرّة البيضاء” ليست ما كانت عليه المدينة فحسب، بل ما تريد أن تستعيده من ذاتها.
والنهوض ليس تفاؤلًا فقط، بل تمرّدٌ؛ لا ينتصر الإنسان لأنه يستطيع إزالة العبث والألم من العالم، بل لأنه يستطيع أن يقول لهما: لن تكون لكما الكلمة الأخيرة.
وهذا بالضبط ما نجده في الحركة الداخلية للديوان، كما في فلسفة ألبير كامو؛ إذ ننتقل من الألم إلى عناوين مثل:
“لن أرحل”، “سيولد النور”، “سأحيا ما دمت”، “متى النهوض؟”.
إنها عبارات لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تفاؤلًا بسيطًا، بل بوصفها تمرّدًا وجوديًا. فالإنسان الذي يقول: “سأحيا” بعد الخراب لا ينكر الموت؛ بل يعترف به، ثم يرفض أن يجعله نهاية المعنى.
وهكذا يصبح النهوض موقفًا فلسفيًا:
أنا مجروح، إذًا أنا أشعر.
أنا أكتب، إذًا أنا موجود.
الشِّعر يحفظ الجراح من النسيان، ويخلّد ذاكرة الوطن؛ ومن النار إلى البعث، ومن المأساة إلى النور، ومن الجرح إلى المعنى، تستمرّ الحكاية.
وأختم مداخلتي بقول شاعرتنا من الديوان المحتفى به:
“يا أمّتي، لا تيأسي، فالحقُّ في
أعماقنا نارٌ وفينا مشعلة”
مباركٌ للشاعرة عايدة حيدر.
مباركٌ للدُّرّة البيضاء، ستّ الدنيا بيروت.
ومباركٌ لمنشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده الثقافي” هذا الإصدار.
***
*مداخلة لمناسبة احتفال توقيع ديوان “أنا بيروت الدرّة البيضاء” للشاعرة عايدة كامل حيدر، في المركز الثقافي في بلدية عاليه (الخميس 27 آب 2026).



