الفساد في لبنان: حين يصبح الكلام عبئاً ويغدو الصمت شراكة…..
د. زهير علامه
منذ مدة وأنا أكتب عن الفساد في لبنان، ذلك الفساد الذي لم يعد محصوراً في قطاع معيّن أو مؤسسة محددة، بل تمدّد حتى طال معظم تفاصيل حياتنا اليومية. ومع مرور الوقت، بدأت أشعر بأن الكلام أصبح مضيعة للوقت وإزعاجاً للنفس، لا أكثر. فالقليلون قد يعجبهم ما تكتب ويشاركونك القلق، بينما ينزعج آخرون، ويلومونك، وربما يعتبرون حديثك عن الفساد استهدافاً شخصياً لهم أو تهديداً لمصالحهم.
ومع ذلك، يبقى السؤال: هل المشكلة فيمن يتحدث عن الفساد، أم في الفساد نفسه؟
الفساد ليس قدراً
الفساد لا ينتشر من تلقاء ذاته، ولا يتحول إلى منظومة راسخة بين ليلة وضحاها. إنما يستشري عندما تغيب المحاسبة، وتتراخى الرقابة، وتصبح القوانين انتقائية، تُطبّق على الضعيف ويُعفى منها صاحب النفوذ.
وقد يكون هذا التراخي أحياناً نتيجة الإهمال أو العجز، لكنه قد يكون في أحيان كثيرة متعمداً، هدفه حماية المصالح، وتسهيل الصفقات، وترك الأبواب مفتوحة أمام المحسوبيات والتجاوزات.
عندما يعلم الفاسد أنه لن يُحاسب، وعندما يدرك المرتكب أن هناك من سيتدخل لحمايته، يصبح الفساد أكثر جرأة وعلنية. فلا يعود الفاسد يشعر بالخجل أو الخوف، بل قد يتصرف وكأنه صاحب حق، بينما يُدفع المواطن الشريف إلى تبرير نزاهته والدفاع عن نفسه.
غياب الدولة وحضور أصحاب النفوذ
القوى الأمنية والأجهزة الرقابية تبدو في كثير من الأحيان، شبه غائبة عن مواجهة المخالفات والتجاوزات التي تمسّ حياة الناس وحقوقهم. وقد لا يكون هذا الغياب كاملاً، فهناك بالتأكيد أفراد شرفاء يقومون بواجباتهم بإخلاص، لكن أداء المؤسسات يبقى ضعيفاً ومتردداً عندما تصطدم المخالفات بأصحاب النفوذ والغطاء السياسي.
إن الدولة التي تتشدد مع المواطن العادي، ثم تتراجع أمام النافذ، تفقد تدريجياً هيبتها وثقة الناس بها. فالقانون لا يمكن أن يحظى بالاحترام إذا كان سيفاً على رقاب الضعفاء، ومجرد نصّ قابل للتجاهل عندما يتعلق الأمر بالمحميين سياسياً.
المشكلة في لبنان ليست دائماً في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة الحقيقية لتطبيقها على الجميع من دون استثناء. لدينا مؤسسات وأجهزة رقابية وقضائية، لكن فاعليتها تبقى محدودة متى تدخلت السياسة، أو تحركت شبكات المصالح، أو رُفعت الهواتف لحماية هذا الشخص أو تعطيل ذلك الملف.
أصحاب الضمير في ورطة
وسط هذه المنظومة، يجد الصادقون وأصحاب الضمير أنفسهم في ورطة كبرى. فالموظف النزيه الذي يرفض تمرير مخالفة، أو القاضي الذي يحاول فتح ملف حساس، أو الضابط الذي يصرّ على تطبيق القانون، أو الصحافي الذي يكشف التجاوزات، قد يتحول سريعاً إلى شخص مستهدف ومعزول.
هؤلاء غالباً لا يملكون غطاءً سياسياً يحميهم، ولا شبكة مصالح تدافع عنهم. لذلك يصبحون فريسة سهلة لأصحاب النفوذ، وقد يتعرضون للنقل التعسفي، أو التشهير، أو التهديد، أو تلفيق الاتهامات، أو التضييق في العمل والمعيشة.
وهكذا تُقلب المعايير: يُكافأ المطيع، ويُقرَّب المتملق، ويُحاصَر صاحب الكفاءة، ويُعاقَب من يرفض المشاركة في الفساد. والأسوأ من ذلك أن المجتمع نفسه قد يترك الشريف وحيداً، فيتعاطف معه في السر، لكنه يتجنب الوقوف إلى جانبه خوفاً من دفع الثمن.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات هو أن تصبح النزاهة مغامرة، والصدق مخاطرة، والقيام بالواجب سبباً للعقاب.
لماذا يزعج الحديث عن الفساد كثيرين؟
الاستمرار في الحديث عن الفساد يزعج فئات عديدة، لأن كشف الحقيقة يهدد المصالح ويكسر الصمت الذي تعيش عليه المنظومة. بعض الناس يستفيدون مباشرة من الفساد، وبعضهم يستفيد بطريقة غير مباشرة، بينما يفضّل آخرون الصمت خوفاً أو يأساً أو حفاظاً على مصالح صغيرة.
هناك أيضاً من يطلب منك أن تتوقف عن الكلام بحجة أن «لا شيء سيتغير»، أو أن «الجميع فاسدون»، أو أن «البلد هكذا منذ زمن». لكن هذه العبارات لا تفسّر الواقع بقدر ما تبرّره، وهي تمنح الفساد الشرعية التي يحتاج إليها للاستمرار.
إن تعميم الاتهام على الجميع يخدم الفاسدين، لأنه يمحو الفارق بين من يسرق ومن يرفض السرقة، وبين من يحمي المخالف ومن يقاومه. كما أنه يدفع أصحاب الضمير إلى الإحباط والانسحاب، فتخلو الساحة تدريجياً لمن لا يتورعون عن استغلال الدولة والمواطن.
بين الصمت والكلام
أعترف بأن الكتابة عن الفساد متعبة ومحبطة. فالكاتب قد يشعر بأنه يكرر نفسه، وأن كلماته تضيع وسط الضجيج، وأن من يجب أن يسمع لا يريد أن يسمع. وقد يكتشف أن الحقيقة لا تحمي صاحبها دائماً، وأن قولها قد يجلب له المتاعب أكثر مما يجلب التغيير.
لكن الصمت، على الرغم من راحته المؤقتة، لا يحل المشكلة. فالفساد يتغذى من الخوف واليأس والاعتياد. وعندما يصمت الجميع، تتحول المخالفات إلى أعراف، والسرقات إلى حقوق مكتسبة، والمحسوبيات إلى أسلوب طبيعي في إدارة الدولة.
ليس المطلوب أن يتحول كل مواطن إلى بطل يواجه المنظومة وحده، ولا أن يعرّض الإنسان نفسه وعائلته للخطر. المطلوب هو ألا نمنح الفساد قبولاً أخلاقياً، وألا نبرره، وألا نهاجم من يكشفه، وألا نترك أصحاب الضمير وحدهم في المواجهة.
الإصلاح يبدأ بالحماية والمحاسبة
لا يمكن مكافحة الفساد بالشعارات والخطب الموسمية. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى قضاء مستقل، وأجهزة رقابية فاعلة، وقوى أمنية تطبق القانون على الجميع، وإدارة عامة تُبنى على الكفاءة لا على الولاء السياسي والطائفي.
كما يحتاج إلى حماية فعلية للمبلّغين عن الفساد، وضمان عدم الانتقام منهم، وإتاحة المعلومات أمام الرأي العام، وملاحقة الملفات حتى نهايتها، لا فتحها مؤقتاً ثم إغلاقها تحت ضغط التسويات.
المحاسبة لا تعني الانتقام، بل حماية المجتمع وإعادة الاعتبار للدولة. فعندما يُحاسَب مسؤول كبير كما يُحاسَب المواطن العادي، تبدأ الثقة بالعودة. أما عندما يبقى أصحاب النفوذ فوق القانون، فلا معنى لأي حديث عن الإصلاح أو بناء المؤسسات.
كلمة أخيرة
قد يكون الكلام عن الفساد مرهقاً، وقد يزعج كثيرين، وقد لا يؤدي سريعاً إلى النتيجة التي نتمناها. لكن السكوت الكامل يمنح الفاسدين ما يريدونه: مجتمعاً يائساً، خائفاً، ومقتنعاً بأن لا جدوى من الاعتراض.
إن أصحاب الضمير في لبنان ليسوا ضعفاء، لكنهم متفرقون ومكشوفون، بينما الفساد منظم ومحمي. وما يحتاجونه ليس المديح، بل الحماية والتضامن والوقوف إلى جانبهم عندما يتعرضون للضغط.
لا يجوز أن يبقى الشريف وحيداً، ولا أن يتحول صاحب الضمير إلى ضحية، بينما يعيش الفاسد مطمئناً تحت حماية النفوذ. فالأوطان لا تنهار بسبب الفساد وحده، بل تنهار أيضاً عندما يعتاد الناس عليه، ويتوقفون عن استنكاره، ويتركون من يقاومه وحيداً.
ورغم كل الإحباط، يبقى قول الحقيقة ضرورياً؛ ليس لأن الكلمة تغيّر الواقع فوراً، بل لأن الصمت يحوّل الفساد من جريمة يجب محاسبتها إلى أمر واقع يتوجب على الجميع قبوله.



