حياتي مع جدّو ميشا (1)… جدّو ميشا، مِن الذرّة إلى الحياة الوليمة
سهى حداد نعيمه
أنا في غرفة السُفرة إلى طاولة جدّو ميشا، في البيت-المتحف ميخائيل نعيمه ميماسونا في المْطَيْلِبْ،
أجلس على كرسيّه، أتلمّس بصماته، أسْتَذْكِر صوته وحضوره،أشْهق بعضاً مِن أنْفاسِه وأسْتشعرذبْذباته في كلّ ما هو حَوْلي،
مِن القلَم في يدي، إلى الورقة أمامي، والكرسيّ الذي أنا عليه يشْغله حضوري،
وذاك الكرسيّ مُقابلي الذي يسْكُنُه الغياب،
إلى الهواء الذي أتنشّقه،
فيأخذني فكْري إلى تلك الطاقة المُسْتَتِرة في كلّ ما هو حولي مِن منظور وغير منظور.
ويتشابك في مخيّلتي المُعْلَن بالخَفيّ، كما الحاضر بالغائب،
وأغُوص في فِكْرة الكَوْن، كيف أنّه بِأَجْمَلِه طاقة مُتحرِّكة مُتَّسِعة ونامِية باطّراد.
والذَرَّة التي منها يتألّف الكَوْن هي التي أتألّف منها أنا،
ويتألّف منها جميع البَشَر على اختلاف أجناسهم،
كما يتألّف منْها كلّ ما هو حيّ، وغير حيّ، على هذه الكرة الأرضيّة،
فَتَتَكَوّر (مِن كُرة) الحياة، من الحياة إلى الموت، ومِن الموت إلى الحياة، عبر ذرّات الاستمراريّة التي تُطابِق موت الحياة وحياة الموت في دَيْمومة أزليّة أبديّة،
تَنْسج وتَتَحوّل.
فَتُحاكُ الحَيَوات وتنْحَلّ، وتُقاس الأبْعاد وتنْفَكّ، تماماً كطبيعة تركيبتها، مِن الذّرّة وإليها.
أنا، وما بي مِن خيوطٍ تداخَلَتْ في حَبْكَتي،
كما وبالعصفور والحَشَرة، وحبّة التراب، والغَيْمة، والمطر والعاصفة، والنسيم، وكلّ ما ينبض بالحياة على هذه البسيطة، مِنْ حياكة الذرّة.
أنا والكرسيّ الذي أنا عليه، وكلّ ما هو حولي مِن حياة، نختلف باختلاف عدد الذرّات واختلاف تركيبة
بعضها على بعض.
يا لهذا الحلم، بل أبعد مِنَ الحلم.
يا لهذه الأعجوبة التي هي الحياة،
ويا لِعَظَمة خالقِها.
يا لإبداع الخَلْق!
كيف لذرّةٍ أن تَخيطَ كلّ هذا الوجود المرئي وغير المَرْئي،
وكيف لكلّ هذه التداخلات الكونيّة أن تترابط وتتباعد في انسجامها وانقسامها مِنْ الذَرّة!
تُعيدني مُخَيّلتي إلى كوكب الأرض، مُعَلَّق في الفضاء، يدور حول نفْسه وحوْل الشمس، منْذ ملايين السنين. فلا الكَوْكَب يخلّ في دورانه رغم ملايين السنين، ولا هو يتْعَب مِنَ الدوران، ولا تتعب الفصول، تأتي وترحل، وتظلّ الحياة بِأوْجهها العديدة وتحوّلاتها الكثيفة باطّرادٍ دائمٍ ضمن اطّراد الكَوْن.
ها هي شمْس كوْكبنا، ضمن شموس أُخْرى، تَحْترق منذ ملايين السنين ولَمْ يهْمدْ حريقها بَعْد.
كيف للشمس أن تكُون باشْتِعال دائم ولا تحترق؟
يا للعجيبة!
تحْترق لتعْطي الحياة على كوْكبنا ولتحْضن أبناء الحياة، أبناءها، مِن خَيْر نورها ودفْئِها ونهارها وليل غروب الأرض عنْها. مِن إكْسيرها ننْمو ونَحْضُن ونُحْضَن في زمان دَوَران الأرض.
أعود إلى طاولتي في غرفة السفرة، وإلى قلمي وورقتي والكرسيّ الذي أنا عليه، وأتخيّل طاقة جدّو ميشا تُحرِّك وتتحرّك بكلّ ما هو حَوْلي، وتحرّك ذرّاتي، وتأْخذني إلى حبْكَة السنوات الغابرات، التي تصبّ في الحالِيات، إذ أنّها جميعها محْبوكة منْ نسيج واحد ودَوَران أرض ذكيّ دؤوب.
كَمْ مِنْ أناسٍ أتوا قَبْلي، تَعانق خَلَفهم بسَلَفِهم، وَغَبُّوا ما غَبّوا مِنْ حلْوِ الحياة ومرّها،
حتّى جاء دَوْري الآن بعد ملايين السنوات لِأَكُونَ ما أنا عليْهِ اليوم.
أُولَدُ في منزل ميخائيل نعيمه الساحليّ ما بين شقّة مُسْتَأْجَرة في منطقة الجْدَيْدِة (مِنْ ضواحي بيروت الشماليّة) خلال السنوات الثلاث الأُولى مِنْ عمْري، وما بَيْن الانتقال بَعدَها إلى منطقة الزلقا، حيْث قطَن جدّو ميشا مع أمّي، مَيّ نعيمه، ابنة أخيه نجيب و’ملاكه الحارس‘ (كما لقّبها) ومعي لمدّة سبْع عشرة سنة،
فَألّفْنا نحن الثلاثة العائلة الواحدة، عائلة الميماسونا (ميماسونا: مي ميخائيل، ما مَيّ، سو سُهى، نا نعيمه) وأصْبَحْنا الكلمة الواحدة والنبَض الواحد، وكانت السنوات العشرون الأخيرة مِن عمر نعيمه التي قضاها في منزله بالزلقا (مع عطَل الصيف في منزله ببسكنتا حين أنتهي من واجباتي المدرسيّة) السنوات العشرين الأُولى مِن عمري.
تَمَخَّضَت السنوات وذرَّاتها وحَيَواتها حتى يكون كلّ فرْد مِنّ الناس ما هو عليه اليوم بانتصاراته وانكساراته، وطبَقاته وأعْماقه، نسيج سنوات يقظة، ضمْن دَوَران أرضيّ حَوْل نفْسه وحول الشمس منذ ملايين غابرة وأُخْرى حاضِرة وغيرها قادمة ضمن لازمانيَّة مُطلقة.
وها أنا اليوم، في وسط كلّ هذا، مع جدّو ميشا وأمّي ما ميَّا، وفي حياتي اليوم ضمْن طيّات هذه المتاهة،
مِنْ بَرَكة خالق بَرْمَجَ لي أدقّ البرنامج أن أحيا الآن ما أحْياه، وأن أتذوّق طعم وليمة الحياة الفريد،
فأفْرَح بفرْصتي هذه العتيدة،وبالنبَض في صدري، وباللحظات تخْترقني، تقطّبني وتفتّقني، إلى أن أخْلع ثوْبي الجسداني وتَنْفَلِش تركيبة ذرّاتي وأَلْتحق بالنور الأبديّ.
أعُود إلى طاولتي وكرسيّي، بَعْدَ مساري الدائريّ في الكَوْن كما في الغرفة التي أنا فيها،
أنْسج زَمَني الخاص، ضمْن دَوْرة الأزْمنة،
كما تنسج الأرض فصولها في دَوَرانها،
أنتظر حتى تكْتمل دَوْرتي وأتّحد مع أحبّتي جدّو ميشا وما ميّا، وأعود مِن جديد إلى رحم الكَوْن ذرّة، تتّحد بالحياة الواحدة في كنف الكلّ، في حبْكة الأزل والأبد.



