نبيل محسن بترجمتِهِ “البهاغافادغيتا” إلى العربيّة يُشرّع الأبواب على طريقٍ عملي أخلاقي وروحي للإنسان داخل العالم !
د. مصطفى الحلوة
نائب رئيس “الاتحاد الفلسفي العربي”
مدخل: من “الأوبانيشاد” إلى “”البهاغافادغيتا”
قبل سنوات سبع، وتحديدًا في 16 تشرين أوّل 2019، عُقدت ندوة، في “مركز الصفدي الثقافي”، حول ” الأوبانيشاد”، بترجمة إلى العربيّة، للدكتور نبيل محسن. وقد أدليتُ يومَها بقراءة نقديّة مُسهبة، بعنوان: “في ترجمةٍ أمينة لـِ (الأوبانيشاد) إلى العربيّة/ الطبيب نبيل محسن يلجُ عميقًا إلى الهندوسيّة وفلسفتها”. وقد نُشِرت هذه المراجعة في كتابنا الموسوعي “مُطارحات في أروقة المعرفة / مراجعات نقديّة وبحوث في الفكر العربي المعاصر”، من منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحادة الثقافي، 2021، ص ص : 343 – 364 .
.. واليوم، يأتينا الطبيب محسن بكتاب “البهاغافادغيتا” (غيتا، اختصارًا)، ناقلاً إيّاه من السنسكريتيّة إلى العربيّة، وهو يُعدُّ من أبرز النتاج الفكري، الذي أتحفنا به الفكر الهندي القديم، وبما يضعنا بإِزاء الأسئلة الآتية: ما هو الدافع الذي حدا بالطبيب محسن إلى ترجمة كتاب “الغيتا” ، بعد ترجمته “الأوبانيشاد” ؟ هل من صِلةٍ بين هذين الكتابين؟ بل ما هي الرسالة، التي ابتغاها، عبر كتاب “الغيتا”، الذي نضعه، هذه العشيّة، على مشرحة التحليل والنقد، على غرار ما قمنا به، في مقاربة كتابه السابق؟

إذا كان د. محسن قد اختار ترجمة هذا الكتاب، حسبما يُعلن، كثمرة مسار طويل، في دراسة النصوص الهنديّة القديمة، فإِنّنا من جهتنا، نرى أن المسألة تتجاوز هذا التوجُّه، فنضع “الغيتا” في إطار مسار تصاعديّ، بعد كتابيه المترجَمَين، أوّلهما “الهندوسية تحضيرها لانعتاق الروح”، للعالم الهندي “سوامي نيخيلاناندا” (صادر عن دار ورد للطباعة والنشر، دمشق، سنة 2000)، وثانيهما “الأوبانيشاد”، آنف الذكر.
ففي الكتاب الأوّل، يُناقش د. محسن الصورة النمطيّة المغلوطة للهندوسيّة، التي كانت شائعة في العالم العربي، وهي تتمثّل في عبادة التماثيل وممارسة الطقوس الظاهرة، مُتجاوزًا إلى البناء العقدي والفلسفي العميق للديانة الهندوسية.
كما طفق يغوص، في هذا الكتاب، على المفاهيم الروحيّة والفلسفيّة الشرقيّة، مُبيّنًا كيف تنظُرُ الهندوسيّة إلى أسرار الروح وسُبُل تحرّرها وانعتاقها، من قيود الماضي والزمن.
هكذا كانت بداية مسيرة د. محسن مع كتابه الأوّل، ككتاب تأسيسي، ولتعقبهُ ترجمة” الأوبانيشاد”، للفيلسوف الهندي “شيري أوروبيندو”، حيث يغلب عليه التأمل الميتافيزيقي، في حقيقة الوجود والذات، وليحطّ الرحال مع “الغيتا”، فتكون صياغة طريق عملي، أخلاقي وروحي، للإنسان، داخل العالم .
وبتفصيل لهذا المسار التعاقبي، المتدرِّج صعودًا، فإنّ الإنسان في “الأوبانيشاد” هو، قبل كل شيء، كائنٌ يبحث عن حقيقة ذاته، أما في “الغيتا”، فهو كائن يعيش في شبكة الواجبات والعلاقات والأفعال، وعليه أن يجدَ طريق التحرّر، من داخل الفعل نفسه. وبذا يمكن القول: “الأوبانيشاد” تسأل من أنا؟ و”الغيتا” تُضيف: كيف أعيشُ، وأنا أعرفُ مَن أنا؟
إِشارةٌ إلى أن الطبيب محسن لا يدعو إلى النظر لـِ “الغيتا”، بوصفها بديلاً من “الأوبانيشاد” ، بل بوصفها إعادة تركيب لعددٍ من أفكارها الكبرى، ضمن إطار جديد : إطار الفعل والواجب واليوغا والتعبُّد والخلاص.

وإلى ذلك، فإنّ “الغيتا” مختلفةٌ عن “الأوبانيشاد”، من حيث الشكل والموقع الأدبي، فهي جزءٌ من “المهابهاراتا”، الملحمة الهنديّة الكبرى، الطاعنة في زمن الهندوس، تتموقع في الكتاب السادس منها، في صورة حوار بين “أرجونا” والإله “كريشنا”، عشيّة المعركة بين فَرْعَي نفس الأسرة: الكورويون والبانديون المتنازعون على عرش مملكة “هاستينبورا”، حيث يروي “سنجاي” مستشار الملك الأعمى، مجريات هذا الصراع.
علمًا أن الأزمة تتمحور حول السؤال الآتي: هل يجوز للإنسان أن يقوم بواجبه، إذ كان هذا الواجب يقتضي قتل أقربائه ومعلّميه؟
من هنا، فإنّ “الغيتا” تنقل السؤال الهندوسي من “ما حقيقة الذات” إلى سؤال آخر “كيف للإنسان أن يعيش ويتصرّف، بعد أن عرف طبيعة الذات والوجود؟” .
هذا السؤال، بل المأزق الأخلاقي، هو ما واجهه “أرجونا”، حيث يجب أن يخوض الحرب، في وجه خصومه، وهم أقاربهُ ومعلّموه، وليتحوّل هذا المأزق إلى سؤال فلسفي: كيف يمكن للمرء أن يُؤدِّي واجبه في العالَم، من دون أن يُصبح أسير الرغبة والنتائج (أي نتائج الفعل) والتعلّق؟
ههنا تكمن إِحدى أهمّ إِضافات “الغيتا” إلى الفكر الهندوسي.
ومن هنا تنبع قيمة “الغيتا”، في مسار الفكر الهندوسي، بجعلها المعرفة الميتافيزيقية أخلاقًا وممارسةً ومعيشًا يوميًّا.
وإذا كانت “الغيتا” لا تُشكِّل قطعةً من “الأوبانيشاد”، فهي تستمدّ منها أفهومات “أتمان” و “براهمان”، و “الكارما”، و “السَامسارا”، و “الموكشا”، ثم تُضيف إليها، بصورة، أكثر وضوحًا، الفعل غير المتعلّق بنتيجتِهِ، والعبادة وشخصنة العلاقة بالمطلق.
هكذا، فإنّ “الغيتا” لا تبدأ من الصفر، بل تستوعبُ مفردات “أوبانيشاديّة” سابقة، لكنها تُعيدُ تنظيمها، ضمن رواية تركيبيّة، ولنجدنا بإزاء مقولة معادلة: المعرفة أم الفعل؟
في مواضع مُتعدِّدة من “الأوبانيشاد”، يميل الطريق إلى التحرّر نحو المعرفة، في حين أن “الغيتا” تُواجه مشكلة عمليّة، تتمثّل في هذا السؤال: ماذا يفعل الإنسان الذي لم يعتزل العالم ؟

وبالعودة إلى “أرجونا” ، الشخصيّة الرئيسة في الكتاب، فهول ليس ناسكا في غابة، إِنّه محاربٌ في ساحة معركة، تقول له “الغيتا” ببساطة : أتركْ العالم، بل تُقدّم مفهومًا بالغ الأهميّة، هو: كارما يوغا، أي يوغا الفعل. فليس المطلوب أن يتوقّف الإنسان عن العمل وإنما أن يعمل من دون التعلّق الأناني بنتائج عمله. هذه نقطة تحوّل فلسفيّة مهمّة جدًّا، مؤدّاها أنّ المشكلة ليست في الفعل ذاته، بل في التعلّق الأناني بثمرة الفعل. من هنا تستطيع “الغيتا” أن تجمع بين أمرين، كان يُمكن أن يبدُوَا مُتناقضين: الفعل في العالم، والتحرّر من التعلّق بالعالم. وهذا أحد أهمّ إسهاماتها الفكريّة.
وإذا كانت “الأوبانيشاد” قد مالت، في مراحلها الأخيرة، إلى المعرفة والتأمّل والتحرّر، فإنّ “الغيتا”، قد قدّمت تركيبًا أكثر اتساعًا: جنانا يوغا، أي طريق المعرفة/ كارما يوغا، أي طريق الفعل غير المتعلّق بثمرته/ بهاكتي يوغا، أي طريق المحبّة والتعبُّد والإخلاص للإله.
تأسيسًا على ما سبق، نخلص إلى أنّ “الغيتا” لا تجعل الخلاص شأنًا معرفيًّا صِرفًا، وإِنّما تُشرِّع له طريقًا تعبُّديًّا وشخصيًّا أيضًا. وهذا يرتبط بشخصيّة “كريشنا” نفسها، الذي لا يظهر في الحوار مجرّد معلّم فلسفي، بل يظهر باعتباره الإِله/ المُطلق المتجلِّي، مما يُكسبُ “الغيتا” خاصِيَّة بالغة الأهميّة، في تقاليد الفيشنافيَّة والبهاكتي.
ومن النقاط الإيجابيّة، التي تُسجّل في خانة “الغيتا”، فهي قد استطاعت أن تُشكِّل جسرًا بين الميتافيزيقا “الأوبانيشديّة” والتديُّن التعبُّدي.
وإذا كانت “الأوبانيشاد” و “البهاغافادغيتا” و “البراهما سوترا” تحتلّ مكانة مركزيّة، في تاريخ الفكر الهندوسي، فإنّ من منظور تاريخ الأفكار، يمكن اعتبار “الغيتا” حلقة مركزيّة، بين الحكمة “الأوبانيشاديَّة” القديمة والفلسفات والمدارس الهندوسيّة اللاحقة، ولاسيما “الفيدنتا” و “البهاكتي”.

“البهاغافادغيتا ” في الميزان ؟
أ- في عموميّة أطروحاتها وراهنيّتها الممتدّة
“الغيتا”، بالصيغة “المحسنيّة” (نسبة إلى مترجمها نبيل محسن)، جاءت في مائة وثمانين صفحة من الحجم الوسط.
في إضاءة، على هذه الترجمة، من جوانب مُتعدِّدة، أفرد د. محسن عَبْرَ التمهيد والمدخل دراسة وافية شغلت حوالي ثلث الكتاب، بحيث قد يُستغنى عن قراءة المتن، لغير المتخصّصين، هكذا أوفى الباحث مُحسن فأغنى!
ففي المدخل، يتوقّف الباحث محسن عند ست قضايا، هي الآتية:
أهميّة “الغيتا” وبنيتُها / التقاليد التفسيريّة الكلاسيكيّة/ الشروح الهنديّة المعاصرة/ إنتقال “الغيتا” إلى الغرب/ تلقّي “الغيتا” في العالم العربي/ المفاهيم الفلسفيّة الأساسيّة .
ثم يروح الباحث محسن إلى إيراد النص “الغيتاوي”، الذي يضمّ ثمانيّة عشر فصلاً، وهو عبارة عن حوار شعري بين “أرجونا” وبين الإله “كريشنا”.
وقد أتبع هذا النص بمعجم ألفبائي، مع شروحات دقيقة، للكلمات والتعابير السنسكريتيّة الواردة في النص، والتي بلغت إحدى وأربعين كلمة. كما ذيّل الكتاب، بثبت للمصادر والمراجع، باللغة العربية، بلغت خمسة عشر، وثبت آخر للمراجع، بالإنكليزيّة والفرنسيّة، ضمّ ستة وخمسين مرجعًا.
.. وإذْ نضع هذا المؤلَّف في الميزان، فإنّ العبارة / المفتاح، التي نتوقّف عندها مليًّا، هي ما ذهب إليه د. محسن في التمهيد، حيث يرى إلى المأزق الذي وُجد فيه “أرجونا” امتحانًا وجوديًّا، إذْ السؤال لا يعود عمّا هو صوابٌ، في المستوى النظري، بل عمّا نفعلُهُ، حين يُصبحُ الفعل ذاته عبئًا أخلاقيًّا، لا يمكن التهرّبُ منه، وحين يُمتحن القلبُ قبل العقل، والنيّة قبل النتيجة (راجع ، ص 7 ).
فهذا الامتحان الوجودي لا يخصّ “أرجونا” وحده، بل يتعدّى إلى كلّ امرئ، بجد نفسه في وضع مماثل. من هنا، فإنّ الإمتحان “الأرجوني” (نسبة إلى أرجونا)، يكتسبُ بُعدًا شموليًّا، فلسفيًّا وأخلاقيًّا في آن.
وبتعبير آخر، نجدُنا بإزاء مسألتين: عموميّة هذا الامتحان وراهنيّته، وهذا ما يمنح “الغيتا” سمة السيرورة، مُتفلّتة من محدوديّة الأزمنة وتحيّزات الأمكنة، بمعنى أنّ كل إنسان قد يخضع لهذا الامتحان، فيعيش حالة تمزُّق بين الواجب وبين القيام بعمل قد لا تستسيغُهُ التقاليد والأعراف المتّبعة ومنظومات قيم، تعيّش عليها الناس، طوال حِقب مديدة!
ولا غرو، فإنّنا نوافق الباحث محسن الرأي بأنّ سؤال “أرجونا” هو صدى لأسئلتنا، وأنّ تردّده يعكس اللحظة، التي يقف فيها كلّ إنسان عند عتبة الفعل: هل يُقْدِمُ أم يتراجع؟ (..) بل كيف يؤدِّي ما يراه واجبًا من دون أن يفقد إنسانيته، وكيف يتحمّل نتائج فعله من دون أن يلوذ بالتبرير والندم (التمهيد ص ص : 7 – 8). ونُضيف تجسيدًا لحالة الشكّ، التي تتمزّقُهُ: هل يُراوح مكانه، إلى حين، ثم يكون إِقدامٌ أو إِحجام؟
… وإذْ ننتقل إلى مستوى آخر، من تجلّيات “الغيتا” البنّاءة، نرى أنّ أثرها يتعدّى إلى الفضاء السياسي العام، ولتُشكِّل مصدر إلهام للنخب المثقّفة وللمناضلين، من أجل استقلال الهند. وهي ما زالت تُؤدِّي دورًا وازنًا، في تشكيل البنى الثقافية والفكريّة والأخلاقيّة للمجتمع الهندي.
هاتان، العموميّة والراهنيّة الممتدّة، جعلتا من “الغيتا” نصًّا عالميًّا، فتمّت ترجمتها إلى أكثر من ثمانين لغة .
ناهيك عن أنّ أثرها امتدّ إلى عالم الأدب والفكر، ولاسيما في الغرب، فكانت موضع إلهام ومحاكاة لأدباء وشعراء كُثُر.

ب- في المنحى المنهجي الأكاديمي للباحث محسن
مما يُسجَّل إيجابًا للباحث محسن، في ترجمتِهِ “الغيتا”، العودة إلى النص السنسكريتي، كونه المصدر الأول والأخير، في ضبط المعاني، ولاسيما أن الترجمة – كما يُشاع- “هي خيانةٌ للنص الأساسي”!
بيدَ أنّ باحثنا، من منطلق الدقة العلميّة، أفاد من الشروح والترجمات، القديمة والحديثة، ولاسيما أعمال “شيري أوروبيندو”، صاحب “الأوبانيشاد”. كما أفاد من ترجمات مُعاصرة، تميّزت بدقّة لغويّة وحياد فلسفي، في عِدادها الترجمات الفرنسيّة. وهذا أمرٌ طبيعي، بل من لزوم ما يلزم، لدى الباحثين الجادّين، في ميدان الترجمة، بهدف إجراء مقارنات وتقاطعات بين نصوص مُتعدِّدة، للوصول إلى نصّ لا ترقى إليه الشُبُهات.
من هُنا، فإنّ ترجمة د. محسن لـِ “الغيتا” اتّسمت بصرامة أكاديميّة، وهي خاصّية يُشهد بها له، خبرناها، في كتابيه السابقين، آنفي الذكر. ونُضيف أنْ لا غرابة في ذلك، فالأسلوب هو الرجل
(le style c’est l’homme) ، على ما يذهب المفكر الفرنسي “Le Comte de Buffon” .
ولقد تبدّى هذا النزوع الأكاديمي، لدى الباحث محسن، في تعليله دراسة المصطلح، مُنطلقًا من ثابتةٍ فحواها أنّ المصطلح ليس أداة لغويّة فحسب، بل هو مفتاحٌ للإحاطة بالبنية المفهوميّة للنص. وهذا ما يفتقر إليه الكثير من “الباحثين”، في العلوم الإنسانية والاجتماعيّة، فلا يعيرون أهميّة لهذه المسألة، فتشوبُ أبحاثهم عيوبٌ منهجيّة، لا يمكن التسامح معها!
ولقد حرص الباحث محسن على إِيراد العديد من المصطلحات، بلفظها السنسكريتي، حتى لا تفقد روحانيتها وإيحاءتها الهندوسيّة، ولعدم وجود مُعادل لها بالعربيّة يفي بالحاجة، وكون هذه المصطلحات غدت عالميّةً بلفظها الأمّ.
وبقدرِ ما يتوجّهُ هذا الكتاب إلى المتخصّصين، في دراسة الديانات والحضارات الشرقيّة، كما إلى الباحثين في الفلسفة والفكر المقارن، فهو يتوجّه أيضًا إلى القارئ العربي المثقّف. من هنا كان حرص المترجم/ المؤلِّف محسن على توسُّل لغة، تجمع بين المتانة والسلاسة والانسيابيَّة، رُغم جفاف المادة العائدة للنص “الغيتوي”، مُشدِّدًا على أن لا يخون، بحسب قوله، صعوبة الفكرة من أجل سهولة اللفظ!
وإلى استيفاء الشروط الأكاديميّة، كما أسلفنا، فقد جاء الكتاب، أنيقًا، من حيث غلافُهُ، وفي أخراجه (Mise en page)، يُحاكي أناقة د. محسن، ظاهرًا وجوهرًا، مما يزيدنا تشبُّسًا بالمقولة، التي عرجنا عليها آنفًا (le style c’est l’homme) .

ج- فذلكة فلسفيّة/ حول أطروحة الواجب “الغيتاوية” وأطروحة الواجب لدى الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط ؟
إذْ نتقصّى ما إذا كان ثمّة صلة فلسفيّة، بين مفهوم الواجب في “البهاغافادغيتا” ومفهوم الواجب عند الفيلسوف الألماني كانط، يتحصّل لنا وجود هذه الصلة، من دون أن يعني ذلك أنّ هذا الفيلسوف كان عِيالاً على “الغيتا”. بل يمكن الحديث عن تقارب بنيوي عميق بين تصوّرين أخلاقيّين، نشآ في سياقين مختلفين .
وتفصيلُ ذلك أنّ الواجب في “الغيتا” هو أداء الـ “dharma” ، حيث تبدأ المسألة الأخلاقيّة، من مأزق “أرجونا” – كما جاء في متن بحثنا هذا – إذْ عليه أن يخوض معركة، فيتردّد أمام العواقب الأخلاقيّة لفعل القتل. ويأتي جواب “كريشنا” قائمًا على فكرة “dharma”، أي على الإنسان أن يُؤدِّي واجبه، الذي يقتضيه موقعه في النظام الكوني والاجتماعي، لا أن يجعل نتائج الفعل أساسًا لقراره. وهنا تظهر العبارة المركزيّة في فلسفة “الغيتا”: لك الحقّ في العمل وليس لكل الحقّ في ثمار العمل! أي أنّ القيمة الأخلاقية للفعل لا تتمدّد بما سيعود على الفاعل، من منفعة أو لذّة أو نجاح. وهذا يقود إلى مفهوم العمل بلا تعلّق بالنتيجة (Niskama Karma).
أما الواجب، عند كانط، فهو يقربُ مما تطرحه “الغيتا”، في هذا المجال، إذْ الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يُنجز بدافع الواجب، لا بدافع المصلحة أو الميل أو النتيجة المتوقّعة. ولذ يُميِّز كانط بين :أن أفعل شيئًا مُطابقًا للواجب، وأن أفعله بدافع الواجب. فالقيمة الأخلاقيّة الحقيقيّة للفعل تكمن عنده في المبدأ، الذي دفع الإرادة إلى الفعل، لا في النتيجة، التي ترتّبت عليه. هنا يتمّ الاقتراب، بصورة واضحة، من “الغيتا”: إفعل ما يجب عليكِ فعلُهُ، ولا تجعل النتيجة معيارًا لقيمة فعلك الأخلاقيّة.
بيدَ أنّ ثمّة فوارق، لا بُدّ من التوقّف عندها، تتمثّل في الآتي: الإنسان، لدى “الغيتا”، لا يبلغ التحرّر بمجرّد اختيار القانون الأخلاقي بعقله الفردي، وإنّما بتحقيق الانسجام بين فعله وال “dharma”، ثم تجاوز التعلّق بالأنا وبثمار العمل. أما عند كانط، فإنّ مصدر الإلزام الأخلاقي هو العقل العملي، وهذا فارقٌ أساسي.
وإلى ذلك، فإنّ “أفعلُ الواجب”، من منظور “الغيتا” ليست هي “أفعل الواجب”، في رؤية كانط. ولعلّ هذه النقطة هي الأكثر أهميّة في المقارنة. فعندما يقول “كريشنا” لـِ “أرجونا” : قُمْ بواجبك، فإنّ الواجب مرتبط، إلى حدّ بعيد، بموقع الإنسان في النظام الكوني والاجتماعي. فَـ “أرجونا” محارب، ومن ثمّ فإن “dharma” ، الخاص به، يفرض عليه أداء دوره. أمّا كانط، فيبحث عن واجب، يمكن أن يكون صالحًا لكلّ كائن عاقل، بصرف النظر عن موقعه الاجتماعي. ولهذا يصل إلى الأمر المطلق “إعمَلْ فقط، وفق القاعدة، التي يمكنك، في الوقت نفسه، أن تُصبح قانونًا كلّيًا” .
نخلصُ إلى أنّ “الغيتا” تسأل: ما واجبي في النظام الكوني، الذي أنتمي إليه؟ في حين كانط يسأل: ما المبدأ، الذي يستطيع العقل أن يريده قانونًا كونيًّا، لجميع الكائنات العاقلة؟ وهذا فرقٌ بالغ الأهميّة.
وهناك نقطةٌ أكثر عمقًا، تتعلق بالنيّة والتجرّد، مما يُشكِّلُ منطقة تلاقٍ فلسفيّ شديدة العمق. وتفصيل ذلك أن “الغيتا” تُريد تحرير الفعل من التعلّق بالثمرة، وكانط يُريد تحرير الفعل الأخلاقي من الميل والمصلحة والمنفعة.
هكذا، نجد في الحالتين محاولة لنقل الأخلاق من “ماذا سأُحصّل من الفعل؟” إلى “لماذا أفعل الفعل؟”. بيدَ أنّ الإجابة مختلفة. فلدى “الغيتا” : أفعلُ لأن هذا هو “dharma” وأفعله من دون تعلُّق بالثمرة، في حين عند كانط: أفعل لأنّ العقل العملي يُلزمني به، وأفعلُهُ احترامًا للقانون الأخلاقي.
علمًا أنّ المفارقة المثيرة تتمثّل بوضعنا “أرجونا” وكانط في مواجهة فلسفيّة مثمرة جدًّا. “أرجونا” يقول، بصورة جوهريّة : “كيف أفعل إذا كانت نتائج فعلي مؤلمة ومروّعة؟ ” ، و “كريشنا” يُجيبُهُ : “لا تجعل ثمرة الفعل معيارًا لواجبك”، أما كانط فيقول: “لا تجعل نتيجة الفعل معيارًا لقيمتِهِ الأخلاقيّة، أنظُرْ إلى المبدأ، الذي يحكم إرادتك”، هنا يظهر التقارب.
بيدَ أن “كريشنا” يقول أيضًا شيئًا، لا يستطيع كانط قبوله بسهولة: الفعل الأخلاقي هو جزء من نظام كوني وميتافيزيقي، يتجاوز الذات الفرديّة، في حين أنّ كانط يجعل إستقلال الإرادة العاملة مركز الأخلاق.
ويبقى السؤال: إذا عكسنا الأمور، عبر مركبة الزمن، هل يمكن القول إنّ “الغيتا” كانطيّة قبل كاط؟
كلاّ، سيكون ذلك إسقاطًا تاريخيًّا غير دقيق. لكن يمكن القول إنّ هناك تشابهًا بنيويًّا بينهما، في ثلاث مسائل كبرى: مركزيّة الواجب/ تحرير الفعل الأخلاقي من المصلحة الشخصيّة/ تقليص أهميّة النتائج الخارجيّة، في تحديد القيمة الأخلاقيّة للفعل.
تأسيسًا على كلّ ما سبق، ثمّة سؤالٌ فلسفيٌّ عميق، ربما هو الأكثر حضورًا في المقارنة، يتمثّل في الآتي: هل “عدم التعلُّق بالنتيجة”، عند “الغيتا” يعادل، من الناحية الأخلاقية، “الفعل بدافع الواجب”، عند كانط؟
الإجابة الصحيحة : إنّهما يتقاطعان، ولكنهما لا يتطابقان، ذلك أنّ السبب يكمن في اختلاف مفهوم الذات والحرّية والقانون الأخلاقي، عند كلٍّ منهما.
***
*القيت في مناقشة وتوقيع كتاب “البهاغافادغيتا” ترجمة وتقديم : الدكتور نبيل محسن مركز الصفدي – قاعة طرابلس، بمشاركة: الدكتور مصطفى حلوة، الدكتور خالد زيادة، الدكتور نبيل محسن، أدارت الندوة الدكتورة نادين العلي.



