سجلوا عندكم

الإنسان بين ظلال العقل وأنوار الأمومة… قراءة نفسية فلسفية في رواية “المتاهة” لـ  لطيفة الحاج قديح

Views: 545

 

 

مونتريال- د. عبدالإله خازن دار

حين نلج أبواب رواية “المتاهة” لـ  لطيفة الحاج قديح  (صادرة عن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي)، ندرك منذ اللحظة الأولى أننا لسنا أمام حكاية للتسلية، بل أمام تجربة وجودية عميقة تُعرّي النفس البشرية وتكشف مأزقها. العنوان نفسه “المتاهة” ليس مجرد اختيار بلاغي، بل هو استعارة نفسية كبرى: صورة للعقل وهو يضيع، للذات وهي تفقد ملامحها، وللروح وهي تبحث في العتمة عن معنى، عن ضوء، عن مخرج.

الأدب العظيم هو الذي يتحوّل إلى مرآة، لا نقرأ فيه الآخرين فحسب، بل نقرأ أنفسنا. المتاهة بهذا المعنى ليست رواية عن ربيع وأسرته فقط، بل عن كل واحد منا: عن هشاشتنا، عن غربتنا، عن خوفنا من الانكسار.

“ربيع”، سقوط الأنا وتشوه الهوية

في قلب الرواية يقف “ربيع”، شاب وسيم، ناجح، طموح، بدا وكأنه صورة المستقبل المشرق. لكنه يسقط فجأة في متاهة داخلية، فيرى نفسه غريبًا عن ذاته، مسخًا لا يعرفه.

في لغة فرويد: الأنا تنهار تحت ضغط “الهو”، الغرائز والهلوسات تنفلت بلا كابح، فيما يتراجع الأنا الأعلى.

في لغة يونغ: “الظل” يخرج من أعماق اللاوعي، ويبتلع الوعي كله.

وفي لغة المدرسة المعرفية السلوكية: ربيع يعيش تشوّهًا إدراكيًا جذريًا، يرى نفسه بعين عدائية، وكأن المرء صار خصمه الأول.

إنها مأساة وجودية: ماذا يحدث حين نفقد ثقتنا في إدراكنا ذاته؟ حين لا تعكس المرآة الحقيقة، بل صورة مشوهة؟ عندها تصبح الحياة كلها متاهة بلا خرائط.

“الأم وفاء”، الأمومة كاحتواء نفسي ووجودي

وسط هذا الانهيار يظهر الضوء: الأم وفاء. إنها ليست مجرد شخصية ثانوية، بل الروح الحارسة للنص، وجدار المعنى الأخير.

الأمومة في الرواية ليست بيولوجيا، بل عملية نفسية وجودية. هي المرآة الأولى التي يرى الطفل ذاته فيها. كما يقرر علماء النفس من بولبي إلى وينيكوت وكوهوت، علاقة الطفل بأمه هي حجر الأساس في بناء شعوره بذاته وأنماط تعلقه.

“وفاء” هنا تجسد ما يُعرف بالاحتواء العاطفي (Emotional Containment). في لحظات انهيار ربيع، حيث تتشقق هويته، هي الحضور الذي يلتقط فتات ذاته كي لا يذوب في العدم. إنها “الأم الكافية” (Good Enough Mother) عند وينيكوت، التي لا تمنح الكمال، لكنها تمنح الحضور الكافي لإنقاذ النفس من التشظي.

أما في مدرسة التحليل الذاتي، فهي المرآة العاطفية التي تعكس للابن قيمته. وفي لغة فيكتور فرانكل، وفاء هي تجسيد لـ “إرادة المعنى”: القدرة على منح قيمة للحياة حتى وسط العبث.

إنها لا تمنحه دواءً، بل تمنحه معنى. تقول له: “أنت ما زلت إنسانًا محبوبًا مهما انكسرت”. وهنا تكمن عظمة الأمومة: إنها لا تشفي سريريًا، لكنها تشفي وجوديًا. إنها احتضان المعنى حين ينهار كل معنى.

الأب… غياب المرجعية

على الضفة الأخرى، حضور الأب باهت. غيابه أبلغ من وجوده. في التحليل النفسي للأسرة، الأب يمثل القانون، النظام، المرجعية. غيابه يعني أن البوصلة تعطلت.

الأب في الرواية ليس خصمًا ولا طاغية، لكنه شاهد عاجز. وهذا العجز رمز لسقوط المرجعيات في المجتمع كله. حين يغيب صوت الأب – كرمز للسلطة والقانون – تصبح الأسرة مكشوفة أمام العاصفة، كما يصبح الوطن بلا درع.

الأديبة لطيفة الحاج قديح وناشرة الرواية المهندسة الشاعرة ميراي شحاده

 

الإخوة… برود الجماعة

الإخوة بدورهم يمثلون المجتمع الصغير. يحبون ربيعًا، نعم، لكن بحب بارد، من بعيد. يثقون بالعلم، يؤمنون بالأطباء، لكنهم يفتقدون للدفء.

إنهم انعكاس للوصمة الاجتماعية التي تُحوّل المريض النفسي إلى “ملف طبي” لا إلى إنسان. الرواية تصرخ عبرهم: المريض ليس حالة، المريض إنسان. كل لامبالاة، كل برود، كل تعامل تقني جاف، يزيد الجرح عمقًا ويضاعف عزلة المريض.

المجتمع والوطن… المتاهة الكبرى

لكن الرواية لا تقف عند حدود الفرد. لطيفة الحاج بنسجها الواعي، تجعل من انهيار ربيع استعارة لانهيار الوطن.

الوطن في الرواية ليس خلفية صامتة، بل شخصية كبرى. الفساد، الانهيار الاقتصادي، الانفجارات، غياب الثقة بالسلطة… كلها تحضر كظلال ثقيلة على الشخصيات. وكأن الرواية تسألنا: ما معنى محاولة إنقاذ فرد إذا كان المجتمع نفسه مأزومًا؟

في علم النفس الاجتماعي، هناك مفهوم الصدمة الجمعية (Collective Trauma). الشعوب التي تمر بالحروب والأزمات الاقتصادية تحمل ندوبًا نفسية تنتقل بين الأجيال. وهذه الصدمة، غير المرئية أحيانًا، تتحول إلى متاهة يعيشها الناس جميعًا.

“ربيع” هنا ليس مجرد مريض، بل صورة مكبرة عن وطن مأزوم. سقوطه يشبه سقوط لبنان في أزماته، بل سقوط عالم عربي يتيه في متاهات الحرب والفساد والاغتراب.

الأعمق من ذلك: المجتمع المريض يُنتج أفرادًا مرضى، والأفراد المنهارون يكرسون مرض المجتمع. إنها دائرة مغلقة، متاهة كبرى، لا مخرج منها إلا بترميم العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الذات والوطن.

الوطن – كالأم – يحتاج إلى أن يحتوي أبناءه. وحين يتخلى عنهم، يُلقي بهم في متاهة الغربة والضياع.

الهجرة… غربة الذات واقتلاع الجذور

“ربيع” أيضًا ابن الهجرة المستمرة. من الخليج إلى كندا، ثم لبنان، ثم العودة. كل انتقال هو اقتلاع جديد للجذور. والنتيجة: هوية مهزوزة، انتماء معلق.

هذا ما يسميه علم النفس الوجودي “غربة الذات” (Self-Alienation): أن تشعر أنك غريب في كل مكان، بل غريب حتى عن نفسك.

إنها ليست أزمة ربيع وحده، بل أزمة جيل كامل من المهاجرين المعلقين بين عالمين. جيل يعيش بلا أرض ثابتة ولا جذور، وبلا أجنحة آمنة يطير بها.

الفن… التسامي وتحويل الألم إلى إبداع

وسط هذه الفوضى يطل الفن كنافذة خلاص. ربيع يعزف الغيتار ليحول الفوضى إلى موسيقى، والكاتبة نفسها تكتب الرواية وكأنها تمارس العلاج بالكتابة.

في التحليل النفسي هذا يُسمى التسامي: تحويل الطاقة المؤلمة إلى إبداع. في العلاج المعرفي: إعادة البناء الإدراكي. وفي الفلسفة الوجودية: الفن كوسيلة لانتزاع معنى من قلب العبث.

الخاتمة… بين الأمومة والوطن

حين نغلق رواية المتاهة، نجد أنفسنا أمام صورتين متناقضتين لكنهما متكاملتان: الأم وفاء، والوطن المأزوم. الأم هي الحضن الذي ينقذ، والوطن هو المتاهة التي تبتلع.

لكن لعل الرسالة الأعمق أن الوطن نفسه يحتاج إلى “أمومة” من نوع آخر: احتواء جماعي، رعاية نفسية اجتماعية، شعور بالمسؤولية المشتركة. كما تنقذ الأم ابنها بالحب، يحتاج الوطن إلى من ينقذه بالاحتضان والرعاية، لا بتركه فريسة للبرد واللامبالاة.

المتاهة إذن ليست فقط قصة مرض فردي، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الأمومة كاحتواء نفسي، والوطن كبيت نفسي جماعي. غياب الأمومة يولد عزلة، وغياب الوطن يولد غربة. وكلاهما يقود إلى متاهة.

الرواية تهمس في النهاية: حتى في أحلك المتاهات هناك دائمًا ضوء. قد يكون في كلمة أم، في لمسة حب، في لحن موسيقى، أو في نص أدبي يعكس جراحنا. المهم أن يبقى هناك من يحتوي إنسانيتنا، كي لا نضيع.

https://www.youtube.com/watch?v=ZHefffc48dg

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *