سجلوا عندكم

العائلة أمام تحديَّات العصر: من الهشاشَة إلى الرَّجاء

Views: 76

الأب د. نجيب بعقليني

اختصاصي في راعويَّة الزواج والعائلة

 

١-  واقع العائلة في عالم متغير

تلُفُّ حالةٌ من الضَّبابيَّةِ والرماديَّةِ واقع العائلة، في مُجتمعات العالم، اليوم، في ظلِّ تفكُّكٍ واضطرابٍ وترنُّحٍ في العَلاقات الإنسانيَّةِ، ولا سيما العلاقةِ بين الرَّجُل والمرأة، وبين العائلة والمُجتمع.

مردُّ هذه الحالة إلى أسبابٍ كثيرة، من أبرزها عدمُ إيجادِ حُلولٍ ملموسةٍ وعمليَّة للمُشكلات والصُّعوبات التي تواجهُها العائلة، إضافة إلى التحوُّلاتِ الاجتماعيَّةِ والثقافيَّة والاقتصاديَّةِ والنفسيَّةِ المُتسارعةِ التي وضعت العائلةَ أمام تحديَّاتٍ جمَّةٍ تُعرقلُ مسيرتَها وتُهدِّدُ استقرارَها.

٢- الكنيسة والعائلة عشر سنوات بعد “فرح الحبّ”

من هذا الواقِع، يكتسِبُ اجتماعُ أساقفةِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة في حاضرة الفاتيكان (٧ – ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦)، تحت عُنوان “بعد عشر سنوات على فرح الحُبّ: إعلان الإنجيل مع العائلات اليوم”، أهميَّةً خاصةً، إذ يتمحورُ حول العائلةِ، بعد مرور عشر سنوات على خروج  الإرشاد الرسولي «فرح الحبّ» إلى النور، الذي أصدره البابا فرنسيس عقب السينودسين حول العائلة عامَي ٢٠١٤ و٢٠١٥.

اليوم، تعودُ الكنيسةُ لتتساءلَ بعُمقٍ: ماذا حدثَ للعائلة؟ وماذا فعلَت التحوُّلاتُ المُتسارعةُ بالعَلاقات الزوجيَّة والعائليَّة؟

ماذا فعل العصرُ التكنولوجي والرقمنة والخوارزميَّات بالعائلة؟ وماذا فعلت التحوُّلاتُ الاقتصاديَّة، والنفسيَّة والاجتماعيَّة، والحُروب، وتراجُع الأوضاعِ المعيشيَّة، وانتهاكات الطَّبيعة والبيئة؟ كلّ هذه التحوُّلات دفعت الكنيسةَ إلى إعادةِ النَّظرِ في أساليب مُرافقتِها للعائلات، واستحداثِ طُرقٍ رعويَّةٍ جديدةٍ ترافقُ هشاشَتها وضُعفَها وتساعدُها على مواجهة تحديَّاتها.

٣- رسالة ومسؤوليَّة

       تأسيسُ عائلةٍ ليس أمرًا سهلًا، بل هو رسالةٌ ومسؤوليَّةٌ وإنجازٌ إنسانيّ وحضاريّ، والدعوة موجَّهةٌ إلى كلّ رجُلٍ وامرأةٍ لبِناءِ عائلةٍ قادِرةٍ على أن تكونَ مَساحةً للحُبّ والحياةِ والأمانِ والرَّجاء.

هذا البناءُ يحتاج إلى مقوِّمات أساسيَّة، ومبادئَ إنسانيَّةٍ واضِحةٍ، ومفاهيمَ سليمةٍ، ووسائلَ صحيحةٍ، إضافةً إلى نُضجٍ فكريّ وجسديّ ونفسيّ واقتصاديّ وعاطفيّ وعلائقيّ. ليس الزواجُ مُجرَّدَ قرارٍ عاطفي عابِر، بل التزامٌ وعهدٌ ومسيرةٌ مُشتركةٌ تتطلَّبُ استعدادًا ومرافقةً مُستمرَّةً.

٤- مساحة واهتزاز

تتوافقُ المُجتمعات، على اختلاف ثقافاتها وانتماءاتها، على أنَّ العائلةَ تُشكِّلُ مَساحة للأمانِ والاستقرارِ والخير، وأنها إحدى الركائز الأساسية لمُستقبل الحياة والمُجتمع.

لكن التطوُّرات والتغيُّرات المُتسارعة التي يشهدُها عالمُنا أحدثت هزَّةً عميقة في واقع العائلة، وطالت المبادئَ والقيَمَ والمفاهيمَ المُرتبطةَ بالحُبِّ والزَّواجِ والحياة المُشتركة، فأصبحت هذه القيَمُ عرضةً للاهتزازِ والتراجُع، في ظلّ تبدُّل المفاهيم، وتنامي الفرديَّة، ومحاولات إعادة تعريف العائلة وأشكالِها ووظائفها.

لا شكّ في أنَّ حضارةَ القرن الحادي والعشرين، بما تحملُ من نَزعةٍ استهلاكيَّةٍ مُتصاعدةٍ، وفرديَّةٍ مُفرطةٍ، وتسارُعٍ في وسائل الاتصال والتواصُل، وتطوُّرٍ متنامٍ في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأزمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، والحُروب، وصِراع الحضارات، وتنامي الأصوليَّات والتطرُّف، تركت آثارًا عميقةً في العائلةِ وفي بِنيان المُجتمع ككُلّ.

من هنا، لا بدّ من التمييز بين التطوُّرِ الذي يخدِمُ الإنسانَ والعائلةَ، والتطوُّرِ الذي يُضعفُ العَلاقات الإنسانيَّةَ ويهدِّدُ تماسُكَها.

العائلة ليست مجرَّد مؤسَّسةٍ اجتماعيَّة، بل هي مكانٌ يتعلَّمُ فيه الإنسانُ الحُبَّ، المسؤوليَّة، العطاءَ، الغُفران، والتضامُنَ، وأيُّ مساسٍ بأُسُسِها أو بقُدرتِها على أداءِ رسالتِها ينعكسُ حتمًا على المُجتمعِ ومُستقبلِه.

التحدي المطروح، اليوم، ليس كيف نحافظُ على العائلة، فحسب، بل كيف نرافقُها، ونُحصِّنُها، ونُساعدُها على تجديدِ ذاتِها، لتبقى مًساحةً للحُبِّ والحياةِ والرَّجاء.

في هذا السِّياق، الكنيسةُ مدعوَّةٌ إلى الإصغاءِ إلى العائلاتِ، ومُرافقتِها في هشاشتِها، وعدم الاكتفاءِ بإدانةِ الصُّعوباتِ التي تُواجِهُها، بل البحث معها عن حلولٍ واقعيَّةٍ وإنسانيَّةٍ وروحيَّةٍ، انطلاقًا من أن الرَّحمةَ ليست التهاونَ، والمُرافقةَ ليست التخلِّي عن الحقيقةِ.

٥- وتبقى العائلة

رغم كلّ التحديَّات، تبقى العائلةُ مشروعَ رجاءٍ، وحمايتُها لا تعني الانغلاقَ أمام العالم، بل مساعدتَها على مواجهةِ تحوُّلات العصرِ من دونِ أن تفقد جوهرَها، ورسالتَها، وقُدرتَها على أن تكونَ بيتًا للإنسان، ومدرسةً للحُبِّ، وحاضنةً للحياةِ، وأساسًا لمُجتمع أكثرَ إنسانيَّةً.

٦- قراءة جديدة ومَساحة للرَّجاء

سيسعى الأساقفة المجتمعون إلى إعادةِ قراءةِ الواقِع الأليم الذي يشهدُه عالمُنا، ولا سيما واقع العائلة التي تعيشُ، اليوم، أشكالًا متعدِّدة من التقويض والتهميش والضَّغط. تطرح بعض التيَّارات الفكريَّة والثقافيَّة المُعاصرة تصوُّرات جديدةً للزَّواج والعائلة، ما يستدعي قراءةَ الكنيسة لهذه التحوُّلات بعُمق، والتمييزَ بين ما يخدِمُ الإنسانَ والعائلةَ وما يمسُّ جوهرَهما ورسالةَ الزَّواج في مشروع الله للخلاص.

كذلك، سيتوقف المُجتمعون عند مسألةِ الإحجام عن الالتزام، وتراجُع القُدرة على بناءِ عَلاقةٍ زوجيَّةٍ متينةٍ ومستقرَّةٍ، في ظلِّ صُعوبةِ تطبيقِ الأسُس التي تساعدُ على تحقيقِ التناغُم داخل العائلة. هذا الواقع يطرحُ سؤالًا أساسيًّا: كيف تستمرُّ العائلةُ سندًا للمجتمع، إذا كانت هي نفسُها تُعاني من الهشاشةِ والاضطرابِ؟

 لا شكّ في أنّ التحوُّلاتِ السريعةَ، والثقافةَ المُستجدَّة، والضُّغوطَ الاقتصاديَّةَ، والتحديَّات التربويَّةَ، والأزماتِ الاجتماعيَّةَ والنفسيَّةَ، واضطراباتِ هذا العصرِ، تضعُ العائلةَ، يوميًّا، أمام ضُغوطٍ متزايدةٍ تُعكّرُ مسيرتَها وتُهدِّدُ استقرارها. إنها حالةٌ من الخَوفِ على الحاضِر والقلق من المُستقبل، وقد تولِّدُ لدى كثير من العائلات شعورًا بأنها مُهدَّدةٌ في وجودها ومصيرِها.

لكن التحدِّي لا يكمُن في تشخيص هذه المخاوف، فحسب، بل في مُواجهتها بالرَّجاء والأمَل، والتغلُّب على اليأسِ والخَوفِ من الغد، لذا، تحتاجُ العائلةُ إلى تعاونٍ وتعاضُدٍ بين أفرادها، وإلى جُهدٍ يومي يُحافظُ على روابطِ المحبَّة، ويخلُقُ مَساحاتٍ للفرحِ والابتهاج واللِّقاء الحميم، ويُعيدُ إلى البيتِ دفءَ العلاقةِ وأمانَها.

من هنا، سيعملُ المجتمعون على إعطاء مَساحةٍ خاصَّةٍ لعملِ الرُّوح القُدس، من خلال الحِوار والإصغاءِ والتمييز، لتكون الكنيسةُ أكثر قُربًا من العائلات، وأكثر قُدرةً على دعمها ومُرافقتها في صُعوباتها. ليس المطلوبُ الدِّفاعَ عن العائلة، فحسب، بل الوقوفَ إلى جانبها، والإصغاءَ إلى آلامِها، ومُساعدتَها على اكتشافِ إمكاناتِ التجدُّد التي تكتنزُها.

لعلَّ هذا اللقاءَ يكونُ مساحةً وفُسحةً لبثِّ الأمل والرَّجاء، والتأكيد على أنَّ العائلةَ تستطيعُ، رغم  الصُّعوبات والتحديَّات، أن تتجدَّد وتقاومَ اليأس، وأن تبقى بيتًا للحُبِّ، وحاضنةً للحياةِ، ومدرسةً للإنسانيَّةِ، وفُسحةً للسلام، وسندًا للمُجتمع والكنيسةِ.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *