د. مشير باسيل عون

Views: 28

الفعل السياسيّ اللبنانيّ: خللٌ في البنية

وفسادٌ في الأخلاق وخنوعٌ في العزيمة

د. مشير باسيل عون
د. مشير باسيل عون

(“النهار” 5 أيلول 2015)

خلافًا للمرّات السابقة، سارعتُ من تلقاء ذاتي إلى مناداة طالبي الجامعيّ المستغرق في التحسّر على مصائب الواقع اللبنانيّ في معاثره (المقالة الأولى) ووجدانه (المقالة الثانية) ودينيّاته (المقالة الثالثة)، وأبلغته أنّي سأتناول السياسيّات اللبنانيّة تناولاً صريحًا لأنّي أصبحتُ شديد التيقّن من أنّها الموضع الأبرز لتجلّيات الأمراض اللبنانيّة على تنوّع أعراضها. فعجب لإقبالي التلقائيّ إلى معالجة هذه الآفة، أنا الذي كان يتهرّب من المفاتحة ويؤثِر الصمت. فإذا بي، في مسألة السياسيّات، أهبّ وأنتفض وأصرخ صرخة التلوّع فأفتضح كلّ الالتواءات والاعتوارات.

A-2

1- أصول التخلّف السياسيّ اللبنانيّ

لا سبيل إلى فهم الفعل السياسيّ اللبنانيّ الراهن، في جميع ملابساته وانحرافاته ورذائله، إلاّ بالرجوع الفطن إلى مسرى نشوء الوطن اللبنانيّ، أو قلْ إلى تاريخ تكوين التركيبة اللبنانيّة الهجينة. ليس يخفى على أحد من أهل الاطّلاع أنّ لبنان عتيقٌ في اسمه، جليلٌ في رمزيّته، رفيعٌ في دعوته الحضاريّة، لكنّه ذليلٌ في واقعه، سقيمٌ في ممارسته، فاسدٌ في إدارته. وشتّان ما بين المثال والواقع. ذلك أنّ المسرى التكوينيّ طبعه بسمات اختلاليّة تكاد أن تكون بنيويّةً فيه. فالشعب اللبنانيّ شعوبٌ أو جماعاتٌ تقاطرت إليه لأسباب شتّى. والشعور الوطنيّ فيه أحاسيسُ مزاجيّة تتلوّن بتلوّن المبايعات الإيديولوجيّة. والنظام السياسيّ فيه أعرافٌ ظالمة وتقاليدُ بالية وأحكامٌ جائرة. ودستوره مطيّةٌ للأهواء التسلّطيّة والمنازع الانتفاعيّة.

ذلك كلّه ورثه اللبنانيّون من مقولة السلطان الأعظم والبلاط المتزلّف والأعوان الانتهازيّين والولاة الخانعين. ولا شكّ في أنّ أبشع تجلٍّ من تجلّياته كان ما يُدعى بالباب العالي في السلطنة العثمانيّة. وفي حين انعتقت أغلبُ الأوطان المتحضّرة في الغرب من الملوكيّات المستبدّة، ما فتئ الشرق العربيّ يرزح تحت وطأة هذا الإرث. وما الوطن اللبنانيّ سوى الحقل الأمثل لركوب هذا المركب المتخلّف. وممّا يفاقم الأوضاع ويفتّ في عضد الكيان اللبنانيّ أنّ الفعل السياسيّ اللبنانيّ قائمٌ في منزلة بين منزلتين. فلا هو شبيهٌ بالديموقراطيّات الغربيّة المتنوّرة في داخل أسوارها، ولا هو مماثلٌ للملوكيّات المستبدّة في العالم العربيّ أو نظيرٌ للأنظمة العربيّة العسكريّة أو المدنيّة المتأبّدة القاهرة الظالمة.

يحلو لي في هذا المقام أن أتحدّث عن النظام اللبنانيّ الديموكتاتوريّ، حيث الديكتاتوريّةُ يمارسها زعماءُ الطوائف والأحزاب والعشائر، والديموقراطيّة يرنو إليها من استقامت نيّتُه من موظّفي الجهاز الإداريّ والتربويّ والقضائيّ والأمنيّ النادرين في الدولة اللبنانيّة. لا بل قلْ إنّ الديموكتاتوريّة اللبنانيّة تعني في أبسط التعريفات أنّ الديموقراطيّة قائمةٌ في النصوص، في أغلب النصوص التشريعيّة، والديكتاتوريّة ناشبةٌ في النفوس، في أغلب النفوس اللبنانيّة. فاللبنانيّون في انفصام مرضيّ تتنازعهم الديكتاتوريّةُ الناشبةُ في أعماق نفوسهم، والديموقراطيّةُ المرتسمةُ في آفاق تطلّعاتهم. هم لا يفعلون شيئًا للخروج من هذا الانفصام، لا بل ينعمون به ويواظبون عليه لأنّه يريحهم من مشقّة المراجعة الذاتيّة الناقدة والإصلاح الذاتيّ المتطلّب ويُيسّر لهم أوضاع حياتهم اليوميّة. منهم من يعزو هذه الديموكتاتوريّة إلى توازن الرعب بين الطوائف حيث الديكتاتوريّة تمارسها الطوائفُ في داخل منعزلاتها والأحزابُ في داخل أسوارها، والديموقراطيّة تفرضها المساكنةُ القهريّةُ بين الشعوب اللبنانيّة. فإذا بها ديموقراطيّةُ العجز اللبنانيّ عن الإتيان بديكتاتوريّة مكتملة العدّة. ولو قُيِّض لطائفة أن تسحق الطوائفَ الأخرى لسادت في لبنان ديكتاتوريّةٌ أصيلةٌ لا غشّ فيها تليق بمقام الاستبداد العربيّ. وفي جميع الأحوال، يظلّ الواقعُ السياسيّ اللبنانيّ فريدَ عصره في تذبذبه وميعانه واختلاله وتخلّفه. لهذا كلّه أسبابٌ بنيويّةٌ ينبغي للّبنانيّين أن يلمّوا بها في مقاربة موضوعيّة محايدة منزَّهة حتّى يعلموا أيّ منقلب سينقلبون إليه في القريب العاجل من الأيّام إذا ما استمرّت التركيبةُ اللبنانيّة في مثل هذا الانهيار المدوّي.

 

2- الفعل السياسيّ اللبنانيّ مقترنٌ بطبيعة الاجتماع اللبنانيّ: القبيليّة والطائفيّة

من أشدّ المصائب استفحالاً في التركيبة اللبنانيّة انفطارُ الوعي اللبنانيّ الفرديّ على الانتمائيّة القبيليّة أو الطائفيّة أو الجهويّة. فاللبنانيّون لا ينتمون إلى لبنان، بل إلى شعوبهم وعشائرهم وقبائلهم وبطونهم وأفخاذهم ومذاهبهم ومناطقهم. هم يحيون على الأرض اللبنانيّة التي رسمت حدودَها اعتباراتٌ شتّى من الجغرافيا والتاريخ والسياسة، على غرار نشوء معظم أوطان المسكونة. غير أنّ الانتماء اللبنانيّ الأصليّ يظلّ ناشبًا في تربة الجماعة، لا في عمق الأرض أو في مدى الوطن أو في أفق الفكرة أو في مسالك العقيدة. لذلك يستحيل على الفعل السياسيّ اللبنانيّ أن يستقيم استقامةً بنّاءةً. فكلّ الوقائع اللبنانيّة والقضايا اللبنانيّة تقترن اقترانًا وثيقًا بصدارة الانتماء الجماعيّ الأصليّ.

على نحو ما أسلفتُ القولَ في تحليلي للتأزّم اللبنانيّ، فإنّ القبيلة والطائفة هما المستند التعريفيّ الوحيد الممكن للفرد اللبنانيّ. أغرب الغرائب في هذا السياق أنّ حدود التمايز بين القيبلة والطائفة أوشكت أن تنعدم لشدّة الالتحام الذاتيّ في الهويّة الجماعيّة. وأثبتت الحوادث السياسيّةُ في الشرق العربيّ في القرن المنصرم أنّ الانتماء الدينيّ يغلب على الانتماء الإتنيّ القبيليّ، ولئن ظهرت هنا وثمّة بضعُ حالات من المنعة القبيليّة في مجابهة العصبيّة الدينيّة المذهبيّة الطائفيّة. وإذا ما استثنى المرء بعضَ الجماعات الإتنيّة اللبنانيّة كالأكراد والأرمن، فإنّ معظم الجماعات اللبنانيّة تعاين في صميم انتمائها الدينيّ الطائفيّ المذهبيّ أصلَ الأصول في تعيين هويّتها الجماعيّة.

ولما كان الأمر على هذه الحال، فإنّ الفعل السياسيّ اللبنانيّ كفَّ عن أن يكون فعلاً سياسيًّا محضًا، فأضحى فعلاً قبيليًّا طائفيًّا. والفرق شاسع بين الفعل السياسيّ المحض والفعل القبيليّ الطائفيّ. فالسياسة لها مبادئها وخصائصها وأحكامها وآليّاتها، ممّا هو معروفٌ في الأوساط الأكاديميّة العلميّة وفي المحافل الدوليّة، فيما الفعل القبيليّ الطائفيّ يخضع لضرورات وجوديّة واعتبارات جماعيّة تُعطِّل مسرى المعيّة الإنسانيّة في المدينة الإنسانيّة الواحدة.

من آثار هذا التحوّل الخطير في طبيعة الفعل السياسيّ اللبنانيّ اختلالُ العمليّة الديموقراطيّة الأولى التي تختبرها المجتمعاتُ الحديثة والمعاصرة في الغرب، عنيتُ بها الانتخابات. فاللبنانيّون لا ينتخبون، بل يبايعون. وهم لا يختارون، بل ينقادون، ولا يقرّرون بل يخضعون لغريزتهم الجماعيّة. وليس من فعل انتخابيّ أقبح من الخضوع لسلطان الزعيم الذي يضمن لكلّ قبيلة لبنانيّة المنعةَ والسؤددَ، ولئن اكتنفت سيرتَه الذاتيّة ظلالُ المخادعة وتلطّخت أعمالُه بأردان الفساد ومساوئ الانحلال الخلقيّ. وبما أنّ الأحزاب السياسيّة هي مرآة النظام القبيليّ اللبنانيّ، فإنّ زعماء الأحزاب هم زعماء الطوائف. فلا يليق، والحال هذه، أن ينتخب أفرادُ القبيلة إلاّ من انتهت إليه عصا الزعامة في العشيرة. ومنذ انتفاضة المطران الأحمر غريغوار حدّاد في بيروت وغيره من المناضلين في سبيل نظام مدنيّ لبنانيّ يميّز الدينيّات من المدنيّات تمييزًا حصيفًا قاطعًا، عبثًا يجتهد المجتمعُ المدنيّ في حضّ اللبنانيّين على التحرّر من غريزتهم القبيليّة.

ولكم يُضحكني ما ينادي به بعضُ أهل السياسة في لبنان، وهم من أصلب الزعماء القبيليّين طائفيّةً ومذهبيّةً، من ضرورة إلغاء الطائفيّة السياسيّة واعتماد الانتخابات الوطنيّة بالاقتراع المباشر في دائرة لبنانيّة واحدة. فكيف يستقيم هذا التحوّلُ من الطائفيّة السياسيّة إلى المواطنة المدنيّة من غير استثارة التحوّل الأكثر تطلّبًا ومشقّةً، عنيتُ به الارتقاء بالفرد اللبنانيّ من مقام الرعيّة إلى مقام الإنسان الحرّ القائم بذاته؟ فالطائفيّة السياسيّة هي الحلّ المتخلّف الوحيد لإنقاذ القبائل اللبنانيّة المستضعفة من الانقراض. وكثيرٌ من البلدان المتحضّرة تعتمدها في أنظمتها، ولكن من بعد أن تقرنها بنظام ديموقراطيّ أصيل في داخل الجماعات المكوِّنة للمتّحد الكونفيديراليّ وتحصّنها بنظام قضائيّ نزيه شفّاف. ولستُ أرى من انعتاق سليم من الطائفيّة السياسيّة إلاّ بتحرير اللبنانيّين من قبائلهم وعشائرهم وطوائفهم. ولا شكّ في أنّ مثل هذا التحرير يستوجب ترميم كرامة الفرد في ذاته، لا في انتسابه إلى الجماعة. فالفرد فردٌ قائمٌ في كينونته الكريمة الحرّة، قبل أن ينضوي في جماعةٍ ينتعش فيها كيانُه وتنبسط إليها إرادتُه وتنشط لها طاقاتُه. وفي هذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العَلمانيّة الحقّة المعتدلة الهنيّة التي يحتاج إليها المجتمعُ اللبنانيّ للخروج من أزمات تحلّله وتفكّكه المتعاقبة.

هذا في مأساة الانتخابات اللبنانيّة المبنيّة على أساس القبيليّة والطائفيّة. غير أنّ ثمّة اعتلالاً آخر يضرب الجسم اللبنانيّ بأسره، عنيتُ به عجز اللبنانيّين عن الإجماع على ضمّة من الرموز الأصليّة الموحِّدة لوعيهم السياسيّ. فاللبنانيّون باتوا يمجّدون رموز قبائلهم وعشائرهم وطوائفهم، ولا يكترثون إلاّ في الظاهر لرموز الوطن اللبنانيّ الجامعة. فإذا أعلت طائفةٌ من الطوائف رمزًا من الرموز اللبنانيّة العابرة للقبائل وأحاطته بهالة الإكرام، سارعت طائفةٌ أخرى إلى الانتقاص منه وتسخيفه. وهكذا دواليك في التصارع المرَضيّ بين القبائل اللبنانيّة. وفي سخفٍ لا مثيل له، يتصارع اللبنانيّون على أيّة منطقة تجسّد الكيانَ اللبنانيّ أفضلَ تجسيد وعلى أيّة خصوصيّة طبيعيّة تُظهر الفرادةَ اللبنانيّة في أبهى صورها. أفيكون الجبلُ اللبنانيُّ الشامخ هو صميم لبنان، أم الجنوبُ اللبنانيّ المقاوم، أم البقاعُ اللبنانيّ الخصب، أم الشمالُ اللبنانيّ الأبيّ؟ وهذه كلُّها، لعمري، صفاتٌ يحلو للّبنانيّين المأخوذين بشاعريّة الرحابنة أن يخلعوها على مناطقهم، وفي يقينهم أنّهم يؤسّسون لرمزيّة لبنانيّة جامعة. والحال أنّهم يمعنون تمزيقًا في الرمزيّة اللبنانيّة الوطنيّة السليمة المبنيّة على مبادئ الكرامة الإنسانيّة والحرّيّة الفرديّة والرقيّ الحضاريّ في الانتماء المنفتح.

يقيني الوطيد أنّ الحلّ لا يأتي إلاّ بالعَلمانيّة المعتدلة الهنيّة. هي تلك التي ما برحتُ أنادي بها نأخذها عن الغرب من غير عقدة استصغار، فنهضمها ونولجها بيئتَنا اللبنانيّة. فإذا بنا نميّز بها الدينيّات من المدنيّات ونضع الاختبارَ الإيمانيّ في موضع الانتساب الفرديّ الحرّ الذي يُلهم الإنسانَ المواطنَ في أخلاقه وروحيّته، لا في إدارته المدنيّة التنظيميّة التقنيّة البحتة للمعيّة الإنسانيّة. فالحقل المدنيّ له أصولٌ في التدبير والتنظيم والرعاية لا تخضع على الإطلاق للتصوّرات الماورائيّة واللاهوتيّة والتشريعيّة التي تقول بها بعضُ الأديان. فإذا بلغ الاجتماعُ اللبنانيّ إلى مثل هذا التمييز الحصيف، أنقذ الفردَ من قبيليّته وطائفيّته، وأنقذ الفعلَ السياسيَّ اللبنانيَّ من تأزّمه البنيويّ.

 

3- الفعل السياسيّ اللبنانيّ مقترنٌ بطبيعة الذهنيّة اللبنانيّة: الاتّباعيّة

من الثابت في التاريخ اللبنانيّ أنّ الجماعات التي استوطنت الأرض اللبنانيّة انسلخت من بيئات أصليّة واظبت معها على صلاتٍ من القربى هي أشبهُ بروابطَ تتراوح مقاديرُها بين المؤاخاة والاسترشاد والائتمار والخضوع. وممّا زاد في الطين بلّة أنّ الأرض اللبنانيّة ما اختبرت قطّ جبروتًا ذاتيًّا منيعًا، بل كانت موطئًا للغزاة والمقتدرين. فكان مرجعُ الجماعات اللبنانيّة تجسّده تلك الممالكُ الخارجيّة التي تربطها بها صلاتُ القربى العرقيّة أو الطائفيّة أو المذهبيّة أو الفكريّة أو حتّى الانتفاعيّة. وفي الأزمنة الحديثة تمأسس الارتباطُ العضويّ اللبنانيّ بالسلطان الخارجيّ. فبلغ ذروته تحت نير العثمانيّين ونظام الحمايات الأجنبيّة، العربيّة منها والغربيّة. واستمرّ الوضع على هذه الحال حتّى منتصف القرن العشرين. فإذا بالاستقلال اللبنانيّ يعني توازنًا هشًّا بين مقادير الاستجابة والخضوع لمراجع النفوذ الأجنبيّ. جاء الاستقلالُ اللبنانيّ يُقرّ بالاتّباعيّة اللبنانيّة على وجه المفارقة. ذلك أنّ مثل هذا الاستقلال لم يقم على تزكية حضاريّة لمضمون لبنانيّ أصيل، بل نشأ من رغبة ملتبسة في الانعتاق من ضربين من الميول الاستلحاقيّة. فالإعراض عن الآخر لا ينشئ كيانًا مستقلاًّ في الذات. وهذه حقيقةٌ فلسفيّةٌ بديهيّة.

ومن شدّة الإطباق النفسيّ على الوعي اللبنانيّ الفرديّ والجماعيّ، أضحت الاتّباعيّةُ هي المسلك المألوف في تصرّفات اللبنانيّين وأقوالهم وأفعالهم. فاللبنانيّون اتّباعيّون منذ تفتّح كيانهم، ومنذ تفتّح وعيهم بمثل هذا الكيان. لا غرابة، من ثمّ، أن يصيب مثلُ هذا الاعتلال أخطرَ الأصول التي يقوم عليها الكيانُ اللبنانيّ. فإذا باللبنانيّين يختلفون على تعيين هويّة العدوّ والصديق، والمقاومة اللبنانيّة والممانعة الطائفيّة، والمحالفة الإقليميّة والدوليّة السليمة والتواطؤ الاستراتيجيّ الزائف، وما إلى ذلك من المواقف التي ينبغي أن يقفها اللبنانيّون من مجرى الحوادث الوطنيّة والإقليميّة والدوليّة.

من جرّاء هذه الاتّباعيّة سقطت الفسيفساءُ اللبنانيّة في محنة التجمّد والشلل العضويّ. فاللبنانيّون، شعوبًا وقبائل، ينظرون إلى الخارج نظرتهم إلى مرتكز كيانهم ومستند هويّتهم وموئل حمايتهم. فيستجرّون القوى الخارجيّة إلى التدخّل السافر في الشؤون اللبنانيّة. وليس أدلّ على هذا الاستجرار من المقام الرفيع الذي يحظى به السفراءُ في السياسيّات اللبنانيّة. فالسفراء هم الأوصياء على الشعوب والقبائل اللبنانيّة. ولا يرضى اللبنانيّون إلاّ بتكريمهم تكريمًا يفوق تكريمَهم لأنفسهم ولأبطالهم وللنابغين والمتفوّقين فيهم. وإذا ما أراد المرء أن يوجز الحياة السياسيّة اللبنانيّة، فإنّه يستطيع أن يربطها بالحركيّة الديبلوماسيّة الأجنبيّة الناشطة في جميع حقول الحياة اللبنانيّة الاقتصاديّة والإنمائيّة والثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والرياضيّة.

من أغرب غرائب الحياة السياسيّة اللبنانيّة أنّ الاجتماع اللبنانيّ لا يستقيم إلاّ بنفاذ الفعل السياسيّ إليه. فالاتّباعيّة هذه يحملها اللبنانيّون على وجوه شتّى. فهم خاضعون لسلطان الأغراب والأجانب في السياسة على وجه العموم. (www.luljettas.com) لكنّهم أيضًا خاضعون للسياسيّات في جميع مضامير نشاطهم الاجتماعيّ. ولكم يحزنني شعورُ الاغتباط الذي يهزّ رهطًا من أهل الثقافة في لبنان حين يُخضعون فعلَهم الثقافيّ لحضور أهل السياسة في محافلهم. فالنشاط الأكاديميّ الجامعيّ الناجح في لبنان هو الذي يزيّن محضرَه أو يعتلي منبرَه أو يبارك نشاطَه هذا السفيرُ أو ذاك، وهذا الزعيمُ السياسيّ أو ذاك، وهذا النائبُ أو ذاك. حتّى لقد انقلب الفكرُ مطيّةً للفعل السياسيّ المبتلى بالاتّباعيّة الصمّاء. ويُذهلني كيف يوفِّق اللبنانيّون في منتدياتهم الثقافيّة بين حرّيّة الفكر وسلطان السياسة.

لا عجب، والأمر على هذه الحال، أن يُبتلى الجسمُ اللبنانيّ بجميع أعراض السقم والانحلال. ذلك أنّ القوى الخارجيّة، مهما سمت مقاصدُها، لا تملك أن تحبّ لبنان في ذاته ومن أجله وفي سبيله. هي قوًى تريد، في أسمى خططها، أن تعزّز هذه الطائفة أو تلك، لا بل من ينحاز إليها ويخضع لها في هذه الطائفة أو تلك. لا بدّ لي، في هذا المقام، من أن أحيّي ذكاء السياسيّين الخارق حين يسوّغون أرفعَ التسويغ خضوعَهم المذلّ لهذه القوّة الخارجيّة أو تلك. فإذا باعتبارات المناصرة الإنسانيّة والدعم الخلقيّ والمساندة المعنويّة والمؤازرة الماليّة تعلو فوق جميع الانتقادات، حتّى لتنقلب الدولةُ الصديقةُ رمزًا للعزّة القوميّة والطهارة الإنسانيّة والنبل الأخلاقيّ. في حين أنّ الجميع يعلم أنّ الدول العربيّة والإقليميّة والغربيّة لا يعنيها سوى مصالحها في المرتبة الأولى. أمّا لبنان، فهو مطيّةٌ لمطامحها التوسّعيّة.

لا يعجبنّ أحدٌ إذا ما صرّح غيرُ سياسيّ لبنانيّ فأعلن أنّ الحلّ في لبنان يأتي لبنانَ من الخارج. فالاتّباعيّة بلغت مبلغًا في لبنان بات فيه الوعيُ السياسيّ اللبنانيّ مقتنعًا بصواب الحلّ الخارجيّ. فالترويض بلغ حدّ الاقتناع الباطنيّ، الفرديّ والجماعيّ، على نحو ما كانت عليه الحالُ إبّان تعاقب الاحتلالات الغربيّة والإسرائيليّة والعربيّة للأرض اللبنانيّة. فاللبنانيّون لهم طاقةٌ على التأقلم حتّى مع العهر السياسيّ واغتصاب الكرامة الوطنيّة بحيث يُضحي الغريبُ ضمانًا لمعيّتي مع القريب. فيتحوّل الوعيُ السياسيُّ اللبنانيُّ وعيًا يضع في بديهيّات مسلّماته شرعيّةَ تدخّل الآخرين في الشؤون اللبنانيّة. وفي هذا أدهى المصائب اللبنانيّة على الإطلاق. لذلك لا يتكبّد الغرباء، من عرب وأجانب، أيّة مشقّة في إقناعنا بشرعيّة تدخّلهم في شؤوننا. فنحن إليهم منساقون كالنعاج المغلوب عليها.

وثمّة أمرٌ خطيرٌ ينبغي إلقاء البال إليه في هذا السياق، عنيتُ به هيمنةَ السياسة على الواقع اللبنانيّ بأسره. فكلّ ما يتحرّك في الاجتماع اللبنانيّ مطبوعٌ بطابع سياسيّ يغلب غلبةً ساحقةً سائرَ الأبعاد المصاحبة للوقائع اللبنانيّة. فالدين في لبنان مسيَّسٌ. والفكر مسيَّسٌ. والاقتصاد مسيَّسٌ. والفنّ مسيَّسٌ. والرياضة مسيَّسةٌ. والاجتماعيّات مسيَّسةٌ. والنقابات والمهن والتجمّعات والأرض والسماء والهواء. فاللبنانيّون يستفيقون على السياسة ويخلدون إلى مضاجعهم على وقع السياسة، ويحيون ويموتون ويُغرمون ويحتفلون ويتحرّكون في جميع الاتّجاهات وبوصلتهم الوحيدة السياسةُ. ولكأنّ السياسة هي الموضع الأسنى لتجلّي الحياة فيهم وتحقّقها في صميم الوجود التاريخيّ. ولكم هو عظيمٌ ضلالُ اللبنانيّين في هذه المتاهة. فالسياسة اللبنانيّة اتّباعيّةٌ في أصلها، فاسدةٌ في مسلكها. ولذلك أوشك الواقعُ اللبنانيّ بكلّيّته أن يمسي اتّباعيًّا فاسدًا، إذ إنّ كلّ ما تدخله السياسةُ في لبنان يُضحي اتّباعيًّا. ولا انعتاق لنا من هذا المأزق الكيانيّ إلاّ بتحرير الواقع اللبنانيّ من الهيمنة السياسيّة الطاغية. والتحرير يأتينا من إعادة تأهيل الوعي الإنسانيّ فينا حتّى نستعيد للفعل الإنسانيّ سموَّه وكرامتَه وحرّيّتَه ومجّانيّتَه. فالسياسة لا تختزل الواقع الإنسانيّ، ولئن كانت الحياةُ الإنسانيّة متأصّلةً في السعي إلى صون الذات وحمايتها من الآخرين. غير أنّ صون الذات يمكن أن يتأتّى للناس في التسالم والتشارك والتضامن، لا في التصارع والتنابذ والتقاتل.

 

4- الفعل السياسيّ اللبنانيّ مقترنٌ بطبيعة التفكير اللبنانيّ: السلفيّة

من آفات الفعل السياسيّ اللبنانيّ أيضًا خضوعُه للبنية الفكريّة السلفيّة. فاللبنانيّون، بالرغم ممّا يدّعونه من انفتاح وسلاسة وليونة، يعتصمون بقدر كبير من الاقتناعات الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة والمسلكيّة المتوارثة. فلا يتكبّدون عناء النظر فيها والتحرّي عن صحّتها والتدقيق في ملاءمتها للواقع الإنسانيّ المستجدّ. هم سلفيّون في نظرتهم إلى الحياة وإلى الكون وإلى الوجود وإلى التاريخ وإلى الأصول وإلى القيَم. وممّا لا ريب فيه أنّ الموضع الأبرز الذي تظهر فيه سلفيّتُهم إنّما هو الاجتماعيّات والدينيّات والسياسيّات. ربّما يكفّون عن أن يتصرّفوا كالسلفيّين في الاقتصاديّات والتقنيّات. إلاّ أنّ إعراضهم عن السلفيّة في حقل المنفعيّات هو أشدّ ضررًا لهم ولغيرهم من اعتصامهم ببعض من القيَم المشرقيّة في حقل المعاملات هذا. وفي جميع الأحوال تهيمن سلفيّتُهم على الفعل السياسيّ الذي يضطلعون به كلّما أفرجت لهم الأحوالُ عن ضرورات وجوديّة في التغيير أو في التعديل أو في الإصلاح.

تظهر السلفيّةُ في السياسيّات اللبنانيّة حين يتصرّف اللبنانيّون تصرُّفَ الجاهلين في تدبّر نظام معيّتهم الإنسانيّة. وهم يعتقدون أنّ ما نشأ عليه الكيان اللبنانيّ من نظام سياسيّ لا يجوز تغييره. وإذا ما حصل تغييرٌ طارئ، فالسبب هو النار الأهليّة التي توشك أن تهلكهم. ومن أشدّ المصائب إذلالاً ومهانةً أنّ التغيير في داخل لبنان ترسمه القوى الإقليميّة والدوليّة في خارج لبنان. أمّا يقين اللبنانيّين في هذه المسألة فهو أنّ ابتكار صيغة جديدة للبنان غير الطائفيّة السياسيّة المبتذلة يحتاج إلى حرب داخليّة وإقليميّة ودوليّة. سلفيّتهم في السياسة تُملي عليهم التلبّثَ في تخلّف نظامهم حتّى نشوب النار فيهم لأنّ الإصلاح السياسيّ لا يستقيم إلاّ تحت المذلّة والهوان.

وإذا ما نظر المرء في العقليّة السياسيّة اللبنانيّة وجد فيها من السلفيّة ما يفوق التصوّر. ذلك أنّ القبائل والطوائف اللبنانيّة تتأمّل في دساتير الدول المتقدّمة وأنظمتها الديموقراطيّة وتواظب على امتداحها طالما عاينتها من على بعد. أمّا إذا اقتضى الأمرُ أن تستدخل هذه القبائلُ والطوائفُ شيئًا من هذه الديموقراطيّة في مسرى وجودها التاريخيّ، فسرعان ما تتشنّج وتنتفض وتتقوقع على نفسها وتعادي الكون كلَّه. وفي ذلك كلّه عمًى وجهلٌ لأنّ التاريخ يتحرّك نحو الأمام فيما اللبنانيّون يتقهقرون ويوغلون في تخلّفهم.

وممّا يحزن القلب ويدمي العقل أنّ اللبنانيّين لا يقرأون جدليّات التاريخ. فحين انتابتهم محنةُ التحارب في سبعينات القرن المنصرم لم يدركوا أنّ الوضعيّة السياسيّة الكونيّة مقبلةٌ على تحوّلات خطيرة سترفع عنهم أذى التصارع العربيّ والإقليميّ عليهم. فانغمسوا في خطيئة الاقتتال حتّى اختنقوا من روائح دمائهم، وفي ظنّهم أنّهم يناصرون قضايا البشريّة الجليلة. فإذا بالأنظمة المستبدّة القريبة والبعيدة تنهار، فتنهار معها صلاحيّةُ هذه القضايا الزائفة. فيسقط اليسارُ الكونيّ واليمينُ الكونيّ، وتسقط الرواياتُ الإيديولوجيّة الشموليّة التي كانوا يستظلّونها ويتقاتلون تحت راياتها، وتسقط المجابهاتُ الدمويّة بين الكتل العظمى المتصارعة، وتسقط الصراعاتُ الإقليميّة على مختلف ألوانها. غير أنّ السلفيّة السياسيّة في لبنان لم تعاين هذا السقوط المدويّ، بل أوغلت في الاقتتال حتّى انهار الهيكلُ اللبنانيّ على الجميع. ولو صبر اللبنانيّون بعضُهم على بعض وترقّبوا في عين المتبصّر العارف نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، لاستطاعوا أن يجنّبوا وطنَهم هذه المعاناة الرهيبة وهذا التخلّف المعيب.

أمّا اليوم، فإنّهم في تخلّفهم السياسيّ ما فتئوا على سلفيّةٍ تُعمي أبصارَهم وتُفسد فيهم كلَّ إدراك عقلانيّ سليم لمقتضيات النهوض والإصلاح في الزمن الراهن. ظنّي فيهم أنّهم يكرّرون اليوم خطيئة الحرب الأهليّة الأخيرة، إذ إنّهم ما انفكّوا يعتقدون أنّ غلبة فريق إقليميّ على فريق إقليميّ آخر سيمنح قبيلةً من القبائل اللبنانيّة دون غيرها سعف الانتصار وصولجان الهيمنة. والحال أنّ الجدليّات الكونيّة تكرّر نفسها، والتخلّف اللبنانيّ يكرّر نفسه في المقام عينه. وعوضًا من أن ينتهز اللبنانيّون انكفاء العرب عنهم حتّى يعودوا إلى رشدهم ويبتكروا صيغةً جديدةً من التشارك الحضاريّ السلميّ في تدبّر المعيّة الإنسانيّة الهشّة الأوصال الدقيقة المفاصل على الأرض اللبنانيّة، فإنّهم يخونون أنفسهم وشركاءهم وينقادون إلى إملاءات الخارج المهينة. فبئس مجتمع يرتع في مثل هذه السلفيّة الظلماء.

 

5- الفعل السياسيّ اللبنانيّ مقترنٌ بطبيعة الأخلاقيّة اللبنانيّة: الانتفاعيّة الانتهازيّة

أمّا مصيبة المصائب في السياسيّات اللبنانيّة فهي تلوّثُ الوعي اللبنانيّ بجرثومةٍ هي من أشدّ الجراثيم فتكًا بالشعوب والأمم والمجتمعات، عنيتُ بها الانتفاعيّة الانتهازيّة التي باتت تقيّد كلّ تصرّف من تصرّفات اللبنانيّين، ما خلا قلّةً هي أشبه بالإيقونات الحيّة المنكفئة في مناسك الزهد في جوف الأودية وأعالي الهضاب. فاللبنانيّون، في معظمهم، أضحوا يعتقدون أنّ الدهر فرصةٌ واحدةٌ في حياتهم. فإنْ هم انقضّوا عليها واستثمروها وانتفعوا بها أيّما انتفاع، رأفت بهم الأحوالُ واشتدّت منعتُهم في مسالك الحياة. فالآتي من الرتبة الأدنى إلى الرتبة الأعلى في معارج الحلبة السياسيّة ينقضّ انقضاضًا على الحقل الذي يوكَل إليه، فيعيث فيه فسادًا ويمتصّ منه طاقته وماله، ويهيمن على موارده، وينتفع به له ولأفراد عشيرته الأقربين. ولقد بلغ الفسادُ مبلغًا خطيرًا في أنفس معظم المسؤولين اللبنانيّين حتّى إنّهم باتوا لا يتورّعون عن الإفصاح عن رغبتهم في الحصول على حصّة عشريّة أو عشرينيّة من موازنة كلّ مشروع إنمائيّ تنهض به الدولةُ اللبنانيّةُ المتهالكة. ويفتخرون في العلن بأنّهم أخضعوا أصحاب المشروع لمشيئتهم. فإمّا الحصّة للوزير أو المدير العامّ أو المسؤول الأدنى، وإمّا إلغاء المشروع الإنمائيّ بأكمله. وعليه، أضحت المؤسّسات الاقتصاديّة المحلّيّة والمؤسّسات الدوليّة المانحة تتأقلم مع هذا الفساد البنيويّ، فتقتطع على الفور من موازنتها حصّةَ التوقيع اللبنانيّ الرسميّ على المشروع. وهذا بعينه ما يقصده اللبنانيّون حين يتحدّثون عن منافع الوزارات السياديّة والمناصب السياديّة والإدارات السياديّة في أجهزة الدولة اللبنانيّة.

لا عجب، من ثمّ، إذا هوت الإداراتُ المدنيّةُ كلُّها في لبنان في قعر الفساد والاهتراء، ولا سيّما حين يعلم المنتفعون الانتهازيّون أنّ المجتمع اللبنانيّ ليس سوى فسيفساء باهتة من القبائل والطوائف المتناحرة لا تملك أن تراقب وتحاسب وتقوِّم وتُصلح وتحصِّن. وليس أدهى من الاحتماء بأبناء القبيلة أو الطائفة حين ينبري بعضٌ من مثاليّي المجتمع المدنيّ الجريئين يندّدون بمساوئ هذا الوزير أو ذاك، أو هذا النائب أو ذاك، أو هذا القاضي أو ذاك، أو هذا المدير أو ذاك، أو هذا الطبيب أو ذاك، أو هذا الاقتصاديّ أو ذاك، أو حتّى هذا المختار أو الجابي أو ذاك. فيكون المسُّ بالفاسد الانتفاعيّ الانتهازيّ مسًّا بالطائفة وبرموزها وبهيبتها وبزعيمها. أمّا مسرحيّة المسرحيّات في حلبة الانتفاعيّة الانتهازيّة اللبنانيّة فيشاهدها اللبنانيّون حين تصحو بغتةً ضمائرُ أهل الفساد في كلّ طائفة على حدة، فيُقبلون إلى الإعلام يتقاذفون الاتّهامات ويتراشقون بالفضائح. وحين يُنعم المرءُ النظرَ في كواليس هذه المسرحيّة، يدرك أنّ صفقةً من الصفقات لم يتمكّن أهلُ الفساد في جميع الطوائف من الاتّفاق الخبيث على الاستثمار المنصف فيها. فإذا بهم يتناحرون ويكشفون بضعًا من عوراتهم. إلاّ أنّ ثمّة اتّفاقًا سرّيًّا يضبط هذه المكاشفات الاتّهاميّة ويرسم للجميع حدودًا لا يجوز لأحد أن يتجاوزها. ولكأنّ هناك حلفًا موضوعيًّا عقدته طبقةُ الفاسدين الكبار يضعهم في نجوةٍ من المساءلة. فلا يحقّ لأحد أن يمسّ بهم لأنّهم فوق الشبهات يضمنون وحدهم للمجتمع اللبنانيّ شيئًا من الاستقرار والسلام. فإنْ هم نالهم سوء الاتّهام بالفساد، هيّجوا قبائلهم وحرّضوها على الاقتتال صونًا للكرامة الشخصيّة المنتهكة.

عصارة القول المرير في هذا كلّه أنّ الفعل السياسيّ اللبنانيّ عاد لا يرهب التلاعب بالأرض وبالإرث الإنسانيّ والثقافيّ والبيئيّ في لبنان وبالقيَم والمبادئ والأصول لأنّ الاجتماع اللبنانيّ ابتُلي بمحنة الانتفاعيّة الانتهازيّة. وتفاقمت هذه الآفة في كلّ فرد من أفراد المجتمع اللبنانيّ حتّى أصبح الكذب هو مقياس النجاح، والنفاق هو معيار الفلاح، والتزوير هو ميزان الاستقامة، والكسب الماليّ هو عنوان النفوذ، والرشوة هي سبيل تطويع القضاء، وقوّة الحشد القبيليّ هي دليل العدالة الاجتماعيّة. وربّ سائل يسأل عن عشق اللبنانيّين للمال، وخصوصًا الدولار الأميركيّ. فإذا به أمام مشهد أسود من تواطؤ البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة الظالمة في الاجتماع اللبنانيّ لا يملك الفردُ وحدَه أن ينعتق منها. فلا يبقى أمام الإنسان في لبنان سوى الاعتصام بشيء من المنعة الذاتيّة. وليس من قوّة أفعل من سلطان المال لردء الأخطار المتعاظمة على الفرد في لبنان. فلا القضاء يحمي الإنسان في لبنان، ولا القوى الأمنيّة تحميه، ولا الطوائف تحميه ما لم تذلّه وتُفرغه من ذاتيّته، ولا المنتديات الثقافيّة ولا الهيئات المدنيّة، ولا أيّة بنية سياسيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة أخرى. سبيل الاختيار الوحيد للفرد اللبنانيّ هو بين الذلّ السياسيّ والمنعة الماليّة. غير أنّ المنعة الماليّة لا تتأتّى للجميع على طبق من الفضّة. لذلك ارتضى أغلبُ اللبنانيّين أن ينتفعوا انتفاعًا انتهازيًّا من موارد الدولة وموارد الآخرين وموارد الطبيعة ومن كلّ صخرة أو حجر أو حصى ينتج ندًى في المدى اللبنانيّ.

قد يكون في غلبة النهج الخدمتيّ المصرفيّ الاستهلاكيّ على الاقتصاد اللبنانيّ تعبير عن انحياز اللبنانيّين إلى الكسب السريع. فالخدمة المصرفيّة أو الماليّة أو العقاريّة أو التسويقيّة أو التوسّطيّة تحمل في مطاويها وفرةً مذهلةً من قابليّات الفساد والإفساد لا تنطوي عليها زراعةُ الأرض أو صناعةُ المادّة. وليس من المصادفات أن يتّصف اللبنانيُّ بالمتاجر الداهية، لا بالمزارع الصبور أو بالصناعيّ المقتدر. ولقد بلغت الانتفاعيّةُ الانتهازيّةُ باللبنانيّين إلى المتاجرة بأغلى ما عندهم، أي بأرضهم وبيئتهم وبصحّتهم وغذائهم وبعرضهم وكرامتهم. وكلّما تصاعد صراخُ اللبنانيّين وانتفاضتهم لكرامتهم، تيقّن المرءُ أنّ المتاجرة بأعراضهم وبمقدّساتهم قد تجاوزت كلَّ الحدود. فأتى الصراخُ ليظلّل موحلةَ المفاسد المرتكبة.

A-1

6- أزمة الإصلاح السياسيّ في لبنان: من الثورة المستحيلة إلى الثورة المستحيلة

قد يكون الفعلُ السياسيُّ اللبنانيُّ صورةً عن الفعل السياسيّ العربيّ الخاضع للثالوث المحكم الإغلاق الذي قال به أحدُ مفكّري الإصلاح العربيّ في القرن العشرين، عنيتُ به ثالوثَ القبيلة والعقيدة والغنيمة (الجابري). ولكنّ لمثل هذا الثالوث وقعًا مريرًا في الاجتماع اللبنانيّ لأنّه اجتماعٌ فسيفسائيٌّ قابلٌ للانحلال المطّرد. وأدهى المصائب اللبنانيّة أنّ الكيان اللبنانيّ يحتضر من غير أن يموت. فالموت، في بعض الحالات، إعتاقٌ للناس من أسقام دهريّة لا طاقة لهم على معالجتها. وربّ سائل يسأل من الذي يمنع الكيان اللبنانيّ من الانتقال المنطقيّ من حالة الاحتضار إلى حالة الموت. الجواب الوحيد المقنع هو القول بإرادة أجنبيّة تريد له البقاء محتضرًا منحلاًّ متخلّفًا حتّى أوان الساعة. وقد يكون في وضعيّة اللاحياة واللاموت خدمةٌ جليلةٌ لأغراض استراتيجيّة خطيرة. فالساحة اللبنانيّة هي المجسَّم المصغَّر للاقتتال التجريبيّ بين الأنظمة العربيّة الفاسدة تهيّجها وتجيّشها وتساندها في انتهازيّة مشؤومة القوى الغربيّة المهيمنة. هذا كلّه يعلمه أهلُ السياسة في لبنان. ولشدّة انسياقهم في انحرافات الاستراتيجيّات الأجنبيّة الانتهازيّة تراهم يغالون في الدفاع عن الاستقلال اللبنانيّ، وهم غارقون حتّى رأسهم في الاتّباعيّة. وكلّما أشادوا بالاستقلال اللبنانيّ تَكشّفت مطاويهم عن قدر أعظم من الخضوع للآخرين. ولو لم تكن الحال على هذا الاضطراب النفسيّ العميق في الوعي السياسيّ، لاستطاع اللبنانيّون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم لكي تَصدق عندئذ أقوالُ زعمائهم في الاستقلال المزعوم.

يعلم الجميع أنّ هذا الانحطاط السياسيّ في لبنان لا علاج له في مستوى البنى السطحيّة الظاهرة. فالتقويم الأشمل يُعوزه ثورةٌ ودمٌ وتضحيّةٌ وافتداءٌ. غير أنّ عيب المجتمعات المتخلّفة أنّ أبناءها يبذلون دماءهم في غير موضعها. ولا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ اللبنانيّين بخلوا بدمائهم. إلاّ أنّ الدماء اللبنانيّة التي سالت على الأرض اللبنانيّة لم يُقيَّض لها أن تروي الوعي اللبنانيّ نضجًا واستقامةً ورقيًّا. والسبب جليٌّ للعيان. فالدماء يبذلها الناسُ في لبنان لا لثورةٍ اجتماعيّة تروم المساواة والعدل والمؤاخاة والرقيّ الحضاريّ، بل يبذلونها فداءً عن زعمائهم وطوائفهم وكرامات السلاطين الأجنبيّة التي ترعاهم. ولو بذل اللبنانيّون قسطًا يسيرًا من دمائهم في سبيل قضايا الإصلاح الحقيقيّة لتغيّرت أمورٌ كثيرةٌ في إدارة هذه الفسيفساء المتداعية. والفرق بين المجتمعات الراقيّة والمجتمعات المتخلّفة هو مواضع الدماء الإنسانيّة ومقاصدها القصوى.

بيد أنّ الثورة في لبنان شبه مستحيلة. وتداعي الاستحالات مربكٌ حتّى الإحباط. فوقائع الانحطاط تقول بضرورة الثورة. بيد أنّ اللبنانيّين لا يثورون على طوائفهم وزعماء طوائفهم، بل على الطوائف الأخرى والزعماء الآخرين. وإذا ثار قومٌ من طائفة على قوم من طائفة أخرى فلن يأتوا بثورة لبنانيّة، بل بحرب أهليّة تحرق الأخضر واليابس. وليس من سبيل إلى تغيير النظام السياسيّ المتخلّف والطبقة السياسيّة الفاسدة في لبنان إلاّ بتغيير الذهنيّة اللبنانيّة في عمق أعماقها. ولا تغيير في هذه الذهنيّة إلاّ بارتداد ثقافيّ شامل. وليس من مُكنةٍ لارتداد ثقافيّ شامل من غير ثورة حقيقيّة. ولكنّ اللبنانيّين لا يثورون. ولذلك انطوت هذه الحلقة المصيريّة على عيب الدوران على الذات: من الثورة المستحيلة إلى الثورة المستحيلة.

ربّ معترض يعترض على هذا التشاؤم المفرط، فينبري للدفاع عن قدر الأوطان المستضعفة كالوطن اللبنانيّ الذي يعمي بصيرتَه التخلّفُ العربيُّ وتهدّده في أخبث الصور العدوانيّةُ الصهيونيّةُ وتزعزعه السياساتُ الاستدماريّة للغرب المستعمر. هذا كلّه صحيحٌ. إلاّ أنّ اللبنانيّين لم يفرض عليهم أحدٌ في الكون أن ينحطّوا في وعيهم السياسيّ مثلَ هذا الانحطاط. وليسوا هم وحدهم على هذا الانعطاب. كثيرةٌ هي البلدان الصغيرة التي تنتفض لكرامتها وتذود عن شرفها وتموت في سبيل منعتها الداخليّة. ومن ثمّ، لا يجوز للّبنانيّين أن يستدعوامثل هذه العوامل لتسويغ الانحطاط السياسيّ المطّرد في وجودهم التاريخيّ. وحده الخلل البنيويّ الضارب في جسمهم يكبّلهم بمثل هذه القيود المهينة. فليكفّوا إذًا عن النحيب ومحاكمة الدهر ومعاتبة الآخرين وتحميلهم المسؤوليّة. فالمسؤوليّة، كلُّ المسؤوليّة، هي على عاتقهم. فإمّا أن يتخلّوا عن سلفيّتهم القاتلة ويشرعوا منذ الآن في اختراع صيغة توافقيّة جديدة تؤهّلهم لتنقية وعيهم من شوائب القبيليّة والطائفيّة وتضعهم في مسرى التفكّر الرصين في تدبّر معيّتهم المتنوّعة. وإمّا أن يقبلوا بوصاية أمميّة تُنتدب عليهم لتحكم هذا التجمّع من الطوائف والقبائل حتّى لا تتقاتل إلى ما لا نهاية. فالقاصرون لا يحقّ لهم أن يستقلّوا في إدارة الدار حتّى لا تخرب وتنهار. ثمّة في لبنان من يستحقّ الحياة الكريمة حتّى في أدنى حدودها. فليُنزع هذا البلد من يد القاصرين حتّى ينضجوا فيصبحوا أهلاً للاضطلاع بالمسؤوليّة الرفيعة التي يستتليها ما يُدعى بالاستقلال اللبنانيّ. فهذا البلد زائفٌ طالما استمرّ فيه التناقضُ بين بنيته التشريعيّة والتنظيميّة الحديثة في ظاهرها وبنيته الذهنيّة العتيقة في باطنها.

—————–*

*عن صحيفة “النهار”

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *