سحر حيدر… يَا غِلَالَةُ صِنْوُ نُورٍ
حبيب يونس
أسعدَ الله غِلالاتِ حضورِكم
أسعدَ الله شمسًا نابعةً من قلوبكم والوجوه.
أجملُ ما في سَحَر أنَّها لا تكتب… بل تنكتب كأنَّها مرآة ألوان تحبو في بال غجريَّة عاشقة.
وأفصحُ ما في سَحر أنَّها لا تتكلَّف… هي المرأة الَّتي استغنت عن مساحيقِ الكتابة، لأنَّ جمال نبضها وحدَه يكفيها.
وأبلغُ ما في سحر أنَّها لا تقرع باب القلب لتدخل… لأنَّها خُلقت أعتابًا يطلَعُ على بال الياسمينِ أن يتعرَّشها، ويحلو للنَّسائم أن تلجَ منها إلى صحنِ الدَّار، ولا مطارحَ تتَّسع إلَّا لخفَّة حضورها.
أمس عبقَتْ رياحينُها، بما يُضمر العطرُ من بوحٍ، فكنتُ هناك أجِمُّ الحبر.
وما إن شَرَّعَتْ للرِّيح خِزانتها حتَّى وجدتُني مدًى وأفقًا استويا في حضرتها.
وفي هذه العشيَّة، تدعوني غلالتها إلى شمسٍ جديدة، لأقفَ وقرصُ الشَّمسِ في زهوةِ قلمي، وزهرةُ المنابر تصغي إليَّ، ولن تقول لي كما في مرَّتين سابقتين: آخرَ مرَّة أعتلي وإيَّاك المِنبرَ نفسَه.
الثَّالثة ثابتة ودائمة دُكتورة كلوديا.
أمَّا أنت يا سحر، وأمَّا أنتم يا ضيوفَ حبرها الكرام، فلن أخفيَكم سِرًّا، أنَّني حين شرعتُ في وضع كلمتي هذه، تركتُ للدُّكتورة كلوديا أن تُعمِلَ قلمها في الغوصِ دِلالاتٍ ورموزًا ومعانيَ وشروحاتٍ، واكتفيت لنفسي ببضعة أبيات من قصيدةٍ، سيضمُّها قريبًا ديوان جديد لي، عنوانُه: الدِّيوان الحبيب.
ولكنْ… حين فرَغتُ من القوافي، وقعتُ على قصيدةٍ لشاعري الجميل، أبي النَّوَّاس، عنْوَنَها النُّقَّاد “المغتسلة”. لم أقرأها قبلُ، ولم أسمع بها قبلُ، لو لم يدلَّني إليها، وأنا أُسْمِعُه مطلِع قصيدتي في “غِلالة الشَّمس”، صديقي الدُّكتور الشَّاعر ديزيره سقَّال.
أبو النَّواس، على جاري عادته، بالمداواة بالَّتي كانت هي الدَّاء، وأنا كأنِّي تواردَتْ خاطرتي وخاطرته، وجدتُنا هو يقطِر الماء فوق الماء، وأنا ستسمعون بعد قليل ما قطرْت.
وليس مصادفةً إن التقت الخواطر، أن تلتقي البحور أيضًا. فقصيدتانا منسوجتان على البحر الوافر.
ولئلَّا أبقى في الإيحاء والتَّلميح، أتلو من أبي النَّوَّاس ثلاثة أبيات من قصيدته في تلك السَّيِّدة الَّتي رآها تستحمُّ بالماء، قال:
فَلَمَّا أَنْ قَضَتْ وَطَرًا وَهَمَّتْ
عَلَى عَجَلٍ إِلَى أَخْذِ الرِّدَاءِ
رَأَتْ شَخْصَ الرَّقِيبِ عَلَى التَّدَانِي
فَأَسْبَلَتِ الظَّلَامَ عَلَى الضِّيَاءِ
فَغَابَ الصُّبْحُ مِنْهَا تَحْتَ لَيْلٍ
وَظَلَّ الْمَاءُ يَقْطِرُ فَوْقَ مَاءِ.
أمَّا الدَّاعي لكم بكثير النُّور، ولسَحرَ بطول عمر الصَّداقة وعميق المحبَّة، فاستبدلتُ النُّورَ بالماء، لأنَّ شمس سحر وغلالة روحها هما اللَّتان أسراني… فدع عنك لومي يا ابن الهانئ. وقلت:
… وَشَمْسٍ مَا ارْتَدَتْ إِلَّا غِلَالَهْ
وَكَانَ النُّورُ لَمْ يُنْهِ اغْتِسَالَهْ
بَدَتْ جَسَدًا عَلَى قَلَقٍ مُعَرًّى
أَوَانَ الْعُرْيُ قَدْ كَتَبَ ارْتِحَالَهْ،
وَهَبَّتْ فِي غِلَالَتِهَا تُصَلِّي
فَفَاضَ النُّورُ يَرْتَجِلُ ابْتِهَالَهْ
وَبَثَّ شُعَاعَهَا، خَيْطًا فَخَيْطًا،
لِيَفْضَحَ كُلَّ مَا بِالسِّرِّ قَالَهْ.
غِلَالَةُ… لَمْ تَكُونِي غَيْرَ وَهْمٍ
كَمِحْبَرَةٍ سَبَتْ لِلْحِبْرِ بَالَهْ
وَحِينَ تَرَاقَصَ الْحِبْرُ اخْتِيَالًا
وَشَاءَ يَبُوحُ لِلْوَرَقِ اخْتِيَالَهْ
إِلَيْهِ سَعَتْ، وَحَسْبُ الْحَرْفِ شَمْسٌ
تَعَرَّتْ، رِيشَةٌ تَبْغِي وِصَالَهْ.
غِلَالَةُ… مَا اشْتَهَتْ فِيكِ الْمَرَايَا
سِوَى خَيْطٍ تَمَلَّاهَا ارْتِجَالَهْ
دَنَتْ مِنْهُ لِتَنْسُلَهُ رَقِيقًا
وَتَجْعَلَ وَجْهَهَا فِيهِ مِثَالَهْ
فَأَفْلَتَ مِنْ يَدَيْهَا، لَمْعَ بَرْقٍ،
وَعَادَ إِلَيْكِ يَرْجُوكِ اسْتِلَالَهْ
كَأَنَّ الْخَيْطَ سَيْفُ عَنْتَرَةٍ، وَثَغْرٌ
لِعَبْلَةَ، سَوْفَ تَلْثِمُ لَا مَحَالَهْ…
غِلَالَةُ لَسْتِ إِلَّا، فِي كِتَابٍ،
مَسَاءً يَرْتَدِي النُّورُ اكْتِمَالَهْ
هُنَا سَمَرٌ، هُنَا سَحَرٌ وَفَجْرٌ
معًا، هَلَّا اسْتَحَالَا؟ لَا اسْتِحَالَهْ
هُنَاكَ غَدٌ، هُنَاكَ يَدٌ، عَلَيْهِ
تَشُدُّ وِثَاقَهَا تَرْجُو امْتِثَالَهْ
فَوَحْدَكِ يَا غِلَالَةُ صِنْوُ نُورٍ
عَلَى مِرْآتِهِ اكْتَمَلَتْ سُلَالَهْ،
وَوَحْدَكِ كُلَّمَا أَمْعَنْتِ سَتْرًا
شَفِيفُكِ يَعْتَرِيهِ عَلَى اسْتِمَالَهْ
وَوَحْدَكِ… ذَا الْمَسَاءُ، نَدِيمُ شَمْسٍ
تَجَرَّعَ ضَوْءَهَا حتَّى الثُّمَالَهْ.
دعوا الغِلالة لا تحجبِ الشَّمس. دعوا الشَّمس تنمْ. فغدًا يوم جديد، وشمس جديدة، وكتاب جديد قبل يأتينا السَّحر. (www.focolare.org)
سحر، أيَّتها الجدَّة الصَّبيَّة، الَّتي ما زالت تلد إخوةً لأبنائها وأحفادِها، مباركٌ لك كتابك، ومباركٌ لنا.
***
(*) ألقيت في توقيع كتاب سحر حيدر “غلالة الشَّمس” – بعبدا – 7 حزيران 2019.