صفقة باب الخليل بداية نهاية الوجود المسيحيّ في القدس

Views: 29

جورج عبيد

مسيحيو القدس مهدّدون بالانسلاخ عن مدينة الجلجلة والقيامة، ومسلموها مهدّدون بالانفصال عن المسجد الأقصى، والمسيحيون والفلسطينيون مهدّدون بالارتحال من فلسطين التاريخيّة ليوّطنوا في الأردن ومصر وما إليهما.

بداءة المأساة أو الجلجلة صفقة باب الخليل. وباب الخليل جغرافيًّا هي المدخل الاستراتيجيّ “لحيّ النصارى” في القدس والتسمية للأديب الفلسطينيّ الراحل نبيل خوري، وقد جعلها عنوان كتاب به، ويتضمّن الحيّ مراكز البطريركيات الأساسيّة والأحياء العتيقة وهو ممدود نحو كنيسة القيامة، وليست بعيدة جغرافيًّا عن المسجد الأقصى. ما يؤلم في الواقع ويثير الريبة، أن طرفًا أساسيًّا تداخل في تلك الصفقة مع الشركات الصهيونيّة العاملة على توطين اليهود، إنطلاقًا من باب الخليل عينًا، وهو البطريرك ثيوفيلوس.

لا شكّ أن القضيّة انطلق البحث بها منذ سنة 2002 لكنّها ظهرت للعلن مع البطريرك إيرينيوس سنة 2005. لقد علا صوت المقدسيين عاليًا، والتوق غالب عندهم لتعريب كنيستهم الأرثوذكسيّة ورفع الوصاية بل الولاية اليونانيّة بهيمنتها عليها، لتكون كنيسة معبّرة عن هويتها الأصليّة والأصيلة، وهي العربيّة المشرقيّة.

ما يلفت النظر بأنّ الولاية العربيّة أو المشرقيّة على معظم الكنائس معدومة بالكامل. إذ يفترض بالحقيقة أن تكون الكنيسة المارونيّة وكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك وكنيسة الروم الأرثوذكس والسريان والأرمن هم الولاة الحقيقيون على القبر المقدّس وعلى كنيسة المهد في بيت لحم. كلّ المأساة بأنّ الفاتيكان انتدب اللاتين ليكونوا الولاة إلى جانب اليونانيين، فامّحق الدور المشرقيّ المعبر عن الكيانيّة الأصيلة والأصليّة للحضور المسيحانيّ التاريخانيّ في هذا المدى، وبات الأصل تحت قبضة اللاتين واليونانيين، وليس لنا أي دور إلا بما نذر، وترك البطاركة اليونانيون في الكنيسة الأرثوذكسيّة على غيّهم يعقدون كما اللاتين الصفقات مع الكيان الصهيونيّ الغاصب على حساب الوجود المسيحيّ المشرقيّ، ليسهّلوا عمليّة التهجير في المراحل المقبلة.

بمعنى أن دائرة الفاتيكان وبسبب التأثير اليهوديّ الملحوظ، لم تعد تأبه للمسألة المسيحيّة المقدسيّة، وهي في الأصل لا تأبه للمسيحيين المشارقة، ما عدا حقبتين واحدة مع البابا يوحنّا بولس الثاني، وهو شخصيّة رائعة بقداستها، وقد دعا إلى سينودوس من أجل لبنان خرج بإرشاد رسوليّ وزّع على الكنائس المسيحيّة في هذا البلد دون فعاليّة تذكر، وأخرى مع البابا بينيدكتوس السادس عشر الذي بدوره دعا إلى سينودس من أجل مسيحيي الشرق انتهى بإرشاد رسولي وزّع على مسيحيي المشرق. وبعدهما لم نلحظ محاولة واحدة لا سيّما من أجل مسيحيي القدس والعراق وسوريا.

البطريرك المسكونيّ الأرثوذكسيّ برثلماوس، غضّ الطرف غير مرّة عن نداء الاستغاثة الذي رفعه إليه المسيحيون المقدسيون، طالبين منه رفع الحيف عنهم، والعمل على تعريب كنيستهم بحيث تعبّر عن التراث الأصيل. لم يأبه للأسف للنداء، في الشكل حاول التوسّط ما بين الأطراف المعنيين، لكنّه في الجوهر، كان ضنينًا باستبقاء الهيمنة اليونانيّة على كنيسة القدس. فقد أمست مجرّد وسيط لتكريس الاحتلال الإسرائيليّ، كما ظهر توغّلها بصفقة القرن عبر صفقة باب الخليل، وقد تكون المقدّمة لترسيخها إذا ما استبقيت كحالة جديدة وجديّة، على المستوى التفاوضيّ بين السعوديّة وأميركا وإسرائيل. أو تكون بالتالي البديل عنها إذا غضّ الطرف عنها، فتتحوّل الصفقة الكبرى إلى صفقة صغرى، عنوانها صفقة باب الخليل كما يظهر من بعض القراءات التي أجراها حنّا عميرة أو المطران عطالله حنّا. فيما عدد الأرثوذكس في القدس 3000 شخص فقط، أي ما بعادل في لبنان رعيّة دخول السيدة في الأشرفيّة أو رعيّة القديس أنطونيوس الكبير في فرن الشباك. هل يعقل ان يكون عدد المقدسيين الأرثوذكس في مدينة الصلب والقيامة ثلاثة آلاف شخص، وإذا ما أضفنا عدد المسيحيين الآخرين فيقارب الخمسة آلاف، وهل يعقل أيضًا أن تفرغ مدينتا بيت لحم والناصرة من محتواها المسيحيّ-البيولوجيّ شيئًا فشيئًا؟

1-ما هي صفقة باب الخليل؟

في الوقائع منذ سنة 2002 بدأ التفاوض بين منظمتين استيطانيّتين يهوديتين وبطريركية القدس الأرثوذكسيّة على عهد البطريرك إيرينيوس، لشراء الأوقاف الأرثوذكسيّة العربيّة بإغراءات هائلة. وافق البطريرك أيرينيوس وقد باتت الأمور تظهر تدريجيًّا منذ سنة 2003 و 2004 من خلال إفراغ الأوقاف من محتواها العربيّ-الأرثوذكسيّ لتصير ملكًا للمستوطنين اليهود. وفي سنة 2004 ظهرت مسألة تسريب الأوقاف الأرثوذكسيّة في منطقة باب الخليل، وهو حيّ استراتيجيّ والمدخل الجنوبيّ نحو كنيسة القيامة وحيّ النصارى حيث توجد مراكز البطريركيات. خلال ذلك الوقت حدثت احتجاجات كبرى تمّت فيها إقالة البطريرك أيرينيوس بقرار صدر عن لقاء لبطاركة الأساسيين برئاسة بطريرك القسطنطينيّة، واستبدل بالبطريرك ثيوفيلوس اليونانيّ، الذي للأسف أكمل مشروع إيرينيوس بالاتفاق مع اليهود وأفرغ الأوقاف من هويتها ومحتوياتها. عادت الاحتجاجات تقوى من المقدسيين العرب، ولم تلق آذانًا صاغية من قبل البطاركة المعنيين الأساسيين وعلى رأسهم بطريرك القسطنطينيّة.

خلال ذلك رفعت المنظمات الأرثوذكسيّة العربيّة دعاوى على مسألة بيع الأوقاف إلى أن انكشفت قضية بيع ثلاثة أوقاف في باب الخليل وهي فندقيّ البتراء وإمبيريال ومركز المعضميّة ممّا شكّل طعنة عجماء عند الأرثوذكس المقادسة. تظاهرت البطريركية الأرثوذكسيّة أنها ليست على علم إلى أن قدّمت طعنًا قانونيًّا لدى المحاكم المعنيّة في إسرائيل، تبيّن بنتيجتها أنّ الطعن المقدّم ما هو سوى عملية قانونيّة شكليّة فيما البطريرك ثيوفيلوس نفسه قد سرّب عمليّة البيع في المضمون وتظاهر بالشكل انه ضدّه. وبمراجعة بعض المعنيين للأمير غازي بن الحسين شقيق الملك عبدالله ملك الأردن وهو الوليّ الشرعيّ على الأوقاف المسيحيّة والإسلاميّة في القدس تبيّن بان سموّه صامت، وصمته يدلّ على موافقة ضمنيّة، يخشى المعنيون أن تكون جزءًا من صفقة بين إسرائيل والدولة الفلسطينيّة والمملكة الأردنيّة الهاشميّة.

2-في السلوكيات الظاهرة والمتصلة بالصفقة والمستغلّة لها:

لقد حبك ثيوفيلوس غطاء كنائسيًّا مستغلاًّ قضية خلاف القسطنطينيّة مع روسيا حول مسألة أوكرانيا. فقام بدعم موقف البطريرك الروسيّ كيريل فسلّف الكنيسة الروسيّة دعمه من أجل السكوت على مسألة بيعه الأوقاف للمستوطنين اليهود، من دون أن يفرّط بعلاقته مع بطريرك القسطنطينيّة. وحين تمت مراجعة مندب الكنيسة الروسيّة في القدس، جاء جوابه بأن الكنيسة الروسيّة وبعد موقف ثيوفيلوس ستضطر لتقف موقفًا متوازنًا بسبب دعمه لها في خلافها مع البطريرك المسكونيّ. ثمّ أقنع ثيوفيلوس بابا وبطريرك الإسكندريّة ثيودوروس الثاني، ورئيس أساقفة قبرص المطران خريسوستموس لكي يلتقي ببطريرك أنطاكيا وسائر المشرق يوحنّا العاشر بعد خصومة كبيرة وقطع للشركة بين كنيستيّ أورشليم وأنطاكيا بسبب قضيّة الكنيسة الأرثوذكسيّة في قطر، للبت بهذه المسألة الخلافيّة وإنهائها وإعادة الأمور إلى طبيعتها. هدف ثيوفيلوس من هذا الحراك أن يغطيَ على فعلته في مسألة بيع الأوقاف لا سيّما مسألة باب الخليل وهي خاتمة عملية إنهاء الوجود الأرثوذكسيّ بالأوقاف تمهيدًا للترانسفير. تقول المعلومات الواردة بأنّ بطريرك أنطاكيا لم يكن على علم واضح بهذه المثلبة “الثيوفيليّة”، ذلك أن جذوره المشرقيّة تأبى الوقوع بها، وتأبى بالتالي أن يغطي عمليّة اختلاس كبرى في التاريخ لأوقاف تعود للكنيسة لصالح المستوطنين اليهود، وموقف البطريرك يوحنّا التاريخيّ لا ينفصل أو ينفصم عن موقف الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكية التاريخيّ المدافع عن القضيّة الفلسطينيّة والوجود العربيّ فيها بمختلف تلاوينه وأطيافه. ولو كان البطريرك يوحنّا على معرفة بمثلبة ثيوفيلوس لكان حتمًا رفض اللقاء واشترط بقوّة إعادة الأوقاف إلى جذورها.

3-ما هو المتوقّع:

للأسف الشديد المعلومات الواردة من القدس الشريف، بأن المسيحيين الباقين فيها بخطر شديد. لقد بدأوا يشعرون بأن لا معنى لوجودهم، فلا بدّ ان يعدّوا العدّة ليرتحلوا وهم لا يتجاوزون الخمسة آلاف. (Alprzolam) المطران العربيّ الوحيد وهو مطران سبسطية عطا الله حنّا بدأ يشعر بدوره كما هو ظاهر في كتاباته وتصاريحه وحراكه بالخطورة الشديدة على هويّة القدس. هنا لا بدّ من الإضاءة على موقف وزير خارجيّة لبنان جبران باسيل خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في مطلع سنة 2018 حين استكمل كلمة غولدا مائير بأن العرب أمّة فاشلة بسبب انقساماتهم وتمزقهم وصراعهم المذهبيّ والقوميّ، ليحذّر من استلاب القدس من جذورها العربيّة إلى الجذور اليهوديّة. ما يحدث الآن في القدس يؤكّد كلام باسيل. ذلك أن تجويف القدس من هويتها العربيّة والمشرقيّة ينطلق من الانقضاض على ما تبقى من المسيحيين فيها والتفريط بأوقافهم التي تعبر عن جذورهم بل جذوريتهم، ليسهل تحريف حضورها العربيّ والمشرقيّ مع التأكيد على سياسة الترانسفير المتعمّدة. هذا هو المتوقّع بحسب ما تشير إليه المعلومات وهي دقيقة من داخل القدس، فالمسيحيون هناك متروكون لمصيرهم ولا أحد يدعمهم، ويرى بعضهم بأنّ الرئيس الوحيد القادر على دعمهم هو العماد ميشال عون بسبب مسيحيّته ومشرقيته ولكونه الرئيس المسيحيّ الوحيد في العالم العربيّ، ولا يزالون يرون في مسيحيي لبنان رئة للتنفّس وخشبة خلاص، الرجاء عندهم أن يقول رئيس لبنان قولته ويدعو إلى حراك يناصر الحضور المسيحيّ هناك والحفاظ على المقدسات والأوقاف في القدس الشريف، ويرجون من البطريرك المارونيّ بشارة الراعي والأرثوذكسيّ يوحنّا العاشر أن يقفا وقفة عزّ مسيحيّة أخويّة لتبقى القدس وجهًا للقيامة الحقيقيّة.

ختامًا، القدس لنا أيها العرب ويا أيها المسيحيون إنها البدء والمنتهى لنا جميعًا فيها قال الله كلمة الخلاص بابنه يسوع ولم يقلها في مكان آخر، وقالها بالإسراء والمعراج. وعندنا أنّ يسوع المسيح لا يزال معلّقًا على صليب القدس فلنعمد على وقف الجلجلة وإعلان القيامة فيها لتعود لنا وللأمم جميعًا وبأحيائها العتيقة وكنائسها وجوامعها مدينة السلام والحقّ والقيامة.

****

(*) موقع tayyar.org

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *