ياسر بدر الدّين… شاعر مَهجَري يستوطنك طيبًا

Views: 68

 جوزف مهنَّا

لا مَشاحةَ في أنّ علائِقيّةً مائِزةً وقفتْ ببابِ بَناتِ أفكارِ الشّاعرِ المهجَريِّ ياسر بدر الدّين، تضخُّ الشّهدَ المصفّى: نثيرُ لؤْلؤِ طيورٍ بعد الطُّوفانِ من هنا، ورصيعةُ دفترِ غربةٍ من هناك، وبنفسجةُ وجهِكَ والمنفى ذَرَأَ(1)البلبلُ فيها كلَّ أقاسيمِ النّغم. ومع حنينِ التّرابِ صُفّاتِ جُمانٍ ترتاحُ في مداميكِها فاكهةُ الأرضِ والجِنانِ، على أجنحةِ فراشاتٍ ملوَّنَةٍ راعَ زرعُها، تستوطنُكَ بعُهدةِ حليم دمّوس طيبًا داهِشًا في قارورة.

ما وَهَى أمرُهُ ولا قادهُ عُصابٌ إلى لَيِّ عُنُقِ قلمِهِ في مداراتِ العطاء، فهو قَمّاشٌ مُظِلٌّ من طِرازٍ رفيعٍ، وأُستاذٌ في البُرايةِ يُتقِنُ مُسايفةَ البَدْعِ، فالظّلامُ الرّائِنُ على السِّوى من المتشاعرينَ لا يعرِفُ سبيلاً إلى جادّةِ هواهُ، ولا تغوَّلَ، في تواتِرِ الأشياءِ، بهديرٍ وزَبَدٍ على غزّارتِه. إذا رَوّأَ(2)في رَقرَقَةٍ، ومخضوضِرِ قولٍ تدخُلُ في الأَمَنَةِ وتلقى صوادِحَ جيائِدَ تتثانَى عليكَ، فتملَؤكَ بالنُّسْغِ الشِّعريِّ، نحتًا وصَقلاً وتطريقًا كالجُرْدِ(3)من الخيلِ، حانَ سنبُلُها على ما يُعجَبُ به الأساطِنَةُ والملوكُ!

هذا الطّائِرُ الميمونُ، الكريمُ العُصارةِ، الذي استَغْلَقَ بابُهُ على لِسانٍ ذَرِبٍ، سَقْيًا له يتصبّانا ويتخالُّنا(4)في حُمّى التّنقيبِ، وغَيَّةِ القريضِ على أَطايِبَ أظبَتْ أوراقُها وقمَّحَتْ ربيعًا ، تحفّى في هَمْزِهِ ولمْزِهِ، لِمنازِهَ حُبلى بالخرائِد.

 جوزف مهنَّا

 

طيورٌ بعد الطُّوفان

إنّ رَجْعَ توجُّعٍ لَذٍّ إلى آخَرِ ما وقفتْ عنده البلاغةُ، يقطُرُ مجدودًا على مفارشِ هذا الدّيوانِ، حتى لَتحسبَنَّهُ جاماتِ الفضّةِ الملوَّحَةِ بالذّهبِ، تأخُذُها عينُكَ، ويعلَقُها قلبُك. قوافٍ مقدوداتٌ، لِطافٌ، أُلاّفُ غَضاضةٍ، زُمِّلَتْ بِشَجَنٍ تناصَحَ في أغراضِهِ، ممّا يُبهِرُ الحِسَّ ويُشايعُ مذهبَ الغُربةِ في حُدورِه. (Alprazolam) بل قُلْهُ نَبْضَ المفاوزِ تحتشِدُ بُيوعُها الكِثارُ.. تُواضِعُكَ على مثاقيلَ مكتومةِ الصّدى تَعتَنِقُ عِطْرَ حِبره.

يكتظُّ الدّيوانُ بعناوينَ تَوَسّدَها القلقُ فأسخنَ عينَها، وأرّقَ جفنَها. بعضُها مطرٌ للحزنِ يتهايفُ على سَيْفٍ سقطَ في العُريِ، أَخرجَ من غِمدِهِ قُرصانًا عاشقًا، عَلِقتْ به ساحرةٌ دهياءُ، تفلَّتَ من كُمِّها في زِفافِ النّارِزمرّدةٌ اشتعلتْ بالتّيجانِ، لِتعترِقَ شجرَ الدمّ، مكروبةَ النّفسِ تذرِفُ دمعَ العصافير.. تُشرِّعُ نهودَها لِمَحارِ البحارِ سَلامًا قلِقَ الوِسادةِ، استُلَّ للأحبّةِ من محفظةِ الأحلامِ في النبطيّة، مهدِ طفولةِ الشّاعرِ، رمِضَتْ جوانِحُهُ على جَمْرٍ جَواهُ لا تَغيض:

كنتُ على موعدٍ في المساء

وتحت ارتجاف الغصونِ

على صدرِكِ الغجريِّ

فرشتُ سرائِرَ حلمي القديم

وسافرتُ… سافرتُ في الحلم

حتّى غفوتُ

ولمّا أفقتُ

اعتراني البكاء…       (ص 21)

 

 

دفترُ الغربة

أثيرةُ الشّاعِرِ وخُلْصانُهُ في منفاهُ الاغترابيِّ، ومُنْيَةُ نفسِهِ، حبيبةٌ صَفيّةٌ مَحَضَها إعزازَهُ، فلا انحلّتْ لهما بعدها عُرًى، ولا انقطع بينهما حبلُ مودّة. تشُدُّ قلبَهُ كعصفورٍ إلى قفص الورد، فينزَعُ إليها يستَوْقِدُ شوقَهُ وافِدُ النَّسيمِ ولاعِجُهُ، لِيتكوّمَ من ثمَّ كالصّنمِ في معبَدِ عينيها الإلهيّتَيْن. حتّى إذا استعرضَ أيّامَ عمرِهِ في هذا الدّورِ من الحياةِ على الأرضِ، يرى أنّ أهمّ حدثٍ مرّ به، وأهمَّ عملٍ قام به، هو أنّه أحبّها:

حين غادرتِ عالمكِ الجميلِ

يا حبيبتي

كانت الشّمسُ على رأسِ المودِّعين

وحين وطئَتْ قدماكِ أرضَنا

غصّتْ دارُنا بالمهنِّئين

وكان على رأسهم القمر!        (ص 69)

 

حنينُ التُّراب

لا تحتاجُ إلى تأوُّلٍ، ورحِمُ الحروفِ تشُدُّ كفَّها بِعُروتِكَ، منذ الكلمةِ الأولى في الدِّيوانِ، فأَغصانُ دَوْحَتهِ من النّوعِ الّذي يحتفِرُ جرحَكَ، فإذا أنتَ في حضرةِ جلالَتِهِ تُربةٌ طُلَعَةٌ، كلؤَةُ العَيْنِ(5)، ما تشاغلَتْ ولا تعلَّلَتْ بإضاقَةٍ، أو شعبَتْ عنكَ بمَسْلاة.

ولئن استمدّ شاعرُنا إيقاعَهُ الشِّعريَّ وأسلوبَهُ النّصيَّ، من حَنجَرةٍ مُثخَنَةٍ بأثلامِ سنين اغتذى من لُهابِها، فأمسَكَ عنه نهرُها تدفُّقَ الجَرْيَةِ حينًا، فإنّكَ لواجِدٌ أيضًا في جَعبَتِهِ قلمًا عَجِلاً، يَهضُبُ بوقفاتٍ يُخاضُ في خُبْرِها من باب التَّيمُّن على ذهَبٍ عَيْن. ولنا في فُقْدِ الأبِ والأمِّ مِهادًا خشِنًا فما يأسى أو يستكينُ، إلاّ وقد أفرغَ كِنانَتَهُ من غاشيةٍ تغشاهُ بُرَحاءُها، تتخطّى حدودَ ضَعَفاتِهِ، لِترتَسِمَ على أوراقِهِ صُوَرًا شعريَّةً بِكرًا يقفو بعضُها بعضًا، فتشِعُّ بمباسِطِها الخُضرِ إذِّكاراتٍ تضجُّ أفنيتُها ومقاصيرُها بالمعازِف:

يا أمّي كيف الأخبار؟

كيف أبي؟

هل عاد من الحقلِ كعادتِهِ

قبل غيابِ الشّمس؟

أم غابَ كما غاب

ولم يرجِعْ في الأمسْ؟

ما أوجَعَ قولكِ يا أمّي:

عُدْ قبل غيابِ الشّمسْ

ما أَوحشَ هذي الدَّارُ

وقلبي/يا أمّي حينَ تغيبُ الشّمسْ!      (ص 43)

 

 

وجهك والمنفى

ديوانٌ وجدانيٌّ بارِعٌ ، في مغاوصِهِ ذائِقةٌ تفتحُ آفاقًا سَقطتْ فواصلُها على الورقِ، فَعُوَّادٌ يعرِجونَ كُرْمانًا لِنُسّاكِ الحرفِ، نحو طبقاتٍ لا يُضارِعُها مُضارِعٌ في الانسجامِ والتّماسكِ، والتّنضيدِ الفريد. رقائِقُ هذا الدّيوان من النّوعِ الّذي تتفرّجُ به من غَمّائِكَ، يمتاحُكَ صَبيبُهُ بالبَرَزَةِ من مُواضعاتِ رياضِهِ، ومقاطِرِ أوتارِهِ، وقُمُصِ مُروجِهِ، فأنتَ منه بين لأْلاءِ، ومُحَكَّكِ ديباجَةٍ فُتَّ بالكفّيْنِ مِسكُها الأذفَرُ، وعنبَرُها الجوريُّ، وعُودُها الهنديُّ، فتَشهّتِ العصائِبُ المرصَّعةُ، خواتيمَ الزّبرجدِ والياقوتِ!

لقد انتجَبَ(6)شاعرُنا لهذا الديوانِ ظرائِفَ ذهبَ بعيدًا في بَغائِها، فأفضى به التّطوافُ في شُفوفِها وشِعابِها إلى أفانينِ قوْلٍ ليس لك إلاّ أن تَلُزَّ مزهوًّا بأعطافِها والمناكِب!:

وحياتكَ يا وطني

لا تسألني عن حبِّ الأمسْ

وليالٍ شَرِبَتْ قهوَتَها

في جفنِ الشّمسْ

 لم يبقَ سوى الذِّكرى

تنبضُ في الهمسْ!         (ص 58)

إنّها لأضاميمُ كُلَيْماتٍ في قدودِها مَشْقٌ، قُطِعَتْ من حُرْجَةِ الزّمانِ، اجتباها شاهدٌ من شُهَّدِ مغترباتِنا… فاض فيه الحنينُ، فانسكب نفثاتٍ مكبودةً على الورق!

ربّي، سألتُكَ ألاّ أرحْتَني ممّا أنا فيه،لقد خشَعْتُ لك بَصَري، وأوْشَكَ الطّائِرُ يقعُ… فهلاّ تحنو علينا، وتمحَضُ فِلذاتِ مهاجِرنا مرحمةً يا شفيق؟!

 

من كُتُبِ الشّاعر:

1 –بعثَ

2 – نظرَ فيها وتفكّر

3- السَّبّاقة

4 – يصادقنا ويؤاخينا

5 – لا يغلبها النّوم

6 – اصطفى

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *