مرارة القصّة في مختبر الإبداع
د. جميل الدويهي
ليس أمرّ من القصّة في مختبر الإبداع. فقد يكون المرء شاعراً يكتب قصيدة في بضع دقائق، وقد يكون كاتب مقالة ينجزها في بضع دقائق أيضاً، لكن أن يكون كاتب قصّة فهو الأمر الأصعب.
والقصّة ثلاثة أنواع: 1- قصّة قصيرة وهي الأسهل (ويمكن إضافة القصّة القصيرة جدّاً – أي قصّة من بضعة أسطر إلى هذا النوع)، 2- قصّة Novella (في حدود 80 إلى 120 صفحة قطع وسط)، وهي أكثر صعوبة من الأولى، 3- الرواية وهي الأصعب من السابقتين. فبينما يمكن كتابة القصة القصيرة في وقت قصير، يقف الأديب برهبة أمام القصة والرواية ويتردّد كثيراً قبل أن يخوض غمارهما… لماذا؟
الجواب يأتي من تجرية شخصيّة، ومن تجارب الآخرين أيضاً. ويوافقني الرأي كتّاب القصّة، والنقّاد… فالصعوبة تكمن في أن القصّة مشروع متكامل، تلزمه عدّة شغل، من لغة، وسيناريو، وحوار، وتركيبة دراميّة، وعقدة، وحلّ… وفوق ذلك يجب أن يكون كاتب القصّة مخرجا بارعاً لا يقلّ في براعته عن المخرج السينمائي أو المسرحي. وفوق هذه الصعوبات جميعاً، هناك صعوبة المغامرة، فالأديب الذي يكتب قصّة عليه أن يصعد إلى مركب، ويجازف في البحر الكبير، وقد يقع على صيد ثمين، أو يعود فارغ اليدين. وقد يبدأ الأديب في قصّة من 100 صفحة أو أكثر، ويصل إلى نصفها، فيكتشف أنّ العمل القصصي لا يستحق أن يبذل فيه جهداً أكثر، وهكذا يعود بمركبه إلى الشاطئ وقد قطع فقط نصف المسافة.
لذلك يحرض الكاتب القصصي على وضع مخطط script لقصته قبل أن يبدأ الكتابة، أي خارطة، أو تصوّر لكل ما يحدث، خوفاً من أن يصل إلى نقطة يجد نفسه فيها وسط معمعة لا يمكنه الخروج منها، ويندم على الوقت الذي صرفه من غير طائل.
أتحدث هنا عن قصّة متكاملة، ممسوكة، متقنة، لا عن المسلسلات التي تُعرض على الشاشات، فتلك راوايات (جامبو)، بعضها من مئات الحلقات، هي للتسلية والترفيه، لا لغرض فني إبداعي. وقد تصل الإطالة في هذه المسلسلات الفاقدة للحس الدرامي إلى حد السخرية، حيث يتزوج كل واحد من الأبطال مرات ومرات من المرأة نفسها، كما يتزوج كل الرجال من كل النساء في المسلسل، كما يحدث في المسلسل الأميركي Bold and Beautiful. ومن المؤكد أن كتاّب هذه المسلسلات يكتبون للربح المادي وليس من أجل الفن والثقافة. وكان أفضل لهم لو جعلوا كل حلقة في موضوع معين، من غير ترابط بين الحلقات، لأن ما يقدمونه استخفاف بالعقل، وتحايل على الذوق وعلى المستوى الفني أيضاً.
يبقى أن أقول إنّ القصّة هي المحكّ الذي يَعرف فيه الأديب نفسه وقدرته، ويُعرف بهما، بل الرافد الأهمّ لأيّ مشروع أدبي. إنها قمّة الأدب، وتتويج رسميّ للكاتب في مملكة الإبداع.
______
جميل الدويهي: مشروع أفكار اغترابيّة للأدب الراقي – سيدني 2020