«ما شي»…
لميا أ. و. الدويهي
تتفتَّحُ عيوننا على الحياة ونكتشفُ فيها ملذَّات، منها ما يُضحك ويُسلِّي ويجعلُ الوقتَ يمضي، مُضيفًا قهقهاتٍ إلى الضَّحِكات، ومنها ما يُغني الإنسان ويجعلهُ قادرًا على بناءِ شخصيَّتِهِ ومكانتِهِ الثقافيَّة، العمليَّة، الشخصيَّة، إلى ما هنالك من مكانات ومراتب ومراكز… وكلُّهُ جميل، فلمَ لا يكونُ الإنسانُ كُلَّ هذا في حياتِهِ إن استطاع؟…
حياة جميلة، مُكتملة، وظيفةٌ «مُحترمة»، علمًا أنَّ كُلَّ الوظائف، مهما كانت بسيطة هي مُحترمة، وأعني هنا، بحسب التعبير الشَّعبي، أنَّها تُؤمِّنُ عَيشًا رغيدًا…
وتمضي الأيَّام وكلُّ الأمور تسيرُ على ما يُرام، كما قد خُطِّطَ لها سابقًا… إلَّا أنَّ لحظات تُباغِتُنا وتجعلُنا مُتردِّدين، بالرغم من كُلِّ النَّجاحات والاجتياحات التكنولوجيَّة التي دخلت على حياتِنا واستأثرت بعقولِنا و«دبَّرَتِ» الكثيرَ من شؤونِنا، فلا أحد يستطيعُ إنكار التَّسهيلات التي قدَّمتها لنا، بغضِّ النظرِ إن كنَّا قد أصبحنا عبيدًا لها أم لا، فهذا نقاشٌ مُختلف، يحتاج إلى مُعالجةٍ أخرى…
لنفترض بأنَّ كُلَّ الأمور تسيرُ جيِّدًا، كما خطَّطنا لها منذُ أن وعينا على الدُّنيا وتَعلَّمنا كيف بالإرادة الحَسَنة والمُثابرة والمُتابعة الانضباط والعمل الدؤوب نستطيعُ تطويرَ حياتنا وتحقيقَ مرادنا، ومرَّة أخرى، كلُّ هذا جميل… ولكن تعودُنا أيَّامٌ ونحن مُتربِّعون على عرشِ إنجازاتِنا، نشعرُ فيها بأنَّ كُلَّ هذا، لا يعنينا، وكأنَّ ما تعبنا لأجلِهِ لم يَعد كافيًا لإرضائنا، ويأتينا الشُّعور بأنَّنا جُلَّ ما نُريدُ فعله هو، وبالعاميَّة، «ما شي»…
فتسأل: «كيف يعني ما شي؟» ويأتيكَ الجواب: نعم «ما شي»…
وتتدفَّقُ الأسئلةُ في ذهنِك شلالًا غزيرًا: والمشاريع؟ والأعمال؟… بهِ/بها شيء؟ حدث أمرٌ ما؟ لديه/لديها كلّ شيء… الكلُّ يحسده/يحسدُها… أسئلة وتعليقات أخرى مُشابهة قادرة على ملءِ الصَّفحة وأكثر…
هذا الـ«ما شي» ليسَ دعوةً إلى التكاسل وتمضية الوقت بدونِ عملٍ ناجعٍ ونافع. إذ أنَّه إن لم يرتد بالخير على المجتمع، أقلُّهُ ينعكس إيجابيًّا على الفرد؛ فالعملُ يُجوهِرُ الإنسان كما أنَّ الصلاةَ تُجوهِرُ روحَه…
هذا الـ«ما شي» هو حاجةٌ مُلِحَّة وضروريَّة للإنسان، ليتنفَّسَ، يُراجعَ حساباته، ليعرفَ أين يقف، ما هي الخطوات اللَّاحقة… ليتأكَّدَ من أنَّ مسارَ حياتِه هو المسار السَّليم الذي يمنحهُ الرِّضى الذاتي ويبنيه من الدَّاخل ويجعلهُ إنسانًا أفضل، لأنَّهُ يعرفُ كيف يتعاملُ مع الآخرين وليس لأنَّهُ أرفعُ رتبة بما حقَّقهُ أو قد يُحقِّقهُ من مراكز…
هذا الـ«ما شي» هو حاجةٌ للتجدُّدِ والعودةِ إلى الذَّات، للاصغاء إلى الأعماق، للتأمُّلِ في مُجرياتِ حياتنا، للانتباه على مَن يُحيطُ بنا والاحساس بهم وبحاجاتهم، لعيشِ علاقاتِنا على مُختلفِ أنواعها بغنى، يجعلُنا نُدركُ أنَّنا لسنا بوحيدين وأنَّنا لا نجعلُ مَن يُحيطُ بنا، أيضًا كذلكَ… فيومًا ما، كُلُّ شيء سيتوقَّف وينتهي، لمجرَّد التقدُّم في العمر، بدونِ ذكر إنهيارات وتداعيات تحصلُ أحيانًا لأشخاصٍ فأشخاص، منهم مَن يُعاودُ النُّهوض والاستمرار، ومنهم مَن قد ينهار، لأسباب عدَّةِ… حينها لن يتبقَّى لنا سوى ما قد بنيناهُ مع العائلة والأصدقاء والأقارب والمُحبِّين من علاقاتِ ودٍّ مَتينة وأواصر محبَّة عميقة، فهل يا ترى سنكون مُستعدِّين لمواجهةِ نتيجةَ طرقِ عيشِنا المتتالية على مرِّ السنين في حياتِنا؟…
هذا الـ«ما شي» يُشبهُ السُّكون الذي يَسبقُ لحظاتِ ظهورِ النَّبتِ على صفحةِ الأرض والذي سيَأتيكَ في ما بعد بنتائجٍ تتطابقُ وعملك…
هذا الـ«ما شي» هو مرحلةُ ركودٍ تُعيدُنا إلى ذاوتِنا ولأختصرَها، إنَّها كما الطَّبيعةُ التي تَستكِنُّ في فصولِ شتاءٍ، وإنَّما في نفوسِنا، وتعودُ لتُزهِرَ ربيعًا جديدًا يلوحُ ببراعمَ نامت أغصانُها تحت غطاءٍ أبيض هادئٍ بعد عاصفة، قبل أن تنقشعَ تُربةَ نفوسِنا من جديد وتلوحَ بثَمرِها الوفير…
٣/ ٥/ ٢٠٢٠



