التوازن الموضوعي في النص الروائي
سوريا- أحمد يوسف داود
في هذه العجالة بتقديم رواية، لن ألجأ الى الكتابة المتكررة عن روايات معروفة لكتّاب كبار واسعى الشهرة، بل سألفت النظر إلى رواية سورية جديدة ومتميزة هي الآن قيد الطبع والإصدار، بعد أن فازت بالجائزة الأولى مؤخراً في مسابقة أجراها فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب، وحدد لها موضوعاً هو “التعاضد الاجتماعي في زمن الكورونا”، أما كاتبتها فهي السيدة (أو الآنسة؟) إيمان شرابي التي لم اسمع باسمها قبلاً، وإنما عرفتها لأنني كنت أحد أعضاء لجنة التحكيم وقد مُنحتْ روايتها الأولوية بالإجماع، وتحمل عنواناً هو “إلى أجل غير محدد”!.
ولن أطيل في مديح الرواية أو إطرائها، بل سأكتفي بالإشارة إلى أنها تستحق ماهو أكثر بكثير من مجرد عرض سريع لمجريات أحداثها، ولصياغتها الفنية بالغة الإتقان، وعدم وجود أي حشو لغوي زائد في أي مكانٍ من مجرياتها، ولكن قوة الايحاءات التي تنطوي فيها تجعلك تشعر بأنك في في أقصى الأمداء لرحابة العالم حيث يهيمن ظل الكورونا والمخاوف الكبرى منه على البشر جميعاً.
تدور أحداث الرواية على متن “سفينة رحلات” تبحر من ميناء ما شرقي المتوسط الى إيطاليا أو فرنسا أو اسبانيا، وكل الشخوص فيها من عرب وأوربيين أبطال تقريباً بما في ذلك بعض العمال بالإضافة إلى قبطان السفينة وأحد القساوسة، ولكن التركيز الأهم يدور حول راقصة لبنانية فائقة الجمال ولا تهمها إلا المتعة الجسدية وجمع المال، وحول رجل أعمال سوري محدث النعمة، وهو رغم وسامته التي تجذب الراقصة الفاتنة لا يكاد يرفع رأسه عن اللابتوب لمتابعة أعماله وحركة أمواله التي جناها من الحرب السورية، وأودع أكثرها في بنوك سويسرا.. وعبثاً تحاول الراقصة لفت أنظاره اليها بالقدر الكافي الذي تريده ولكن دون جدوى. وسنكتشف لاحقاً أنه مصاب بعطب قلبي متفاقم.
وفيما السفينة تقترب من مقصدها يصدر حظر أوروبي بعدم دخول أية سفينة أو خروجها من أي ميناء، وهو ما يبلغه القبطان للركاب جميعاً، مع معرفته بقرب نفاذ الوقود في السفينة دون أن يخبرهم بذلك.. وهو لهذا يدعوهم الى إقامة حفلات السمر يومياً والى التواصل والتعارف وإقامة علاقات الصداقة والإلفة ريثما يصلون إلى الرسوّ في ميناءٍ ما!.
وتسير الأحداث سيراً تختلط فيه المخاوف بالصبر والتفاؤل وتتعرف الراقصة على رجل عراقي كان قد تقرب منها حين خف اهتمامها بالسوري الوسيم المريض ثم مالبثت ن ابتعدت عنه، وبدأت تتصرف بتعاون جيد مع باقي ركاب السفينة ـ خاصة مع سيدة اوربية جاوزت الستين وذات دراية تخصصية بعلم النفس ـ على إشاعة الفرح وتفريج هموم الخائفين، والقس يساعدهما في ذلك.. وهكذا تبدأ نظرتها إلى الحياة بالتغير.
وبالطبع تتفرع احداث الرواية تفرعاً يتابع مشكلات عديدة لم تكن في الحسبان بينها قضية ذات صلة بالسوري الوسيم المريض الذي تشتد الأزمة القلبية علىه حين يعرف أنه لايمكنه سحب دولار واحد من حسابه البنكي بسويسرا، وأسباب أخرى لايمكن شرحها هنا.. لكن ما لم يكن متوقعاً هو: إصابة أحد عمال السفينة بالكورونا، وعندها يجري الاستنجاد بالسلطات التي يتبع لها أقرب مرفأ أوروبي، وسرعان ما يصل قارب يحمل متختصين بتشخيص الكورونا ويقومون بفحص جميع من هم على السفينة حيث تظهر الراقصة الجميلة مصابة به بالاضافة الى شخص آخر غير العامل سابق الذكر.
والرواية مليئة بالاحداث التفصيلية التي تظهر توحد من في السفينة حول مواجهة خطر الكورونا وتلمح الى تاريخ بعض الشخصيات ونتائجها التي أظهرها السرد التخييلي وأبرزها، وجعل التعاطف والتعاضد بين ركاب السفينة يأخذ مداه الاقصى.