غربة في وطن

Views: 857

د. جان توما

أجرّ خيباتي ورائي، وأمامي ما بقي لي من آمال. ضمّدت جراح كثيرين، وقسّمت رغيفي مع عديدين. كانت طلمبة الماء في ساحة بيتي لا تئن من الوجع، فماؤها يطلع من قلبها إلى قلوب العطاش ومساكب النعناع والحبق. راحت المياه، ونشفت العروق، وبيعت أطواق الياسمين عند أول نسمة وآخر نقطة ندى.

من هذا الحيّ القديم مضت وجوه إلى باريها، وأخرى إلى ما وراء البحار السبعة. كلّما راح واحد أغلق باب دكانه وراءه وتركني وحيدة. يتساقط مزلاج باب وراء باب، ولم يبق لي إلا ممشى الحيّ العتيق.

ما أشبه اليوم بالبارحة، ففي كلّ يوم يغلق باب في بلدي،  ولم يعد الطريق يسع الجياع والمرضى،كما الأرصفة.

ما هذا الوطن الذي كلّما أغلق باب فيه لا يفتح غيره؟ كأنّ بوابته تقود إلى بلاد العالم، ولكأنّ موج البحر يحمل الشباب بنداء خفيّ إلى معارج الغربة حيث الاستقرار وراحة البال، في غياب همّ الغد وغمّ الآتي.

أحمل آلاف الحكايات وقد دمّلت كتفيّ من أوجاعها ومآسيها. أحاول أن أضحك لكن كلّ راحل من هذا الحيّ أخذ شيئا من ابتسامتي، وطرّز بها طرف منديل شوقه وذكرياته.

ما كنت أحسب أن أحوال زمن طفولتي ستعود في زمن شيخوختي، إذ لا كهرباء، ولا ماء، ولا كسرة خبز ولا دواء، لكن في ذلك الزمان كنا كثيرين في البيت الوالديّ، أما اليوم فأحيا وحيدة، أتأمل صور الأبناء والأحفاد على حيطان  البيت، أقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارَا، وما حبُّ الديارِ شغفن قلبي، ولكن حبُّ من سَكَن َالديارا….

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *