هشام نشابة: التجديد يفترض احترام الإنسان والرأي الآخر

Views: 950

 وفيق غريزي

 

المتحدثون عن الثقافة كثيرون، ولكن قلة قليلة هم الذين يغوصون في أعماق الإشكاليات التي تعاني منها الثقافة العربية في هذا العصر، إن لجهة تفاعلها مع الثقافات العالمية الآخرى، ولا سيما الغربية منها، وإن لجهة مواكبتها للتطورات العلمية وعصر الفضاء، والدكتور هشام نشابة أحد أفراد هذه القلة التي تمكنت من وضع معايير للثقافة العربية وللحضارة العربية القديمة والحاضرة.

التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب

التفاعل الثقافي كان في مرحلة معينة غير متوازن بين الشرق والغرب، حيث كان للغرب التأثير المهيمن. فهل هناك في المرحلة الراهنة مؤشرات لإعادة التوازن المتبادل في التأثير والتأثر في ضوء المتغيرات الراهنة؟ إن موضوع التوازن في رأي الدكتور نشابة يتضمن في “الحقيقة معنى قيميا، ولذلك عندما نتحدث عن التوازن بين أدبين، نفترض أن هناك معايير للثقل النوعي، وهي التي تحدد فيما إذا كان التوازن قائما أو غير قائم، بين الموضوعين اللذين هما موضوع التوازن”. وهذا إلى حد بعيد غير ممكن، عندما نتحدث في الموضوعات الأدبية، فربّ عمل قد نراه غير ذي وزن في أدب معيّن، بينما يراه غيرنا ذا وزن كبير. وفي الوقت الذي ندرك تماما أن النشاط الأدبي في الغرب قد قطع مراحل مهمة، فلا يجوز لأحد أن يستهين بالجهد الأدبي الذي يبذل في البلاد العربية. “فهو جهد كبير”، يقول الدكتور نشابة الذي يضيف: “لا أحسب أنه من الإنصاف أن نعتبر أن الأدب العربي ترجح كفة مميزاته، إذا ما قورن بالأدب الغربي، بل أذهب أبعد من ذلك لأقول: إن بعض الشعوب التي صنّفت متخلفة قد يكون فيها أدب راق جدا، وكم من كاتب من بلد مغمور نال درجة عالية جدا في ميدان الأدب”. لذا، لا يجوز أن نعتبر أنه طالما هناك بلد متخلف في الميدان الاقتصادي، إهذا التخلف ينطبق على الميدان الفكري والأدبي. هذه ملاحظة أولى نعتبر أنها أساسية عندما تجري مقارنة في الميدان الأدبي.

من جهة ثانية، لا بد من الإشارة إلى أن الأدب الحديث في البلاد العربية، أدب غزير، ويعتقد الدكتور نشابة بأن بعضا منه يرقى إلى مستوى الأدب العالمي، ولكنه مع الأسف لا يلقى الدعاية اللازمة والرواج الذي تؤمنه الدعاية للأدب الجيد. هذه ناحية يجب أن نهتم بها لكي نعطي للأديب العربي الفرصة للظهور في الميدان العالمي. الإعلام أصبح ضرورة ماسة لكل أديب وشاعر ومفكر كي يلقى نتاجه التقدير الذي يستحقه. أما النتاج الذي لا يلقى أية دعاية ففي كثير من الأحيان يعتبر نتاجا مجهولا، وبالتالي لا يوزن بالميزان الذي يستحق. والنقطة الثالثة هي أن هذا العصر هو عصر العلم والتكنولوجيا، ويجب أن نعترف بأن المعيار الأساس الذي توزن فيه الأمور في هذا العصر المتميز بالعلم والتكنولوجيا هو المعيار العلمي، وبالتالي فإن التوازن المطلوب الذي ننشده لا يمكن أن يتم الا عندما ننظر إلى الأدب نظرة علمية.

اما النظرة القديمة التي ترى أن الأدب هو ضرب من المشاعر وسلسلة من الانفعالات التي يطرحهاالإنسان على الورق وينشرها بين الناس، هذه النظرة لم تعد مقبولة في هذا العصر العلمي والتكنولوجي. ولذلك يقول الدكتور هشام نشابة: “لا بد إذا اردنا التوازن من أن نعتمد العلم في الأدب كما نعتمده في اي ميدان آخر”، ونذكر في هذا السياق قول الشاعر معروف الرصافي في مطلع هذا القرن: “أدب العلم وعلم الأدب شرف النفس ونفس الشرف”. إن النص الأدبي لا يقيد، الأدب بطبيعته يتمرد على القيود، لا نستطيع أن نتحدث عن أدب نقيده بالواقعية وأدب آخر نقيده بالخيال، الأدب واقع يتوق إلى تجاوز الواقع، فإذا قيدنا الأدب بأن يكون واقعا وحسب أو انعكاسا للواقع وحسب فإننا نفقد بعدا مهما من ابعاده،هو ذلك التوق إلى  تجاوز النفس، وإلى تجاوز الواقع..

 

الأنا وعلاقتها مع الآخر

الأنا في ظروف معينة تعمل على الغاء الآخر، وفي أحيان أخرى تحقق وجودها عبر علاقتها مع الآخر كيف تتمثل هذه الإشكالية في النص الأدبي؟ يقول الدكتور نشابة: “هذه الإشكالية تتضمن جزءا نظريا وجزءا عمليا، وذلك يحتاج إلى امعان دقيق أكثر من الكافي. إنما الدكتور نشابة يعلق بأن “الخصوصية التي يتمتع بها الأديب لا يمكن أن تتقدم وترتقي الا إذا اعترفت بالآخر”. ولا شك في أن الاختيار الشخصي الذي يعبر عنه بالأنا والحس المستقل المتقطع عن عوامل خارجية، مهم جدا في المعاناة الأدبية التي يفترض في الأديب أن يكون قد عاشها قبل كتابته، ولكن إذا لم تعترف هذه المعاناة ولم تتفاعل مع الآخر فإنها تفقد بعدا اساسيا من أبعادها. المهم في اعتقاد الدكتور نشابة على صعيد الامثلة، في هذه النواحي نلاحظ أن الأدباء والشعراء الذين وجدوا الأصداء المؤدية من قبل الأوساط العربية هم الذين شعروا بالآخر أكثر مما شعروا بأنفسهم، يعني تفاهموا مع مجتمعهم أكثر مما تفاعلوا مع طموحاتهم أو رغباتهم الشخصية.. عندما نتحدث عن الأدب في مصر مثلا، نعتقد بأن قيمة الأدب المصري تكمن في المدى الذي استطاع فيه الأدباء المصريون أن يتفاعلوا مع مجتمعهم، فإذا بهذا الأدب هو انعكاس لواقع اجتماعي تعيشه مصر والبلاد العربية المجاورة. نفكر في توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهما، جميعهم عاشوا المشكلات في أدبهم، هذه المشكلات هي الآخر، مشكلات العالم في الآخر، احسوا به فانعكس على تفكيرهم وادبهم.

الحداثة إشكالية الحضارة

ثمة اشكالية تثيرها الحداثة، وهي استهلاكية الحضارة وليس إنتاجها فما هي السبل لتغيير هذه المعادلة لدى العرب، الدكتور هشام نشابة يقول في هذا الصدد: “لا شك، في أننا نعيش في وطننا العربي، حالة من التقهقر، هذا ينطبق على كل القرن العشرين الماضي. نحن في هذا القرن لم نتحفز للنهضة، لم ننهض بعد، عندما نتحدث عن كتبنا وأبحاثنا عن النهضة العربية ونحدد أن هذه النهضة أتت من القرن التاسع عشر، فإننا غالبا ما نحاول أن نربط هذه النهضة بالتغريب، اي بظهور المدارس الغربية والجامعات الغربية أو على النمط الغربي وما إلى ذلك”. هذا المنحى من التفكير ليس هو المنحى الصحيح. النهضة تتم عندما نصبح منتجين، عندما نتحول من مستهلكين لأدب الغير وإنتاج الغير، إلى منتجين للفكر الجديد المتفاعل الذي يستطيع أن يرقى إلى مستوى الإنسان حيثما كان، لذلك، لكي تتم النهضة هناك شروط هي: الشرط الأول، هو: الحرية، نحن لم نتمتع بالحرية الفكرية على المستوى الكافي، والذين كانوا احرارا في تفكيرهم قلة في تاريخنا الحديث. الحرية شرط للإنتاج. الشرط الثاني: هو الإبداع. والإبداع يفترض الشجاعة. نحن لم نكن شجعانا في إنتاجنا، كنا دوما مراعين لظروف ولأوضاع وأنظمة، تارة نتملق لها، تارة نخشاها، وتارة نمتدحه دون تملق لها وإنما نميل إلى غض الطرف عن اخطائها. وهذا حسب قول الدكتور نشابة: كلا يساعد على أن يصبح الاديب منتجا أو مبدعا “نحن نخشى من  الإبداع ونحاربه، الجديد لا يلقى دائما التصفيق والتأييد، ولكن التجديد أو  الإبداع هو السبيل للتقدم، وهو يفترض بالدرجة الأولى الحرية واحترامها واحترام الإنسان واحترام رآي الآخر.

 غياب النقد والفوضى الثقافية

إن غياب النقد العلمي والممنهج ساهم إلى حد كبير في تفاقم الفوضى الثقافية التي تعاني منها ساحتنا الأدبية ووسائل الإعلام تروّج للنتاج الغث على حساب السمين والأصيل. ويعرب الدكتور نشابه عن اعتقاده بأن “الحديث عن الغث والسمين في الأدب يعتوره اليوم الكثير من الأخطار، الموضوع إلى حد بعيد نسبي، وإنما يجب أن تكون هناك معايير للنقد الأدبي حتى يكون نقدا علميا، وأنا ألاحظ في  الإنتاج الذي نراه في السوق الأدبية والفكرية، أن المعايير التي تزين بها هذا  الإنتاج ليست معايير تتفق عليها، ولذلك ما نعتبره غثا قد يعتبره الآخر سمينا”. النقد العلمي يفترض معرفة المعايير التي تزين بها الإنتاج. وإذا صدر الكتاب أين وسائل الإعلام التي  تتناول هذا الكتاب بالنقد، إنما نطمح إلى يوم نرى فيه كل وسيلة إعلامية تفرد لكل إنتاج جديد، في مختلف الميادين الوقت الكافي لمناقشة هذا  الإنتاج، “أين هذا الالتزام بمعالجة موضوع الكتاب معالجة علمية تتفاعل مع الأديب أو الكاتب؟” ما حصل خلاف، فليس على المستوى الفكري، فالنقد اللاذع بين طه حسين وعباس محمود العقاد لم نعد نرى مثله، النقد العلمي هو بالفعل تعبير عن الاختلاف وفق معايير محددة ومعلنة مسبقا..

 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *