سجلوا عندكم

سلّم الولادة

Views: 929

د. جان توما

هذا درج بيت الولادة. تعبر اليه من ساحة ملأى بتنكات الزهور والحبق، ومساكب النعناع المنتشرة في الزوايا وحول بركة ماء.  كلّ البيوت البحريّة قديمًا كنت تعبر اليها من هكذا ساحات أسقطها الباطون .

هذا السلّم الحجريّ يقودك إلى بيت عربيّ علويّ. يتألف من غرفة صغيرة ومطبخ ومربع كبير وغرفة مستطيلة وسطيحة هوائية، وكان زمن العائلة الكبيرة ؛ أب وأم وخمسة أولاد وجدّة وعمّة عدا الوافدين من الأهل لقضاء ليلة أو أكثر ، وكان البيت الصغير يسع الكثيرين، لم يكن من تلفزيون ولا انترنت، بل راديو لجدّتي تلفّه ببعض “المغيط” الابيض لكثرة ما وقع منها وتكسّرت أطرافه.

كانت السهرة على ضوء القنديل والفتيلة المتنوّعة الأرقام، إضافة إلى القصص التي كانت تروى لنا، وأغلبها تبتغي منها الجدّة والأم أن تسرع لك بالغفوة كي لا تتوسّع قصص الفزع، لكن عينيك تأبى النوم خوفًا من تسلّل أبطال الرواية المرعبين على إيقاع ارتطام حبّات المطر على القرميد، وتسرّبها إلى داخل سقف البيت لتتساقط في وعاء وضعناه بدقّة ليستقبل الهاربين من السطوح بحثا عن دفء بيتيّ.

كيف نذهب نحن المخضرمين إلى التناصّ بين زمن الخمسينيات وما بعد زمن السبعينيات. تغيّرت الأحوال منذ النزول على سطح القمر عام ١٩٦٩ وزرع  قلب بشريّ عام١٩٧٠. طارت التكنولوجيا وتسارعت التقنيات وصرنا نحن الخمسينيين نشعر أننا نأتي من كوكب آخر. منا من بقي على خمسينيتيه رافضًا أن يغادر أسوار صبحيته أمام مصطبات البيوت وتحت كرمة العنب وجرّة الماء، ومنا من واكب العصر، وصار مخضرمًا يحن إلى شقوق حجارة الأسوار القديمة فيما يتنقل في المدينة الفاضلة.

كان السلّم الحجريّ يقودك إلى بيتك، إلى جمهوريتك. صار السلّم اليوم آليا يقودك إلى العالم لتبقى وحيدًا، في عزلة تؤمنها لك التقنية حيث تنظر إلى جمهوريتك ولكن لا تطأها بقدميك.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *