فلسفة بول ريكور وتوجهاته الجمالية
وفيق غريزي
إن المشروع الفلسفي للفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور يعد اكثر المشاريع الفكرية الغربية صلة بواقع الثقافة العربية من حيث اشتغاله اساسا على التأويل (الهرمينوطيقا) وتحليل الخطاب، والقضايا الانطولوجية، وهو ما قد يسعف المجتمع العربي بصدد سعيه لتجديد مختلف مظاهر خطابه الثقافي وانماطها، دينية كانت او غير دينية. وكذلك من حيث موقفه المتوازن في ما يتصل باشكالية العلاقة بين الحداثة والتراث، وكذلك روًيته الايجابية للدين والظاهرة الدينية. وهو بهذا يؤسس لنزعة انسانية كونية بالغة الانفتاح والتسامح، فضلا عن قيامه على منظور منهجي ومعرفي ينطلق من حتمية التفاعل بين مختلف فروع المعرفة الانسانية والاجتماعية للوصول الى اجابات مرضية حول الاسئلة الانطولوجية الكبرى.

البحث عن المعنى
يقصد ريكور بالفلسفة التأملية صيغة التفكير المنحدرة من مشاريع الكوجيتو الديكارتي “انا افكر اذن انا موجود” عبر فلسفة عمانوئيل كانط والكانطية الجديدة الفرنسية، ومن هنا يضعه جان لاكروا ضمن فلسفات التأمل العقلي، ويقول لاكروا: “المنهج التفكيري التأملي قد حطّم تحالفه مع المثالية، وبدلا من ان يكون بعيدًا عن الحياة المعاشة، نجده قد أخذ يضيء الوجود بالافكار، وهذه الاضاءة استخلاص لمعناه، هكذا عرف ريكور يعي وعيا اعمق من سابقيه ومعاصريه مشكلته هو، وهي مشكلة تفسير المعنى واستخلاصه، أي ما يطلق عليه اسم التأويل.
إن مشروع ريكور ينحصر في ايجاد حقيقة المعنى عن طريق مجهود يبذل لازالة الحجب التي يختفي وراءها المعنى، وكشفت فلسفته، التي انشأها حول الارادة، عن كل دلالاتها حين اصبحت شيئا فشيئا تأملا حقيقيا في اللغة.
الدكتور احمد عبدالحليم عطية، الذي حرر كتاب “ريكور والهرمينوطيقا ” رأى أن المعضلات التي تعتبرها أي فلسفة تأملية، المعضلات الأكثر جذرية هي تلك المتصلة بامكانية فهم الذات بوصفها ذاتا فاعلة لعمليات المعرفة والارادة والتقييم. والتأمل – التفكير هو فعل العودة الى الذات، الذي من خلاله تمسك الذات الفاعلة بالمبدأ الموحّد للعمليات التي تتشتت داخلها، وتنسى نفسها بوصفها ذاتا فاعلة. واذا كان كانط الذي يستشهد به ريكور يقول: “الانا افكر يجب ان تتمكن من مصاحبة جميع تمثلاتي”، فان هذه الصيغة كما يرى ريكور تتعرف جميع الفلسفات التأملية على ذاتها، وسؤاله الذي يطرحه علينا هو: كيف تعرف الأنا افكر نفسها؟ هنا تأتي الظاهريات والهرمينوطيقا، لتمثل انجازا وتحويلا جذريا الفلسفة التأملية.
جماليات اللغة والأدب
تمثل الكتب التي اصدرها ريكور طوال الفترة الواقعة ما بين العامين : ١٩٧٣ و ١٩٨٦، دلالة واضحة على طبيعة ونوع هذا التوجّه الأخير من توجهاته الفكرية، والتي تم الاتفاق على تسميتها باسم التوجه الجمالي، ويتفق ريكور “في هذه الاعمال مع ارسطو في النظر الى الكلمة بوصفها الوحدة الاساسية للاشارة ويضعها في الموضع الذي تتقاطع فيه البلاغة والشعر، فتقود البلاغة في رايه الى نظريات الاستدلال والالقاء، ونظم الخطاب، والاقتناء، ويؤدي الشعر من وجهة نظره الى تطهير العواطف بانتاج عاطفتي الخوف والشفقة”.
ويخصص ريكور فصولا مسهبة عن انحدار البلاغة منذ تحديد ارسطو لها مركزا على الاستعارة من حيث جوانبها الدلالية للخطاب والكلمة ومن حيث علاقتها ببلاغة جديدة وخطاب فلسفي واخيرا علاقتها بالمشابهة. وهو يؤكد انه لا يريد ان يستبدل بالبلاغة علم الدلالة الذي يفضي الى الهرمينوطيقا أو ينفي علمًا بآخر، بل يريد تقديم اساس نظري مقبول لمباحث البلاغة داخل حدودها الخاصة، وذلك لتترابط هذه المباحث في كل مستوى لغوي للكلمة والجملة والخطاب. ويشير الدكتور عطية الى أن ريكور يرمي من وراء التوفيق الى اقامة جسر بين التحليل اللغوي الانغلوساكسوني، الذي هو اقرب من مجال المناطقة وفلاسفة ونقاد الأدب منه الى مجال علماء اللغة.

التأمل والتأويل الفلسفي
إن البنية السيمانطيقية للتغييرات ذات المعاني المزدوجة أو المتعددة، تمثل لدى ريكور البوابة الضيقة التي يجب أن يمر منها التأويل الفلسفي، اذا لم يرد أن يقطع نفسه عن هذه الانظمة التي تنتمي بمناهجها الخاصة الى التأويل وتعود إليه مثل التأويل العملي المباشر، والتاريخ، والتحليل النفسي. لكن بنية التعبيرات المتعلقة بالمعاني المتعددة لا تعد كافية لجعلنا ننظر الى التأويل باعتباره فلسفة. فالتحليل اللغوي الذي يتعامل مع هذه الدلالات ككل يعد منغلقا على نفسه. وهذا سيجعله حتما يتعامل مع اللغة باعتبارها شيئا مطلقا مما يودي بالصورة الى انكار اللغة لقصد العلامة الاساسي الذي يشير دوما الى اللغة كما تشير اللغة باستمرار اليه. ومن هنا يقول الدكتور محمد هاشم عبدالله: “ذهب ريكور الى ان اللغة باعتبارها وسيطا دالا فانه يجب احالتها الى الوجود بالدرجة نفسها التي يحيل بها مارتن هايدغر هذا الوجود حيث ذهب الى وصف اللغة بانها منزل الوجود او الكينونة “. ويمكننا القول بأن مهمة فلسفة التأويل ستظل منحصرة في اكتشاف النماذج الكثيرة المعتمدة على الذات، أي المعتمدة على الرغبة الموحية بالحفر وراء الموضوع، او المعتمدة على الروح الموحية بالغائبة، أو المعتمدة اخيرا على المقدس الموحي بالاخرة، والحق انه من خلال “تطوير هذه الاركيولوجيا وتلك الغائبة بالاضافة الى ما يتعلق بشؤون الاخرة يمكن للتأمل، في اطار ذلك كله، ان يتجاوز نفسه باستمرار”.
فيلسوف المعنى
تعتبر اعمال الفيلسوف بول ريكور من اعمق ما عرفه عصرنا هذا، ومن اكثر الاعمال اصالة. فقد بدا بحثه من فلسفتي ياسبرز وغابرييل مارسيل، منتقلا الى اراء هوسرل، ومنها عاد الى كانط، الا ان هذا من وجهة نظر هنري دي لاكروا لا يعني انه قد تنكر لما سبق أن تأثر به قبل ذلك من أجل ما هو احدث من الاراء الفلسفية، يدل على ذلك انه عندما يستخدم قدامى الفلاسفة في تفكيره، لا يفعل ذلك بقصد التستر وراءهم، او بغرض الاسترخاء بعض الوقت، بل لكي يفيد منهم ويتخذهم اداة للتوصل الى ما يفكر فيه. وهو من حيث يفكر بعمق تفكيره كما يفعل “القلاووظ” في المعدن، والجو الذي يتنسمه هذا الفيلسوف هو بعينه ذلك الذي يتنسمه بعض الفلاسفة، بدرجة يمكن القول معها انه ما من احد استطاعتنا يفعل كما فعل ريكور، ان يجمع بين دسامة الفكرة ودقتها. ذلك ان الفلسفة هي في نظره لا يمكن ان تكون شيئا من العدم او دائرة تغلق على نفسها، وانها لا توجد دون افتراضات سابقة، ويؤكد دي لاكروا أن المنهج الفلسفي التأملي قد حطم تحالفه مع المثالية.
ولقد حاول بول ريكور الربط بين رينيه ديكارت وكيركغارد على هيئة وصف تفصيلي بقصد اثبات علم النفس لا بد ان يسبق الميتافيزيقا. ويحتفظ ريكور لما بعد بما يسميه شاعرية الارادة، وهي دافع يتطلب سلفا اجراء جرد للشيء الارادي ولغير الارادي. الا ان الوصف منذ تلك المرحلة كان وصفا ظاهريا، بمعنى انه “حاول جاهدا فهم واحتواء ما يصف، واستخلاص المعنى منه، ولكي يصل ريكور مباشرة الى المهم، يضع الخطاً بين قوسين، كما يقول هوسرل “الخطاً الذي يفسد التفسير العقلي للانسان وكذا يضع المتعالي الذي يمثل الاصل الجذري للذاتية”. وتعمل دراسته على بحث العلاقة المتبادلة بين الارادي واللاارادي، بحيث لا تفصلهما ولا تربط بينهما، أي بتعبير آخر، يرفض الازدواجية كما يرفض التوحيد بينهما، ذلك ان الارادي واللاارادي عنصران تكوينيان لما يسمى الارادة، والتفكير لا يفرض نفسه بنفسه، بل هو يعيش على لقائه وحواره مع الظروف التي يوجد منغمسا فيها.
المسار الفلسفي
لقد انطلق ريكور من هرمينوطيقا الرموز والاساطير، ومنها انتقل الى هرمينوطيقا النصوص، ومن هذه الاخيرة انتقل الى هرمينوطيقا الفعل، ليصل الى اخلاق وسياسة قادرة على الرد على انتقادات الكائن الهش الذي هو الانسان. وهكذا يقول الربيع ميمون: “فان الانسان لدى ريكور ليس بالسوبرمان النيتشوي، ولا الانسان، الحيوان الذي تحدث عنه ابن عربي، وانما الانسان الذي يعد فعلا وحقيقة انسانا”.
ان تكون انسانا مجرد انسان تشكل قيمة حقيقية في ميزان الوجود. رغم ان الانسان كائن هش وضعيف الا ان بامكانه ان يغدو قويا اذا ما استطاع ان يتجاوز العطب الاصلي الذي يمنعه من ان يكون هو نفسه، وان يحطم الزوايا المظلمة التي تحاصر وجوده، وان يدرك طبيعته في حقيقتها الارضية، كما “يدرك اصوله وغاياته النهائيه، وان يعيش وفقا لحكمة تمكنه من ان يكون في منتهى الانسجام مع ذاته ومع اقرانه، ومحيطه”. وهذا العالم الذي يتحداه، وكذا مجموع عالم الموجودات..
***
(*) الصورة الرئيسية: وفيق غريزي وبول ريكور