أحشاء الخارج
د. قصي الحسين
(أستاذ في الجامعة اللبنانية)
يتسع عالم الخارج، وتتسع أحشاؤه معه. والناس لا يعرفون مداه. وإلى أية جهات يمتد. ما لم تظهر أحشاؤه لهم. فيقفون على المعقول والمأمول، ويحددون مدى السعة ومدى ضيقها. لأن الخارج أفق لا ينتهي، إلا إذا إنتهى الداخل نفسه، الذي هو الشخص، أحشاؤه، وتوقف قلبه.
الخارج يقاس بمقاس الشخص نفسه، لإنه هو أحشاؤه. هو الذي ينشئ فيه ديمومته. وهو الذي ينشئ فيه حضوره. وهو الذي ينشئ فيه نصه المفتوح، والذي لا يغلق، إلا إذا توقف قلبه عن الكتابة.
الخارج هو ذلك الشخص، الذي أودع فيه أحشاءه: متونا ونصوصا وأقاويل ومواقف وحواشي. فلا يعرف الخارج، إلا من خلال صاحبه، ولا يعرف صاحبه، إلا من خلال أحشائه. فهي كل رسالته، أو بعض رسالته، أو شيء منها، في السفر الطويل على دروب العيش، ومن خلال ضروب الحياة وألوانها.
أحشاء الخارج لا تتراءى لنا، إلا من خلال داخل الإنسان. لأنه هو الذي يصف الخارج بعينه وبقلبه وبمشاعره، وبكافة حواسه. لا شيء في الخارج، غير ما أراه أنا نفسي. بهذا المعنى، أصبح أنا الداخل والخارج معا على حد سواء. هذة المعادلة، بحد ذاتها مسؤولية عظمى. ترتب على صاحبها، أن يتبصر في نفسه، ماذا يريد أن يكون. وماذا يريد من الخارج، وهو يطوي العالم تحت ناظريه، وفي قلبه وفي عقله. لأن الخارج بكل أحشائه، ليس إلا ما في داخلي. وآنئذ تصير “الذاتوية”، مرآة العالم، حيث أرى فيها نفسي بنفسي، من خلال العالم المترائي أمامي. من خلال العالم الذي يشف لي، بكل سعته، وبكل ضيقه، وبكل تراميه في الأبعاد التي لا تحد.
كيف يصير النص الذي أكتبه، مفتوحا على العالم، بلا إعجاز، وبلا معجزة. إنها مقدرة الذات في الإختراق. إنها مقدرة الذات في الحلول في الأشياء وفي الأمكنة. إنها مقدرة الذات، في السفر زمنا وراء زمن، حتى الدخول في الغياب.
ليس في الخارج، إلا أحشاؤه. هي التي خرجت مني وسكنته. وهي حين أستعيدها، لا أستعيد الخارج، وإنما أستعيد نفسي، إلى نفسي. وإلا ما معنى الحديث عن الشروق أو الغروب، والشمس هي الشمس، لا تعرف الشروق ولا الغروب. إنها رؤية العالم لها، حين نظر إليها، وأودعها نفسه، وعاد يتحدث إلى نفسه، عن الشروق، وعن الغروب.
في كتابه “أطروحة عن التحولات الكيميائية، يقول العالم الفرنسي الكيميائي إنطوان لافوزييه(1743-1794): “لا شيء يفقد. لا شيء يولد. وإنما كل شيء يتحول.” يؤدي هذا المعنى، إلى حقيقة الرؤيا الذاتية للأشياء. فهي هي كما نراها نحن. وهي تتحول بحسب ما يراها غيرنا. والنظر ليس واحدا عندنا. فلكل واحد منا نظره ورؤيته. وهذة هي الفردانية بعينها: رؤيا فردانية تجعل التحولات حادثة في العالم، بقدر ما يضع كل منا أحشاءه في العالم نفسه.
ليس الخارج مسؤولا عنا. فهو لا وجود له، بلا وجودنا فيه. وهو يأخذ معناه اليومي والفعلي والعملي، من خلال ما نمنحه نحن له، من رؤى. ومن عمل، تتحقق فيه رؤانا كما تحضرنا من خلاله. لا شيء في الخارج، غير ما نصنعه نحن له. غير ما نضعه نحن فيه. ولذلك نحن أحشاء هذا العالم، الذي يعيش بها، في ديمومته المستمرة، منذ الإنفجار الأول للكوكب، حتى الإنفجار الأخير.
حتما، يستعيد الكاتب نفسه من الخارج. يستعيد أحشاءه التي خرجت منه، لحظة إرتطامه المباغت بالكوكب. فلا يعرف منه، إلا ما يلتقطه من نفسه، التي يتعرف عليها متناثرة. يلتقط إذن من العالم نثريات نفسه. وهي هي. كما هو هو. فلا تذويق ولا تجميل. لأن النفس سيرة صاحبها. وهو لا يتعرف عليها، إلا من خلال هذا الإرتطام المباغت بالكوكب.
لماذا نحمل الكوكب إذا أخطاءنا. لماذا لا نعترف، أن ما نراه فيه، ليس إلا وجهنا. إسألوا إذن الكتاب والأدباء والشعراء والمفكرين والفلاسفة. إسألوا إذن السياسيين، كيف يرون أنفسهم في أحشاء العالم. في أحشاء الخارج. في إحشائهم هم. فأحشاؤهم، ليست إلا أحشاء الخارج الذي صنعوه. ليست إلا أحشاء العالم الذي صنعوه. ليست إلا أحشاء الخارج الذي تحول على أيديهم، دون زيادة أو نقصان. دون بهرجة ودون تزييف ودون تزيين.