انتفاءُ دولة وانطفاءُ شعب
حمزة منصور
الانتفاء في اللغة هو التساقط،الابتعاد، الجحود…
الإنطفاء في اللغة هو الخُمودُ والخُفوت والانتهاء.
“الدولة هي مجموعة من الأفراد يُمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين مُتفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية والتي تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها”.[1]
تستمد الدولة مشروعيتها عند الفلاسفة عن طريق :الإلتزام بمبادئ العقود المبرمة بين أفراد المجتمع، والتي تهدف إلى تحقيق المصالح العامة المتمثلة – بحسب الفيلسوف إسبينوزا – بحماية حقوق الأفراد ككائناتٍ عاقلة، أو تلك المتمثلة – بحسب الفيلسوف هوبز – في تحقيق السلام والأمن الإجتماعي:.[2]
الشعب مصطلح في علم الإجتماع والسياسة يشير إلى” مجموعة من الأفراد أو الأقوام يعيشون في إطار واحد من الثقافة والعادات والتقاليد ضمن مجتمع واحد وعلى أرض واحدة، ومن الأمور المميزة لكل شعب هي طريقة تعاملهم وشكل العلاقات الاجتماعية التي تتكون في مجتمعات هذا الشعب إضافة إلى أسلوب العقد الاجتماعي بين أفراده”. الشعب.[3]
هل تقارب دولة لبنان حدود مفهوم الدولة الوارد أعلاه؟
هل يقارب شعب لبنان حدود مفهوم الشعب الوارد أعلاه؟
أولاً، اشترط مفهوم الدولة خضوع أفرادها لنظام سياسي واحد متفق عليه يتولى جميع الشؤون.
لكن ما يراه كل لبناني هو عكس ذلك تمامًا إلى درجةغياب هذا النظام السياسي الواحد واستبداله بأنظمة سياسية داخلية وخارجية خاصة بكل مسؤول في هذه الدولة. ثانيًا، اشترط مفهوم الدولة أعلاه إشراف الدولة على جميع الأنشطة السياسية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية بهدف تطويرها وتحسين مستوى أفرادها.لكن ما نراه ويراه معنا كل مواطن هو عكس ذلك تمامًا ،فالدولة غائبة كليًا عن إشرافها من خلال غياب خططها التي تتجلى بغياب الاستراتيجيات والمخططات عن كامل الوزارات وتركها مرتعًا لاجتهادات الوزراء والموظفين والتي لا تتعدى اجتهادات تصريف الأعمال
.يتساءل المواطن: أين هي مصانع وزارة الصناعة ؟
أين هي مزارع وزارة الزراعة؟
أين هي معامل إنتاج الطاقة وتوليدها عند وزارة الطاقة؟
أين هي المناهج الحداثوية الموائمة لروح العصر والسوق وبناء الفرد الإنسان عند وزارة التربية؟
أين هو بناء المعلم ودعم المعلم عند وزارة التربية؟
أين هي المواصلات الحديثة عند وزارة المواصلات؟
ثم ألا ترون أن وظيفة الدولة عندنا تقتصر على جمع التبرعات والاستدانات والهبات والمساعدات من دول العالم إلى درجة بات معها المسؤولون يتفاخرون بذلك ويتسابقون لانتزاع تلك الهبات والتبرعات من الدول معتقدين أنها شطارة من شطارات رجال الدولة؟
أين هي أين هي…..؟
نستنتج إذًا أن ما لدينا لا علاقة له بالدولة وهو يكاد يشبه شكلاً بدائيًا من أشكال الحكم البدائية والتي كانت موجودة قبل ظهور الدول.
أما فيما خص مفهوم الدولة عند الفلاسفة فإنه هو الآخر بعيد عن متناول دولتنا .
فطوائف و”مجتمعات” هذا “الشعب الواحد” لا تلتزم بمبادئ العقود المبرمة بين أفراد المجتمع، والتي تهدف إلى تحقيق المصالح العامة المتمثلة – بحسب الفيلسوف إسبينوزا – بحماية حقوق الأفراد ككائناتٍ عاقلة، بل تعمل على المصالح الخاصة لكل مجتمع داخل *المجتمع الواحد الشكلي* ولكل طائفة داخل* المجتمع الشكلي* بل ولكل حزب من الطائفة داخل هذا المجتمع.
أيضًا نلاحظ غياب الدولة عن دورها المتمثل – بحسب الفيلسوف هوبز – في تحقيق السلام والأمن الإجتماعي.
الطامة الكبرى هو ذلك التناقض الكبير بين حدود مفهوم الشعب أعلاه ومفهوم الشعب اللبناني الذي يعيش في ظل دولة شكلية كما أشرنا أعلاه.. فأفراد هذا الشعب لا” يعيشون في إطار واحد من الثقافة والعادات والتقاليد ضمن مجتمع واحد وعلى أرض واحدة” بل لكل مجموعة”طائفة” ثقافتها وعادتها وتقاليدها ونوابها ووزراؤها ومدراؤها العامون .ولكل مجموعة نظامها التربوي الخاص بها المتمثل بمناهجها وكتبها وأساتذتها (ثقافة أساتذتها السياسية والدينية) إلى درجة أن ما تعطيه مدرسة أو مدرس في قسم من الوطن ؛مغاير ومعاكس لما تعطيه مدرسة أو مدرس من الوطن نفسه،حتى وللأسف الكتاب عينه، والدرس الرسمي نفسه.
أضف إلى ذلك ،فإن طرق تعامل وشكل العلاقات الاجتماعية داخل مجتمعات هذا الشعب هي أشكال نكدية على جميع الأصعدة.
نضيف إلى ذلك بُعدًا وعاملاً أساسيًا يؤدي دوره في حركة تحرر الشعوب وعلو شأنها وتحضرها وهو طبيعة ثقافة الفرد التي يحملها داخل مجتمعه والتي حصلها من مجتمعه الطائفي الخاص والتي بقيت محصورة به والتي ربما كان لها دورها في عدم قدرة أي فرد داخل مجتمعه الصغير على الانصهار في بوتقة واحدة.
وهذا ما ينسف مفهوم العقد الاجتماعي عندنا نسفًا نهائيُا.
نخلص من كل هذا العرض والتماثل بين مفاهيم الدولة والشعب المعياربة وحدودها من جهة ،وما هي عليه الدولة اللبنانية والشعب اللبناني من جهة أخرى،إلى عدم تطابق تلك المفاهيم المعيارية على واقع الدولة والشعب في لبنان.
وتبقى إشكاليات هذا النكوص الحضاري والتقهقر الاجتماعي(الحنين للتجمعات البدائيةالأولى)وعدم القدرة على استيلاد دولة مفتوحة على شتى الاحتمالات لكنها تجمع كلها على طروحات موضوعية لا يستطيع أحد تجاوزها : من المسؤول؟
من أين يبدأ الإصلاح والبناء؟ من الفرد أو المجتمع أو الدولة ؟ وكيف؟أ من خلال المدرسة أم المعلم أم العائلة أم الأحزاب ؟.
***
[1] https://ar.m.wikipedia.org › wiki ›.
[2] الإنسان والدولة في فلسفة هوبز.القدس العربي.
[3] editors of the
“site (12-2-2012), “Hobbes’s Moral and Political Philosophy.



