قراءة في كتاب “مدخل إلى تاريخ الرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة الحلبيّة البلديّة النشأة والبدايات”

Views: 510

 ر . سمعان – باريس

صدر عن دار نعمان للثقافة، كتاب جديد للباحث جوزيف الياس كحّالة في عنوان “مدخل إلى تاريخ الرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة الحلبيّة البلديّة النشأة والبدايات”، يضاف إلى قافلة الكتب التي كتبها ويكتبها هذا الباحث الفذ. وكان هذا الكتابُ قد صدر منذ عشرين عامًا باللغة الفرنسيّة. ثم قام مؤلّفه الباحث كحّالة بنقله الى لغة الضاد. مضيفا الى متنه الكثير من الحواشي، مما أضاف من أهمية الكتاب، فغدا كأنه مؤلّف جديد.

وصدَّر الكتاب الأرشمندريت بولس نزها، الرئيس العام الأسبق للرهبانيّة الباسيليّة الشّويريّة. ومما جاء في كلمة التصدير: “إنّ ما أورده العزيز جوزيف الياس كحّالة عن هذه الكوكبة من الأسماء ليستحقُّ الثّناء والشّكر، لأنّه يسلّط الضوء على قامات كبيرة وجليلة لمعت في سماء كنيستنا الملكيَّة…”

كتاب الباحث جوزيف الياس كحّالة فيه من التاريخ ما فيه، وهو حديقة فيها ما يكفي من الجمال والرونق، وأريج الورود، ووجوه أشخاص كثر زرعوا السلام والمحبة في الربوع، وعلى مساحات المسكونة. إنهم جراسيموس سمَّان، ونيكيفورس كرمة، وناوفيطوس نصري، وسواهم من مؤسِّسي الحياة الرهبانيّة في الشرق، في العصر الحديث. وقد أتوا من مدينة حلب الغائصة في عبق التاريخ المجيد. هذه المدينة التي انطلقت منها النهضة الكاثوليكيّة، ثم انتشرت في جبال لبنان، لتعطّره ووديانَه بعطر الحياة الرهبانيّة.

ويقدّم لنا الباحث كحّالة عرضًا مفصَّلاً عن انطلاق النهضة الكاثوليكيّة والرهبانيّة، في كلِّ أطيافها، من مدينة حلب التي لم تكن مركزًا للإرساليات الكاثوليكيّة فحسب، بل مركزًا لاهوتيّا مهمًّا كذلك. فمنها خرج مؤسِّسو الرهبانيّة المارونيّة-الحلبيّة، ومؤسِّسو الرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة الحلبيّة التابعة لطائفة الروم الملكيّين الكاثوليك.

إنَّ في سماء الحياة الرهبانيّة أسماء تبوَّأ أصحابها ذرى المجد، واحتلُّوا قممه العالية، وقدّموا للبشريَّة منافع جمَّة، ولكن نفرًا منهم يبقى طيَّ الكتب والنسيان، حتى يأتي مَن يزيلُ عنهم غبار النسيان، وينبشُ آثارهم، فيترجم لهم سيرهم، ويقدِّمهم إلى العالم، راصدًا دورهم الرهباني، وإسهامهم الحضاري الشامخ، كاشفًا مناقبهم وإنجازاتهم الرائعة، وعطاءَهم اللامحدود، في الأدب والفكر وعلوم الفلسفة واللاهوت. وهذا ما فعله الباحث جوزيف الياس كحّالة، إذ نبش بطون كتب التاريخ، وأخرج الى الوجود ما أغفله المؤرخون، أو نسوه من دون سابق قصد. فبيَّن للقارئ الكريم ما أنجزه أولئك العمالقة من جلائل الفكر وعظيم الابتكارات في مختلف مجالات الحياة.

يقع الكتاب في 190 صفحة، منها ثلاث صفحات باللغة الفرنسيّة. أمَّا البقية فهي باللغة العربيّة. ويقسم الكتاب الى مقدّمة طبعته الفرنسيّة، والى مقدّمة طبعته العربيّة، بقلم الأرشمندريت بولس نزها. وقد جاءت هذه المقدّمة لتدعِّم ما جاء في متن الكتاب، لا بل فيها زيادة عمَّا غفل عنه المؤلّف.

في تاريخ الرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة الحلبيّة البلديّة يعرض الكحّالة أهم أسباب ودوافع قيام هذه الرهبانيّة، بدءًا من مطلع القرن السابع عشر حتّى قيامها وتثبيتها كنسيًّا. ثم ينتقل الى حلب والنهضة الكاثوليكيّة التي عاشتها مدينة حلب بدءًا من القرن السابع عشر، وصولاً الى قيام الرهبنة. ثم يقدّم لنا عرضًا شاملاً عن الحياة الرهبانيّة في الشرق بعامة، وبلاد الشام بخاصة. (https://nuttyscientists.com/) ينتقل بعدها الى فصل جديد يقدّم لنا فيه حياة وأعمال ثمانية من مؤسسي الرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة الحلبيّة، بالإضافة إلى عبد الله الزاخر، مبتكر أول مطبعة عربيّة في الشرق، ذاك الذي يخصص له أكثر من عشرين صفحة، يتبعها بمقال كان قد نشره في مجلّة نشرة الأرمن الكاثوليك بحلب في العامين 2006 و2007، ردًّا على مقالة للأب كميل حشيمة، صدرت له في مجلّة المشرق في العام 2002 تحت عنوان “رائد يسوعيّ في بلاد الشام، الأب بطرس فروماج”. ويختم الكتاب بملاحق ثلاثة، تساعد القارئ على الانخراط في قلب التاريخ. الأوّل، لائحة بأسماء البابوات من 1400 إلى 1800. الثاني، لائحة بأسماء البطاركة الرّوم الملكيّين، من 1400 إلى 1800. أمّا الملحق الثالث، فيقدّم لنا لائحة بأسماء الرّؤساء العامّين على الرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة من 1720 إلى 1829، وهو العام الذي انقسمت فيه الرهبانيّة، الى بلدية وحلبيّة.

يتميّز نتاج د. كحالة في حلّته هذه باعتنائه البالغ بمفردات اللغة التي تأنى في اختيارها، وإمعانًا في الاهتمام أضاف إليها مقدِّم الكتاب اجتهادات كثيرة لا بأس بها. كما أنّ الإخراج جاء أنيقا يليق بالمؤلف وبدار نعمان للثقافة التي قامت بنشره.

الكتاب زاخر بالمعلومات القيّمة، ممتع بمضمونه، يساهم، في كلِّ الأحوال، بعمليّة التراث العربيّ المسيحيّ، وفي الدلالة الواضحة إلى إيمان مسيحيِّي الشهباء ونهضتها على سخاء قلَّ نظيره في المسكونة كلّها. هذا، ويجد القارئ لائحة بأسماء أهم المصادر والمراجع التي تفيده في بحثه عن تاريخ الرهبانيّة بخاصة، والكنيسة الملكيّة وأعلامها بعامة. ناهيك عن الحواشي المدبَّجة في متن النص، والتي تزيد القارئ معرفة على معرفة. لذا، يضاف هذا الكتاب إلى لائحة المؤلفات التي قدّمها المؤلّف الى مكتبتنا العربية ليكون مصدرًا من مصادر المعرفة لما يحتويه من معلومات غنية ووافرة تكوِّن مرجعًا لكل باحث في هذا المجال.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *