ماهية الإنسان وعوامل تكامُله في الفلسفة والدين
وفيق غريزي
إن دراسة الانسان وماهيته وكيفية تكامله في المنظومات الفلسفية والدينية، التي تم طرحها بشمولية في كتاب الباحثة سنا الحاج “ماهية الانسان وعوامل تكامله في الفلسفة والدين” ودفعت الباحثة الى اشكالية الواقع والمثال، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، لأن الانسان من حيث ماهيته نظريا يختلف عن الانسان الذي يظهر في واقعنا المعاصر، خاصة بعد ظهور فلسفة موت الانسان، وغياب العقلانية، يهدف هذا الكتاب الى ابراز امكانية تحقيق انسانية الانسان من خلال عوامل تكامله، وبما اجتمع لديه من عناصر القيم الانسانية داخل شخصيته، وتكيفها وتوازنها، للوصول الى غاياته واهدافه، فيعرف نفسه عاقلا قادرا على تغيير مصيره، من جهة، وابراز الفوائد العملية لعلاقة الفلسفة بالدين، ودورهما على الصعيد الانساني، من جهة اخرى، ولغاية تحقيق نزعة انسانية معاصرة عبر اجتماع الفكر المسيحي – الاسلامي، للقيام بنهضة اصلاحية، انطلاقا من الانسان، الذي ثبت وجوده وتقومت ماهيته عبر دين واحد برسالاته السماوية كلها جاءت لخدمة الانسان وصالحه وسعادته.
مفهوم الانسان في اللغة والفلسفة
الانسان كائن حي يتطور وهو في نمو وتكوّن باتجاه تحقيق الذات، وهو يتبع قانون الصيرورة الذي نلاحظه في الاجناس الحيوانية. وتؤكد الباحثة انه لا يمكن القاء الضوء على هذا الكائن البشري إلا من حيث وضعه ضمن مجموعة الكون والوجود، وهذا الوضع يثير تساؤلات وجودية حول ماهية الانسان وجوهره ومصيره، وللفلسفة هنا دور مهم في محاولاتها للاجابة عن هذه التساؤلات، لأنها تجهد وتسعى الى الكشف عن حقيقة الانسان، والى معرفة حقيقة الكون واسرار الطبيعة. الانسان يعني آدم، واصله لنسيان، لأن العرب قاطبة قالوا في تصغيره انسيان، وتنقل الباحثة عن ابي عباس قوله: “إنما سمي انسانا لأنه عهد اليه فنسي”. وعن ابي منصور
قوله: “اذا كان الانسان في الاصل انسيان فهو تفعلان من النسيان”.
اما الصفات التي يتميز به الانسان عن سائر الحيوانات فهي انتصاب قامته وضخامة قحفه، ووزن دماغه، وقدرته على الكلام وبشرته العارية من الوبر ورأسه المملوء من الشعر. الانسان عند الفلاسفة هو الحيوان الناطق، الحيوان جنسه، والناطق فصله.
قال الجرجاني في تعريفاته: “الانسان الكامل، هو الجامع لجميع العوالم الالهية والكونية، فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بام الكتاب، ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والاثبات.. فنسبة العقل الأول الى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الانسانية الى البدن وقواه، وان النفس الكلية قلب العالم الكبير، ولذلك يسمى العالم بالانسان الكبير. ولقد تناولت الفلسفة الانسان على مر التاريخ دراسة وتحليلا، وتعددت الاتجاهات الفلسفية، وكان لكل حضارة دورا في تطور النفس الانسانية، وقد يطلق مصطلح “نزعة انسانية” على الباحثين والمهتمين لمفهوم الانسان ووجوده وماهيته.
أما طريق النزعة الانسانية، حسب رأي الباحثة، فهو الانسان نفسه، ومما تمتاز به أنها تبدأ فتؤكد أن معيار التقويم هو الانسان، وتعتبر السفسطائية اليونانية أول من نقل البحث المعرفي من عالم الوجود الى عالم الانسان، ونصت على أنه شيء موجود بذاته ولذاته. وعبّر بروتاغوراس عن تلك الفلسفة بعبارته المشهورة “الانسان مقياس كل شيء، ما هو كائن بما هو كائن، وما غير كاين بما هو غير كائن”.
النظرة المثالية الى الانسان
اكدت النظرة المثالية للانسان على الوظيفة الخلاقة للعقل والتي تنص على أن الله قد خلق الوجود من العدم. واتفق المثاليون ايضا في تحليل الطبيعة البشرية وبخاصة في مسألة خلود النفس، وفكرة خلق الوجود وخلود النفس مسألة توافق بشانها واعتمدتها الديانات اليهودية والمسيحية والاسلامية، ويقابل المثالية المادية بشقيها المادية العلمية والمادية التاريخية التي حوّلت الفكر الى المادة، وتنص على أن الحياة قد بدأت من المادة ذاتها دون أن يكون هنالك من خالق أول لها. وبذلك تقول الباحثة سنا الحاج:” فالبقاء بعد الموت للنوع الانساني فقط وليس للفرد نفسه، (وهذا ما تناقضه بعض المذاهب الدينية التي تؤمن بالتقمص) ولا ثواب ولا عقاب بعد الموت، وبالتالي تنفي المادية الوجود الالهي”.
ومن ابرز ممثلي التيار المثالي الفيلسوف الالماني هيغل الذي تقدم بمذهب عقلي شامل، وتصور الحقيقة الوجودية على أنها نمو جدلي للعقل المطلق. وتشير الحاج الى أن هيغل انتقد منطق ارسطو وتبنى منطقه الديالكتيكي الذي استخدمه في رسم معالم فلسفة مثالية، معترفا بالذهن فقط، والذهن هذا يساوي الوجود. ويميز هيغل بين النفس وهي موضوع الانثروبولوجيا وبين الشعور او الوعي وهو موضوع الفينولوجيا، والروح هي موضوع علم النفس بالمعنى الدقيق.
وتؤكد سنا الحاج أن الروح المطلقة قصد منها هيغل “العقل المطلق”، اذ أن عقولنا عبارة عن مظاهر جريئة عن العقل المطلق (الله) ، ذلك أن العقل المطلق عندما مر في مراحله الثلاث، صار كل شيء منه، وهذا ان دل على شيء فانما يدل على النظرة المسيحية عند هيغل، والتي سادت بقوة في القرن التاسع عشر، ويرى أن الله انسان فمن وجوده المحض الى المادة العينية الى وجوده الحقيقي المحض مرة اخرى، حيث أن هيغل جعل من الانسان أن يكون الله بشكل عيني، اما مصير النفس فان الموت يعني الفرد وليس النوع الانساني، وهذا ما قال به شوبنهاور.
أما فريدريك نيتشه فقد انتقد هيغل كونه تحالف مع اللاهوت والاخلاق المسيحية حين دمجهما في النظام، وكونه اخر بدء المعركة التحريرية التي ينبغي خوضها في مواجهة كذبة آلاف السنين، وتختلف وظيفة الفلسفة عند نيتشة من وجهة نظر الباحثة عما كانت عليه في الخطاب الهيغلي، فهي لم تعد تخزين الموروث الثقافي للانسانية واكتنازه، ولا جعل الانسان الفرد معبرا لتقدم محتوم، انها ذات قيمة تمردية، فهي تسعى الى تحطيم وثن كبير متصدع في الثقافة الغربية.
ماهية الانسان في الدين
الدين بحسب ما جاء به الرسل والانبياء، هو ما أوحي اليهم من قبل الله تعالى، وهو الرسالات السماوية التي لم تنزل على مراحل واطوار الزمن الا بالحكمة الالهية تكمل بعضها بعضا. القديس اوغسطين يقول: ” الديانة هي التي تجعل الانسان سعيدا، اذ أن كل انسان عاقل يتوق الى السعادة، اذ يعترف بعض الفلاسفة من الافلاطونيين بان النفس البشرية، وان تكن عاقلة وخالدة، لا تستطيع أن تكون سعيدة اذا لم تشترك بنور خالقها ومكون الكون، وينكرون عليها الوصول الى السعادة، اذا لم يوحدها الحب النقي الصافي لله الكلي الصلاح، اللامتغير “. وترى الباحثة أن كون الانسان من صنع الله وخليقته وكونه صورة الله ومثاله ونايبه على الارض، وافضليته بين سائر المخلوقات، فهو كذلك كلمة الله.
الانسان كرمه الله وفضّله على كثير ممن خلق، وجعل من خلقه اهدافا وغايات، وحمّله الامانة والمسؤولية في ادارة شؤون حياته، والانسان الموحد الذي ينظر الى نفسه والى العالم بنظرة ايجابية يعلم غاية الله من وجوده وحياته والاهداف التي يجب أن يسير نحوها لتحقيق كماله الانساني وما يتعلق به في هذا الكون.
الاخلاق في ذات الانسان
ناقش الفلاسفة مشكلة الاخلاق وهل هي نظرية أم مكتسبة، منذ افلاطون وارسطو حتى عصرنا الراهن. قال ارسطو: “إن الشرير قد ينتقل بالتأديب الى الخير”، ولكن ليس على الاطلاق لأنه يرى أن تكرار المواعظ والتأديب، واخذ الناس بالسياسات الجيدة الفاضلة لابد أن يؤثر ضروب التأثير في ضروب الناس، فمنهم من يقبل التأديب ويتحرك الى الفضيلة بسرعة، ومنهم من يتقبله ويتحرك الى الفضيلة بابطاء.. إن ضرورة الخلق للانسان كضرورة خلقه، فلا انسانية بغير اخلاقية.
الاخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الانسان مستقلا عن أفق البهيمة، والاخلاقية هي الاصل الذي تتفرع عليه كل صفات الانسان من حيث هو كذلك، “والعقلانية التي تستحق أن تنسب اليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الاصل الاخلاقي،” وبالتالي فتكون نتيجة بطلان هذا الرأي الاقرب والاخص بالانسانية هو الاخلاقية. ويتفرع عليها كل الصفات ومنها العقلانية..