راسبوتين منقذاً وريث التاج الروسيّ
د. إيلي جرجي الياس
*الحلقة 37 من سلسلة القيادات الروسيّة والسوفياتيّة 1900-2022، رؤية تحليليّة واستراتيجيّة!!
من مغامرة إلى أخرى، وبين مشروع وآخر، لم يضع غريغوري راسبوتين فرص الوصول إلى الكرملين، حتّى كانت الفرصة الذهبيّة: راسبوتين منقذاً وريث التاج الروسيّ، في اللحظات الدقيقة والحاسمة!!
إنقاذ وليّ العهد ووريث التاج في روسيا، إبن آخر القياصرة الروس القيصر نيكولا الثاني، والقيصرة ألكساندر، ألكسي رومانوف، من الموت المحتّم، مهمّة استثنائيّة وخطيرة للغاية، فتحت الطريق واسعاً أمام المُغامر الجريء والطموح غريغوري راسبوتين، باتّجاه الكرملين، ليصبح تباعاً، يوماً بعد يوم، صاحب التأثير الشامل والمُطلق على العائلة القيصريّة الروسيّة…
انقاذ ولي العهد من الموت
“لقد توصّل راسبوتين أن يكون الأكثر تأثيراً على العائلة القيصرية الروسية في اتخاذ القرارات سواء كانت مصيرية أم عادية… عندما كانت عائلة القيصر مجتمعة بالتحديد في ذلك اليوم المشهود في تشرين الأول 1912 لحضور سهرة راقصة في قصر بيالوفيا في روسيا البيضاء، وعندما مرض إبن القيصر ألاكسيس بشكل خطير، كان راسبوتين مبعداً من العاصمة. بينما أصيب الأطباء باليأس من إنقاذ الفتى المصاب بالأموفيليا ولمّحوا بحدوث الأسوأ أمام القيصرة، أرسلت هذه الأخيرة برقية تتوسل شفاعة غريغوري الذي أجابها برقياً: رأى الله دموعك وسمع صلاتك. إبنك سيعيش!
إستعاد ألاكسيس عافيته، ما أثار ذهول الأطباء والوزراء وكل أفراد الحاشية.
من كان ليجرؤ أن يردع راسبوتين بعد هذه الحادثة، عن تحقيق طموحاته القيادية، وتوثيق أحلامه السلطوية الكثيرة، وتوطيد سيطرته على الإدارة الروسية؟!
وبرعاية القيصرة ألكساندرا وحمايتها، عمد إلى تعيين رجاله الموثوق بهم، في مناصب ومواقع الدولة الأساسية… لتستتبّ له السيطرة المطلقة، خلف عباءة العائلة القيصرية الروسية!!
رجل الغموض والطموح اللامحدود
طموح راسبوتين ليس له حدود، كأنّه بالمجد موعود!! كقائدٍ يقود، يفرض رأيه فيسود، يذهب ويختفي وفجأةً يعود… وتماماً يعرف ماذا يريد؟! قليله كثير، ودائماً يرغب بالمزيد!! رجل الغموض الذي أتى من بعيد!!
لم تثر شخصيةٌ تاريخية شهيرة غيرةَ المبدعين، وحسدهم وغبطتهم في الوقت نفسه، بقدر ما فعلت شخصية الروسي راسبوتين، ليس لجمالها الأسطوري الذي تجاوز الواقع فحسب، ولا بسبب اكتمالها الدرامي المذهل، وإنما أيضاً لخلود فكرتها التي لم تمت حتى هذه اللحظة، وأظن أنها لن تموت أبد الدهر، ما دام على الأرض بشرٌ بأطماعهم، وخوفهم من المستقبل، وأمراضهم، وأحلامهم، وكوابيسهم، وضعفهم، ونهم بعضهم لاستعباد بعضهم الآخر، وتوقهم إلى معرفة الغيب وما وراء الحُجب.”
(من مقالتي العلمية: الكرملين، من القيصر وكيرنسكي وراسبوتين، إلى تروتسكي ولينين وستالين: سلسلة من الأسرار والأحداث والمفاجأت!!، الدراسات الأمنية، مجلة فصلية محكمة، تصدر عن مجلة الأمن، العدد 91، تموز 2022، ص 74، 75). (www.biolighttechnologies.com)
***
* د. إيلي جرجي الياس، كاتب، وباحث استراتيجيّ، وأستاذ جامعيّ.