ديوان “همسات آمنة” لآمنة ناصر… واقعية الخيانة بكل قباحتها

Views: 574

أنطوان يزبك

 

يقول فريدريك نيتشه :

تكره الانثى الكذب ، ويكره الرجل الخيانة، كلاهما يكره ما يتّقنه جيدا ! ! …

 

ولو أن في كلام نيتشه بعض من مغالاة ، وبعض من اجحاف وحتى ملامح صارخة من قساوة وتجنٍّ  في أمكنة صعبة وموجعة من النفس البشرية ، تلك النفس التي هي دائما عرضة للفساد والإفساد، إلا أن مسألة الخيانة الزوجية تبقى عنوانا من نار وصواعق على صفحات القلوب وفي الوجدان المكتوي بالألم والحرقات، ألم متواصل بحدّة لا شيء يشفيه في ليال طويلة مسهدة معذبة وقلقة …

ففي حين يقول نزار قباني : هناك صمت أنيق لا يسمح لنا بالبوح ، مهما كان الوجع! آلت آمنة ناصر الشاعرة المقدامة الا وأن تجاهر على الملأ، بحقيقة مشاعرها و تقول كل شيء من دون لف ودوران.

أعلنت ما تفكر به من دون مواربة وخباثة ، وحين قفزت الخيانة إلى عقر دارها ، مهدّمة قصرها الذي بنته لبنة إثر لبنة،  تمرّدت بهدوء من دون انفعال وواجهتها هذه الخيانة العدوّة الساخرة الخبيثة ، بالشعر والقصيدة ..

الشاعرة آمنة ناصر

 

ساءلت آمنة بطيبتها المعهودة  الحب والقدر والمنطق فلم تلق جوابا ، بيد أنها أعادت تصويب السؤال إلى المرتكب بحدّ ذاته وهو الزوج ؛حين قالت في قصيدة “لا شيء لي” صفحة 35:

الحبّ ابننا

ولدناه نحن

فكيف قتلناه فيما بيننا

وقال لنا الله

لا تقتلوا ابناءكم من املاق…

أجل لقد باتت الخيانة الزوجية من قبل الزوج موازية لجريمة قتل الأبناء، حيث وحشية الجرم تصل إلى درجات غير محتملة ولا إنسانية ! قتل الأبناء يعني فصل الابن من قبل الأب الخائن عن الرابط المقدس وانتحار الأبوة الحقيقية.

يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

الغدر مكر والمكر كفر ..

وهل من مكر وكفر واجحاف وإساءة أكثر من الخيانة الزوجّية ؟ ! وهل من شعر كاف لينطق بالحقيقة واصفا الشعور وبواطنه في مرثية لا متناهية لهكذا فاجعة؟! ..

إن أسوأ ما في الخيانة أنها لا تأتي من عدو بل من الزوج عينه،  ولمن نتّجه في هذه المأساة ولمن نشكو، ألم مبرح يلتهم الذات الحائرة والجمرة مستعرة دوما  في القلب؟

 يقول الشاعر كريم العراقي في وصف الجراح النفسية:

لا تشك للناس جرحا أنت صاحبه

لا يؤلم الجرح إلا من به ألم

شكواك لناس منقصة ومن

من الناس صاح ، ما به سقم !

وعليه أكرر السؤال الذي تعصى علينا إجابته ؛ لمن تتجه آمنة بالشكوى ، فالشكوى صعبة وهي في كل الأحوال  لغير الله مذلّة والطلب من غير صاحب مكارم وعزة نفس ؛كمن يطلب مددا في صحراء قاحلة، لذلك كان الشعر وكانت الكلمة، فإذا لم تشف فهي على الأقل تقول الحق بشجاعة!

من ديوان إلى آخر تواصل الشاعرة مسيرتها الحثيثة التي أفضت بها إلى رحلة طويلة، رحلة تسلق أبراج العواطف وسبر أغوار الأحاسيس الأنثوية التي يجهلها ولا ريب  معظم الذكور، ولا يقيمون لها وزنا حتى!

 رحلة آمنة في ديوانها الجديد خطرة للغاية ، رحلة مدّ وجزر في ظروف صعبة، متحدّية، جريئة ومتحفّزة في آن، تصبو إلى الغوص أكثر فأكثر داخل سيكولوجيا هذه العلاقات بين الرجل والمرأة ولو حين تصل إلى حدّ بشاعة لا توصف ومواقف مقيتة ،ينفر منها الطبع السليم خصوصا حين تصف ذات الرجل الخائن وعشيقته الساذجة البليدة المستسلمة إلى علاقة من دون أفق ومن دون كرامة لا شيء فيها سوى الإذلال !

 نقرأ في قصيدة “تساؤلات” صفحة 15: 

كم يقتلنا الشعور عندما نعجز عن التعبير عنه!!

كم يقتلك ان تمنح كل ما لديك للآخرين وبكل رضى

وأن لا يبادلوك إلا بالنكران والجحود !! ….

ما نفع الكلام عندما يسقط في آذان موتى؟

تقلقنا هذه الكلمات، تؤلمنا ، تحرق في قلوبنا النفس الضعيف وتقضي على جذوة الحب الذي نحر نحرأ،  كما تضع العلاقات البشرية في كفة ميزان بين الخوف والألم ، الكآبة والنسيان الماضي والحاضر، يقول الفيلسوف سنيكا : لا يجب أن ننسى الماضي وإساءاته ،بيد اننا بحاجة إلى الصفح والنسيان لكي ننجو ونستمرّ.. خاصة أن المسيء هو إنسان ميت !

هكذا يعلمنا الدين وهكذا تفرض علينا التجربة وعلم النفس والعقل السديد ، فمن نصدّق؟ ! . 

في قصيدة “وعدتني” في الصفحة 19تقول آمنة :

أعلم أن الوعد

والحب واللقاء قد تاهوا منا

فمتى يا سيدي

تعلم أنك من الأغبياء

إبليس ضعيف يقنع

بأن بمكره

يكسب كل الأشياء!

كم هي مباشرة هذه الكلمات وكم عزيز هو هذا البوح ومكلف، مكلف إلى درجة السقوط في دوّامة العدم والضياع، والبقاء تحت سطوة الكائنات غير المنظورة من أبالسة وشياطين وكلها تعبث بالوعي وتشوّه المشاعر في حين ترزح الشاعرة تحت وطأة الأزمات والألم  والكآبة والعذاب من رحيل الأب وأفول الوطن كما نجمة راحلة وراء الغمام ، وصورة الأم  التي تتماهى آمنة في صورتها وحنانها وتلجأ إلى كنف محبتها وأمومتها فهي تريد أن تعيش كما عاش أبوها وامها ولكن التباس مجموعة المشاعر وتناقضها مع الخارج يفضي إلى كارثة، فالداخل إلى عالم العائلة وما فيه من حنان يشعر بصدمة حين يواجه دناءة الرجل وقذارته وخيانته ، ويسأل ماذا أتى يفعل هذا الإنسان ومن أين أتى، فيشعر لوهلة أنه قادم من عالم غريب ، عالم عدائي، واحد من غزاة الفضاء قادم من مجرّة العدم والجريمة ولا مكان له بين الناس الطيبين!

في قصيدة “صمت من وجع”صفحة 32-33 تقول آمنة :

إعلم

بأني صرت تلك العروس

المبتورة الأصابع

قبل تعفيرها بالحنّاء …

في هذه الأبيات نصل إلى ذروة التصوّر الشعري الذي يستجلب رعب اللحظة الإجرامية ، ومشهديّة القتل والترويع رعب الغزوات الهمجيّة التي تبتر أصابع العروس ، هذه الاصابع التي من المفترض أن تتعهّد الحب والفرح والايناع وتشفي من علل الوجود وتسقي نبتة الحياة، فتتحول إلى البشاعة والقبح والألم والدماء بدل الحنّاء التي من المفترض أن تكون لون الفرح مذكّرة بقصيدة الشاعرة العراقية  لميعة عباس عمارة في رثاء “سعد” حين تقول : أخضّب وجه دجلة بالحناء لكلّ من  يشفع في  السماء..الحنّاء هذا اللون الذي يميز الأفراح والاعراس ، خضاب يختصر البكارة التي من شأنها أن ترمز إلى الطهارة المتوارثة من أجيال وأجيال، لتسقط كل الأحلام وكل التمنيات في بئر عميقة من نزوات رجل ظنّ نفسه أنه من المسموح له أن يفعل كل ما يبتغيه من دون حساب! …

من يقرأ ما كتبته آمنة يدخل في دوار، يدخل في صراع روحي مادي متشعّب ولا يصدّق كيف قالت الشاعرة ما قالته ، خاصة في قصيدة بوح اسرّة صفحة 53 ، حيث تنقل لنا صورة الرجل الخائن ، وقاحته وساخته، قرفه وعذرا اقولها بكل أسف حيوانيّته الصارخة بكل مسام جسده الآثم وعقله النائم وتصرفه الظالم وقبحه الدائم ،خيانة الزوج فعلا لا يعادلها شئ في الفعل المؤذي الاثيم. نقرأ في الصفحة 53 :

لا تقترب مني

فسريري البارد

يشتمّ من على بعد أميال

نسبة ملوحة عرقك

ونسبة الخيانات

التي أثملت في جسدك المسامات…

الاعتراف بوقاحة الخيانة وتعريتها بهذه الصورة ، وتحديد غايتها التي ليست سوى الهدم المعنوي والنفسي والجسدي والشخصي من قبل شريك منحلّ ، مقرف ، خبيث، ساقط إلى درجة النتانة ، دفع بآمنة إلى الاعتراف بدقائق هذه الخيانة وقول ما لم تقله أنثى أخرى في هذه المسألة على الأقل بهذا الوضوح. وربّ سائل ما الفائدة من كلّ ذلك طالما وقعت الواقعة؟ والجواب يكمن في كامل الديوان حيث يسقط الشعر في عرين المآسي التي اضاعتها مناورات المجتمع وخشية الفضيحة والتستّر على الجريمة ، وخاصة في وصف جسديّ الزوج الخائن وعشيقته الآثمين ّنشعر حينها وفي لحظة معينة أننا نشاهد فيلما هوليووديّا من مثل فيلم: Basic Instinct -الغريزة الأساسية – التي ليست في الحقيقة سوى  غريزة تتفوّق على كل الغرائز الأخرى ، وتتحوّل إلى خيانة شبيهة بالجريمة الموصوفة لا بل تتفوّق على كل الجرائم الأخرى من التي عاثت في الدنيا والمجتمع فسادا ما بعده فساد .

إنها رحلة في معرفة السلوك الإنساني وفي التعمّق في الانتروبولوجيا وخصائص تصرفات الإنسان، مسح شامل لهذا الذكر نقيض الأنثى في ناحيته المظلمة ، وما يمكن أن يقترفه حين يموت فيه العقل والمنطق والضمير ويصير لعبة تحرّكه المتعة الجنسية الملحّة وما يترتب عليها من خسارات  في كل وقت وكل آن….

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *