إعصار ماريو سابا ضرب باكرًا
د. جان توما
عام ١٩٩٥، رفع الفنان الطرابلسي ماريو سابا (١٩٦٢ -٢٠١١) رؤيته التقنيّة في نصب سمّاه ” الإعصار”، عند باب منطقة يدخل منها الإعصار أو التنين البحريّ، آتيًا من الأفق، داخلًا إلى قلب المدينة الداخليّ. يتألّف من سبعين قطعة كومبيوتر وأربعين كرسيًّا، كما إنَّ جسم الكومبيوتر، أحشاءه، أطراف الكراسي والأشرطة والأسلاك كلّها معقودة على دوامة ملتوية من الإسمنت الرمادي، ترتفع سبعة أمتار في وجه البحر.
اختلفت الآراء يومها في نصب الفنان ماريو المستقبليّ، بعضهم سمّاه تهكّمًا “تحفة”، وبعضهم رأى فيه مرمى”أجهزة كومبيوتر معطّلة”. وحده ماريو سابا وشركة نار كومبيوتر للصديق عدنان خوري ورئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين، وجدوا فيه تعبيرًا عما سيؤول إليه عالمنا من تغييرات وتحوّلات وتبدّلات، وفق سياسة الآلات الناطقة وصولًا إلى الذكاء الاصطناعيّ الذي يبدّل اليوم، إيجابًا أو سلبًا، حياة الناس.
قامت بلدية الميناء عام ٢٠٠٥ بترميم النصب الآلي، بسبب تآكله من العوامل البحريّة، فبرز ما ذهب إليه الفنان في تظهيره شيئًا مبتَكَرًا متجدّدًا مذكّرا بالزمن الجميل العفويّ، كالدراجة الهوائيّة والحذاء الرياضيّ، وحبذا لو توافر للميناء مجلس بلديّ جديد يصون النصب ويجدّده، ويضيف صوتًا وصورة إليه ليماشي الابتكارات التقنيّة الحاصلة اليوم، في “أنسنة” الآلة التي قد تصبح لاحقًا صديق المنعزلين والمتباعدين في المجتمعات الإنسانيّة المتفكّكة والمبعثرة على حدود القارات والمحيطات المختلفة.
هذا إعصار قام عام ١٩٩٥، وما زال يعصف بمدينة الميناء والمدن والبلاد والعالم، عسى أن تحمل ” تنانينه” بردًا وسلامًا، لا قدحًا ونارّا.
روعة فعلا كان فنانا رؤيويا