شاعرات “مُصْطَنَعَات” بأيدي “بيّاعي” الشعر، وفي ظلال مجتمع ثقافيّ، ينخرُه الفساد الخُلُقي!
د. مصطفى الحلوة
تحت عنوان “إمرأة الفيس”، كتبت الباحثة والأستاذة الجامعيّة د.كوكب دياب نصًّا بليغًا طريفًا، من حيث مضمونه وأسلوبه التعبيري، حول المرأة الفايسبوكيّة، “الشاعرة” بلسان غيرها، وهي لا تمتّ بصلةٍ إلى عالَم الشعر، لا من قريب ولا من بعيد!..ونُوردُ النصّ كاملًا، بهدف الإفادة والإمتاع: “يكفي أن تكوني جميلة، ولو بالألوان والدهان والنجارة والقِطع المستعارة، لتخدعي كبار الشعراء بجمالك المزيّف، أو غير المزيّف، فيقعوا في شباكك الشيطاني، ويكتبوا بإسمكِ عدة دواوين من الشعر الفصيح، فتُصبحي، بين سنة وضُحاها، شاعرة قديرة وجديرة،
تتصدّرين المواقع والمنتديات والمجلّات والمنتخبات والمسابقات والموضوعات، بصورك المزيّفة، وقصائد غيركِ، المؤلَّفة والمستَلَفة! ثم تنتخبين نفسك، بعد ذلك، أميرة بل أمّارة بما تريدين! الشعر ليس ماكياجًا ولا خداعًا..الشعر صدقٌ مع النفس والآخرين..وسيسقط قناعكِ الثمين، ولو بعد حين..فالأدب ينبع من الداخل، وليس من الخارج!”. وتُنهي د.كوكب: “إمرأة الفيس” لن تصبحي “إمرأ القيس”، ولا ولم وليس!
تفاعل كثيرون مع هذا النص تفاعلًا إيجابيًّا، وجاءت أبرز التعليقات، على الوجه الآتي: بوركتِ، دكتورتنا الفاضلة/صدقتِ، والله/صدقتِ، والله، صدقتِ، والمنشور يخصّ شريحة معيّنة فاسدة، وكما يقول المثل: “يذوب التلج ويبان المرج”/مع الأسف، امتلأت الساحة الفيسبوكيّة بالكثير الكثير من هذه النماذج المبتذلة/الحديث ذو شجون، د.كوكب، لأنني لمسته بيدي.
خسرتُ الكثير بسببه، ولكن القمامة ليست خسارة، من كلا الجنسين/ العزاء أنّها ستبقى بقية عمرها جاهلة، تستجدي الآخرين ليكتبوا لها، بحجج واهية، وهؤلاء (أي الشاعرات المزيّفات) لا يدخلن برامج تعتمد على كتابة فوريّةلأبيات ما، حتى لا ينكشف أمرهنّ!
لعلّ أهمّ ما في هذه “اللايكات” ما أورده الشاعر عماد الكبيسي، الذي أشار إلى تجربة ، عاشها، في هذا المجال، رفض فيها أن يكون تاجرًا، في سوق نخاسة الشعر، فكان أن خسر أصدقاء كُثُرًا!
لم أعِش هذه التجربة، والحمد لله، كوني لستُ شاعرًا! بل إنّني، من خلال مواكبتي للحركة الشعرية في لبنان، كما للفعاليات والإصدارات الشعرية، وجدتُ “موديلات” من الشواعر (جمع شاعرة)، تشيبُ لها الوِلدان! إحداهنّ شبه أمّية، بدأت تكتب خواطر، أسمتها شعرًا منثورًا، تعجّ بالأخطاء اللغوية! وبعد فترة قصيرة، راحت تُطالعنا بكتابات شعرية “مقبولة”، وإثر بضعة أشهر، طلعت علينا بديوان شعري “مُصنّع”، على يد أحدهم، في أحد “أقبية” الشعر، لقاء مبلغ من المال، نقدته إيّاه، أو نقدته “شيئًا” منها! وهي اليوم تنعم بلقب شاعرة!..وقِسْ على ذلك، بما يخصّ المئات من الشواعر اللواتي سلكن عين الدرب! هكذا بتنا أمام طفرة شعريّة نسائيّة، غير مسبوقة!..وخُذْ على نصوص شعرية مختارة، تتصدّر صفحات الفايسبوك، وخُذْ أيضًا على ندوات شعرية، تُقزّز النفس، تعجز الشواعر عن تلاوة “قصائدهن” بلغة سليمة (يُذكّرنَني بالمنجّمة ليلى عبد اللطيف التي لا تُحسن قراءة التوقّعات التي تُكتبُ لها!).
هذه الظاهرة ليست مختصّة بالجنس اللطيف – يا لطيف – بل تعدّت إلى الجنس “الخشن”، بمنسوب أقلّ!
وفي توسّع بالمسألة، فإنّ بعض رؤساء الدول، في العالم الثالث، تُؤلَّف لهم دواوين شعرية وروايات، حتى يجمعوا مجد السيف ومجد القلم!
..”إمرأة الفيس” هذه، لا تنتهي مهمتها عند حدّ اصطناعها شاعرةً، بل ثمّة مهمة، على قدر كبير من الأهمية، تتمثّل في تسويقها، كي تُشتهر، عبر إطلالها من على المنابر الأديية، التي يتولاها إعلاميون ثقافيّون، متخصّصون في الشفط المالي وفي “الملط”، وهو نظير الشفط، أو بديلٌ منه! وحتى لا نكون من المفترين، هاكم هذا النص/الشهادة لإحدى الأديبات الرزينات المحصّنات، نتاجها الأدبي من فعل يديها! فتحت عنوان :”من الآخر”، كتبت، باللغة المحكيّة، في صفحتها على الفايسبوك: “اللي عندو سلطة، كرئيس منتدى او صفحة أو موقع، تحت ما يُسمّى أدب، أو شعر أو ثقافة، وأكيد ما بقصد الجميع، إذا ما صاحب الشاعرة وضهر معها وعمل علاقة، ما بيخلّيها تشوف النور، هالنور إللي ممكن يعتّم حياتها بعدين. مثلًا الإعلامي (فلان) ما في وحدة ما قطعت عن كنبايتو الشهيرة، إلّا وعمل اللعبة معها! واللي تمنّعت، وما قدر يُوصلّلا، اختفت عن المنابر! والمضحك، بل المقرف بالموضوع إنّو الكلّ، أصدقاؤه للعظيم، بيعرفوه إنّو هيك، بيبني علاقاتو الثقافيّة “من تحت لفوق”! وبيغطّوا عليه ..”. وتُضيف هذه الأديبة: “وإذا بيتحدّوني شوي، بذكُر أسماء اللواتي حكيولي شو عمل معاهن. بس عيب، وما بلومُن، كل وحدة منُّن عندا ظرف، بس فعلًا هيك كان بيصير، حسب أقوال الصديقات، وتسريب بعض الأصدقاء (..) وغيرو رؤساء منتديات كمان، بتوصل معاهم الوقاحة يهددوا الشاعرة، بكل وضوح، إذا ما بتكون خليلة أو عشيقة، وكلهن متزوجين، بينهوا أمرها، وبتختفي من عالم القرف اللي هني مفكرينو مجتمع ثقافي (..) أي، صدّقوا، وأكتر من هيك..”
..شيء مخيف، هذا العالَم السُفلي “الثقافي”، الذي يحسبه الناس، غير المنخرطين فيه، أنّه عالَمٌ حضاريّ راقٍ! إنّه عالَمٌ غشّاش، يصحّ فيه المثل المتداول : “مِنْ برّا رخام ومِنْ جوّا سخام!” (سخام تعني الشُحّار، أي الشحوار بالعاميّة).
إنّه زمن التفاهة والعُهر، الذي نعيشه، في جميع المجالات. بل هو الزمن، الذي استعرضه الفيلسوف الكندي، ألان دينو Alain Deneaut في كتابه، ذائع الصيت، La Médiocratie، أي زمن التفاهة، إذْ ثمّة غزو للتافهين، في جميع مناحي الحياة، في مؤسسات الدولة وإداراتها، في الجامعات، في مراكز الأبحاث، في المنتديات الثقافية والفكرية! هي ثقافة الفساد والإفساد، التي باتت خبزنا اليومي، حيث انهيار منظومات القيم، وانقلاب المقاييس، رأسًا على عَقِب!
***
*من بيادر الفسابكة/قراءة نقديّة في قضيّة.