جميل الدويهي ومدى الأدب المهجريّ(*)
د. جان توما
قد تجمعُ الدروبُ العتيقة والقادوميات قضاءَ زغرتا- إهدن وأقضية لبنان، في الوطن والمهجر، تجاورًا وسهلًا وتلالًا، ولكن ماذا يجمعُ بين الكتّاب الشباب وبينَ المحبريِّ العتيقِ، المهجريِّ جميل الدويهيّ؟
لا شكَّ في أنّ الرابطَ الأساسَ هو اللغةُ العربيّةُ، تلك الأبجدية ُالمشاطئةُ لقاموسٍ وبحرٍ من المفرداتِ والجمالياتِ البلاغيّةِ والإبلاغيّةِ. يتناهى إلى سَمَعِ من يكتبُ عن جميل نداءَ الغربة، وأناشيدَ السفرِ، وقيثاراتِ ملحِ الحنين، فيرى الكاتبُ الجديدُ أنْ يعكِسَ اسطورةَ قدموس وأوروب، فيخطف بمحبرتِهِ الدويهيَ المرميَ ما بينَ ضبابِ إهدنَ والقارةَ البحريّةِ في المدى البعيدِ.
ملاحظتي الأولى لكلّ كاتب عن الدويهي، قبلَ أنْ يبدأِ الكتابةَ: أنِ اخرج من الزمانِ والمكانِ، فالمهجريّون ” ركبوا عربيات الوقت وهربوا بالنسيان، وتركوا ضحكات ولادن منسية ع الحيطان”، فالمهاجرُ توقّفَ زمنُ الوطنِ عندَهُ، وما زالتْ في بالِهِ الصورُ المرفوعةُ على حجارةِ حيطانِ بيتهِ العتيق، لم تتبدّلْ ملامحُ النازلينَ فيها ورقًا باهتًا، بعد أن كان اشخاصُها يضجّونَ بالحياة، على الرغم من أنَّ الصورَ مزّقَهَا العمرُ، والحيطانُ تهافتَتْ كما غبارُ الريح، ولم يبقَ في قلبِهِ إلاّ الكرومُ والسهولُ وحبّاتُ التوت على حالِها، وثرياتُ الذهبِ تتغنّجُ في عروقِ الشمسِ، فيما تغيّرتِ الأحوالْ، وتبدَّلَ الوضع ومالْ.

هكذا صارت الدنيا، منذُ ما عادَ منديلُ الأمِّ يمسحُ زجاجَ الصور، وكرّ خيطُ التطريز عند حدود الدمع،ِ بعدما طالَ غيابُ المهاجرين، واشتاقَتْ الوجوةُ إلى الوجوهِ، مُنْذُ أنْ غنّت الذكرياتُ “” ضجرت مني الحيطان، ومستحية تقول”، راحَتْ شابيكُ اِلقرى، والعشب غطّى الدراج، وراجح ضاع بالأحراج. أقول للشباب الكتّاب أنِ اخرجوا في كتاباتكم عن الدويهي، إلى حيث الروح اليقظةِ، تلهو نسائمُها في نفوسِ المهاجرين، كما في روحِهِ، وهو الذي أنشدَ في تعبِهِ أنّه” صار لي شي ميّة سنة عم ألّف عناوين، مش معروفة لمين، ووديلن أخبار، وبكرا لا بد السماء ما تشتيّلي عالباب، شمسيات وأحباب، ياخذوني بشي نهار، واللي ذكر كل الناس بالآخر ذكرني”، ذكرناك جميل الدويهي ذكرناك، وقد تعبْتَ وجاهدتَ الجهادَ الحسنَ، فَنِلْتَ إكليلَ شاعِر المهجرِ والغربة.
كنتَ مثالًا لأولئك الذين يفتحونَ أغطيةَ محابرِهِم على الزمنِ الجميل، فينسجونِ من كلماتِهِم بساطَ ريح ِالحكاياتِ، يغزلونَ كبكوبَ صوفِ جَدَّاتِهِم، وتغمرُهُم نشوة ُأغاني الفلاحين، وترانيمُ مجاذيفِ البحريين، في غمرةِ تغريدِ العصافيرِ التي تُحَلِّقُ بأجنحةٍ متكسّرةٍ في أزمنةِ التعبِ والغربةِ والوجع.
جميل الدويهي كذاك البطلِ في تلكِ الروايةِ التي لقلّةِ الرزقِ يأخذُ الحطّابُ ابْنَهُ إلى الغابة ليتركَهُ هناك، فكان الولدُ يرمي حصىً صغيرةً ليعودَ إلى البيتِ مساءٍ، ولكن في المحاولةِ الأخيرةِ رمى الطفلُ فُتَاتَ خُبْزٍ ليستدلَّ إلى طريقِ العودةِ لاحقًا،، لكنَّ العصافيرً خانَتْهُ، فأكَلَتِ الفُتَاتَ فمحا المدى، ومُحِيَ الطريقُ، وضاعَ شادي. جميل راح َإلى تلكِ الأفياءِ الساحرةِ في تلك ِالغابةِ، وتركَنَا قصدًا نحنُ العصافيرُ نلتقطُ فُتَاتَ كتاباتِهِ المهجريّةِ ليُنْعِشَ البريّةِ هناك، ويرفعها إلى قدسيّةِ العربيّةِ التي هي رغيفُ الخبزِ الحيِّ في المحابرْ والمنابرْ… والمشاعرْ.
جميل الدويهي ابنٌ الصخرِ عنا، وابنُ المحيطِ هناك، يحملُهُ الضبابُ إلى مائيةِ الجزيرةِ الكبرى في العالمِ، ليستكملَ مسيرةَ أدباءِ المهجرِ ما بين القارتينِ وتوابعهما، وليربطَ ما بين القلميّةِ والأندلسيّةِ والاغترابيّةِ بالنصِّ المهجريِّ الذي يتوالدُ من النصوصِ الأخرى، كأنّ ما يذهب إليه الشباب الكتّاب في أدب الدويهي يُختصرُ بأنَّ النصَّ المهجريَّ ” يمتدُّ كبقعةِ زيتٍ من بيروتَ إلى الصين “، وأنَّ الجرحَ المهجريَّ مفتوحٌ منذ الرحيلِ الأوّلِ والشتات، وأنَّ جميل الدويهيّ حاملُ ” الكشّةِ” الشعريّةِ، يُنْشِدُ العَروضَ، يكتبُ الروايةَ، يؤلِّفُ، يبدعُ، يطبعُ، ينشُرُ، هو ذو الوزارتينِ، الثقافةِ والخارجيّةِ، وهو شاعرُ الحنين،” فالحنينُ، كما يقول محمود درويش، ” وجعٌ لا يحنُّ إلى وجعٍ، هو الوجعُ الذي يسبّبه الهواءُ النقيُّ القادمُ من أعالي جبالِ البعيدِ، وجعُ البحثِ عن فرحٍ سابق”. أيُّها السابقُ جميل الدويهي المهجريّ، واقفونَ عندَك، بانتظار…..الآتي.
***
(*) كلمة في حفل تؤأمة بين “لقاء” و” أفكار اغترابيّة، في دار الإفتاء الجعفريّ- جبيل- الجمعة 18 آب 2023