“الزبّال”… إنسان أيضًا
ميشلين حبيب
أعلم أن حياة الإنسان رخيصة في مجتمعنا لأن الفساد وأسياده لا يفهمون ما معنى إنسان، فمن أعمته المادة والاستبداد لا يستطيع أن يرى الإنسان أو يفهم معناه، لكني أعوّل على بقية قليلة أو بقايا من إنسانيّة لدى بعض المسؤولين لذلك، أنا أكتب هذه المقالة.
هل فكّرتم مرّة أن “الزبّالين” (عمّال التنظيفات) الذين يجمعون القمامة من أمام البنايات والمنازل هم عمّال تابعون للبلديات وليسوا جُرذانًا ومكانهم الطبيعي ليس فوق أكوام الزبالة في “الكميون” الصغير الذي لا يسع إلا لجمع نفايات حيّ واحد بينما هم يستخدمونه ليجمعوا نفايات أحياء عدة، مما يؤدي إلى تكدّس الزبالة أمام البنايات والمنازل لفترات طويلة، وطبعا تكون هذه الزبالة المكوّمة، ذات الرائحة الكريهة المضّرة، كنزًا للقطط والذباب والفئران والجرذان، ومصدرًا للأمراض، بخاصة أيام الصيف الحارّة، حيث تسرح البكتيريا وتمرح من دون رقيب أو حسيب.
ثم يأتي عمّال التنظيفات ويجمعون هذه القمامة المُفزعة بأيديهم ويرمونها في شاحنتهم الصغيرة ويقفون فوقها من دون كمّامة أو أي حماية.
ألا تظنون أن هذا العامل له جسد يمرض وتضرّ به أوساخ النفايات وجراثيمها؟ وإن مات، ماذا ستحسبونه كومة من الزبالة كتلك التي اعتاد أن يجمعها، أم جرذًا تتخلصون منه بتكنيسه متى نفق؟
لا، “غلطانين كتير”، لأن هذا العامل هو إنسان، وله حق طبيعيّ وقانونيّ بالحياة والحفاظ على صحته.
لماذا لا تؤمّن البلديات، وأتكلم بوجه خاص عن بلدية جبيل، شاحنات خاصة ذات آلية أتوماتيكية ترفع مستوعب النفايات وتفرغه في الداخل دون تدخّل مباشر من العامل، وبهذا تحفظه من الوقوف فوقها أو جمعها بيديه؟ ولماذا لا تؤمّن مستوعبات كبيرة في الأحياء حفاظًا على صحة الناس ومنعًا لتفشّي الأمراض والقوارض؟
لا أصدّق أن لا مال يكفي لشراء ما يلزم، فالأمر على هذا المنوال منذ سنوات عدة، وكما اعتدنا، فالإهمال هو سيّد النفوس الفاسدة التي رائحتها وجراثيمها أخطر من رائحة وجراثيم النفايات، فيغضّون النظر وتُترك الأمور لتحلّ نفسها بنفسها، وهي طبعا لن تحلّ أي شيء ولكنها ستتفاقم.
هذا الأمر المنافي للأخلاق وللإنسانية وللقانون يجب إيجاد حلّ له بأسرع وقت؟
إن الاعتناء بالإنسان أهمّ من الاعتناء بالمكان والكراسي والأطايب متى حضر أحد المسؤولين. ثم ألم تنتفخ الجيوب بعد؟ إن كان شركاء الفساد يغضّون الطرف فالله يرى جيّدا والعواقب لن تأتي سليمة.
في الختام أتمنى من المواطنين الكرام أن يضعوا النفايات في أكياس عند رميها. كما أتمنى أن توضع الأواني الزجاجية المكسورة في أكياس خاصة مع إشارة عليها أو في مكان يدلّ على أنها زجاج كي لا يجرح العمّال أيديهم خلال جمع النفايات. وإن كان باستطاعة أحد أن يسقيهم كوب ماء أو يتكرّم عليهم ببعض الطعام والحلويات والفاكهة، فهذا أمر إنساني يُشكرون عليه. كما أتمنى أيضا أن تُفرز النفايات وأن يقوم المواطنون ببعض الجهد، إذ أن مراكز إعادة التدوير التي تأخذ البلاستيك والكرتون والتنك والزجاج وتمنح بالمقابل مبلغًا من المال، أصبحت متوافرة وعددها في ازدياد، وهذه فرصة عظيمة للمساهمة بالحفاظ على بيئتنا المحليّة والعالمية، فممنوع التخاذل.
بيئتنا وحياتنا وصحتنا وبلدنا وأخينا الإنسان مسؤوليتنا، فلا نظننّ أنها مسؤوليّة جهة دون أخرى.