شوقي أبي شقرا يُزوّج الكلمات.. بالمتعة!
عبد الغني طليس
بقيَ الشاعر شوقي أبي شقرا مصرّاً حتى آخِر أيامه على تزويج المفردات لا على طريقة الزواج الأبدي المضروب بالروتين، بل على طريقة زواج المتعة الذي يكون لوقتٍ محدد ولأجَل معلوم. الكلمة اليوم بمعنى، وغداً بمعنى آخَر نتيجة ربطها بما يفاجيء من الكلمات. لا صبر عنده ليظل مواظباً على واقع المُفرَدة العربية كما هو، لذلك يُنَقّلُها من حالة إلى حالة.
هذا الأسلوب ليس شائعاً في اللغة العربية كما هو عند شوقي أبي شقرا. وحين تقرأه ينبغي أن تكون مستعدّاً لترى كلمات ليست كالكلمات بل الكلمة الواحدة لها دلالات عدة، وتأخذك في غرابة متتالية ومتمادية. لستُ أدري ما إذا كان وهو يكتب يفكّر كثيراً في المعنى، وتالياً هل يهمّه أن يصل القارئ معه بالضبط إلى المعنى الذي فكّر فيه. كثير من الفانتازيا البصرية في شِعره، وتستعيد معه شيئاً كثيراً من طفولة الأشياء، ومن طفولتك. كل كلمة تخطر في باله يمكن أن تنزل في أي لحظة كتابة مع أي كلمة أخرى، ولهذا يبدو لك أنك لا تفهم قصده، وإذا اجتهدتَ، تفهمُ ما تراءى لك أنه صحيح لا ما هو الصحيح الذي على الورق. لذلك إذا كان صعباً جداً والبعض يقول مستحيلاً أن تحفظ مقطعاً شعرياً من النثر الشعري بدقة، إلّا بقدرة ذاكرة ثاقبة ودقيقة، فإن حفظَ شِعر أبي شقرا معدوم الإمكانية لأنك وأنت تقرأه لا تستطيع أن تحيطَ بمكان الكلمات في معان مبهمة أو لا حدود واضحة لها، فكيف وأنت تتذكر!
***
قراءة شوقي أبي شقرا تتطلب جهداً غير القراءة وغير التفكُّر وغير المتابَعة النصّية، هو جهد التخلّي عن عاداتك في القراءة وعن أسلوبك في الحُكْم على ما تقرأ. فعلاً يكتب شوقي كما يحكي الأطفال. في لحظة كتابته، تطيح بك الجُمَل المتسابقة لتلتقط معنى طيّاراً فرّ من شوقي فيستخدم كل طاقته لإعادتهِ إلى مكانه المُراد وتالياً إلى ذهنك لكن عبثاً يفعل لأنّ ما أراده غير واضح إلا له (ولستُ أكيداً من جملتي هذه!) وما تظنه قد توضّح عندك، يبقى غير واضح!
قد لا يصدّق القارئ أن القصيدة ذات التفعيلة التي أُورِدُها هي لهُ. لكنها لهُ. وهي مرحلة مرّ بها شوقي سريعاً قبل الوصول إلى أسلوبه الآخَر المعهود والذي اعتمده أطول مدة من عمره. من قصيدة “ساقية السجن”:
قفصي فيه ثيابُ السجناء
وأنا أركعُ كي أغسلها
بخمور المائدة
بأباريق الرجاء
عندما أبدأ أدعو حارسي
أبصقُ الأشعار في كل هواء
وعلى رِجليه أُلقي
كل أحلامي العفيفة
إنني ساقيةُ السجن الضعيفة
وحياتي باردة
كدنانير الخليفة»
يتبين من هذه القصيدة وبعض قصائد غيرها أن شوقي أبي شقرا هو واحدٌ مِنْ قلّة، من شعراء النثر الشعري، يعرف العروض ويكتب على التفعيلة لكنّ خياره كان قصيدة النثر. لم يذهب إلى القصيدة النثرية لأنه عاجز عن العروض ومستلزماته، بل لأن عقله ومزاجه أخذاه إلى هناك. وهذه الدرب من الموزون الشعري هي النقص الذي انكشف عند جُلّ من كتب قصيدة النثر بعد جيل الروّاد. وثمة ملامح في القصيدة أعلاه تشي بتشابه مع أسلوب الشاعر يوسف الخال في أول وثاني دواوينه.
***
على أن شوقي أبي شقرا الذي طلّق بإرادته الموزون من الشعر لم يحمل كبعض الآخَرين من جيله أو الجيل التالي حقداً على شُعراء الكلاسيكية والتفعيلة، وصفحة «النهار» الثقافية في أيامه كانت لا تستثني من النشر أي قصيدة جميلة في كل أنواع الكتابة، وهذا حصل بتجربة شخصية وتجارب الكثير من الكلاسيكيين وشعراء التفعيلة. أقول حقداً، بفم ملآن، لأن تجارب أغلب مسؤولي الصفحات الثقافية من الثمانينيات إلى اليوم، أُعيد إلى اليوم، وفي ما تبقى من الصحف، تعتمد استبعاد الشعر الموزون المقفّى كأنه لعنة قاصمة، بينما تُفْرَد المساحات لأي «قصيدة» نثر ولو كانت من سقط المتاع!
أعود إلى شوقي أبي شقرا لأقول إنّ كتابته النثرية النقدية أو الاستذكارية «شوقي أبي شقرا يتذكّر» مختلفة في حدود جلية. النثر النقدي عنده يحافظ على استقلال الكلمات بحالها لكن مع منطق أكثر لربط الجُمَل ببعضها. أسلوب النثر النقدي أو الاستذكاري عنده سلس، غريب لكن قريب ويحتاج فكفكة لهذه الجملة عن تلك، وهو استطرادي يذَكّر بالاستطراد عند الجاحظ، على بُعد المسافة. شوقي غير مباشِر؟ نعَم. غير مباشر، ويختفي شخصياً وراء ما يقول تاركاً شوقي الشاعر يعالج ما دبّجه شوقي الناثر الذي ما أن يضع القلم على الورقة حتى تسيل القريحة بترددات عالية ودلالات جميلة. حتى في المواضيع التي أثّرت سلباً فيه في حياته، يتذكرها بلمسات لا باليد كلّها، وبطرَف الخاطر حتى ولو كان مكسور الخاطر منها.
على أن التجربة الصحافية الثقافية كانت الأقوى انتشاراً في شهرة شوقي أبي شقرا المهنية. كان رئيساً لصفحة الثقافة في الزمن الذي قيل عنه إنه جميل في لبنان، لبنانُ صحافةِ العرب ومستشفاهم وجامعتهم ودار نشْرهم وموئل الحريات للفارين من أنظمتهم وأغلبُهم من المثقفين والفنانين والسياسيين. صفحة الثقافة في «النهار» كانت أحد عناصر القوة الأبرز في شُهرة الجريدة، وحضورها. وكان أبو شقرا عميدها وزعيمها وسيّدها الذي لم يتصرّف يوماً كزعيم. كان صدرهُ واسعاً جداً ولطيفاً جداً. وإذا كان في السياسة تعبيرٌ دقيق يقول «آلةُ الرئاسة سعة الصدر»، فإن شوقي أبي شقرا كان يتصرف على هذا الأساس وبوجه بشوش لم يذكر أحد يوماً أنه عبسَ أو تقطّب في استقباله وفي تسلُّمِه القصائد والمادة الثقافية نقداً لشِعر أو رواية أو فكر أو خواطر أو عروض مسرحية وسينمائية.
من كل العالم العربي كانت تأتيه المادة وكان يعرف أن هذا يجعل الصفحة أكثر امتداداً وأكبر دوراً. فالنّشر في الصفحة الثقافية في «النهار» كان يهزّ الأركان أو يُفرحُها أو يوتّرُها. كانت بعض غاية التأليف أن يقرأ المؤلف ماذا سيقول عنه كتّاب الجريدة وما هي الانطباعات عن تأليفه. إلى هذا الحد كان شوقي أبي شقرا مُعلّماً في إدارة الصفحة وتوجيه نُقادها. ولم يكن أحد من المؤلفين أو الكتّاب الذين يراسلون الصفحة لنشر نتاجهم، ليغضب لو مهما فعل شوقي في المادة تصحيحاً وتشذيباً. كان يعرف في المقال المطوّل مثلاً ما هو الضروري وما هو الحشو فيُعمِل قلمه الأحمر واضعاً النقاط المهنية على حروف الجميع، ليشطب الحشو ويُبقي الدّسم النقدي أو الأدبي. وكان العاملون في الصفحة الثقافية ديوكاً بين الكتّاب والشعراء والفنانين يدركون ماهية الصفحة وجلجلة صوتها، لكن أبي شقرا كان لهم بالمرصاد في عدم تجاوز الأخلاق المهنية.
القلم الأحمر على المادة الصحفية، كان إلى جانبه لسانٌ أحمر ينظم الصفوف والأفكار ويضيء طريق «جماعته». وتشهد الصحيفة على المرّات الكثيرة التي كانت تحصل فيها «اشتباكات» مع المكتوب عنهم من أهل الثقافة في الصفحة، وكان القارئ هو الرابحُ موادّ راقية تحترم العقول والقلوب. وكان شوقي أبي شقرا يُشرف على صفحة «مدنيات» التي كانت بعض موادها مما يفيض عن قدرة الصفحة الثقافية على الاستيعاب.
***
أما الذكاء والحذاقة والعين الضاربة في الحلُم فكانت في الصورة الفوتوغرافية اليومية التي كانت تُنشَر في رأس صفحة الثقافة في السبعينيات وبعض الثمانينيات. يصوّر مصوّرو الجريدة لقطات من يوميات الناس أو من الطبيعة أو من الشوارع، ويحرص المصورون أن تكون الصور ذات فنيّة عالية. تأتي الصورة إلى شوقي فينظر فيها، ينظر لا كما ينظر الآخرون، ثم حين تقفز الخاطرة يضع على الصورة تعليقاً هو جُملة واحدة لا غير. جملة غالباً ما تكون رمزية وتتطلب من القارئ مستوى ذكاء وخيَالاً واسعين لإدراك المعنى فيها وهي كانت تَختصر بنفسها مقالاً أو حتى قصيدة. وما وراء الأشياء المنظورة من إيحاءاتٍ أبلغُ من النظر، استقاه شوقي، طبعاً، من طبْعه الشعري اللماح والشفاف. وكثيراً ما كان هواة التصوير في البلد يَجمعون تلك الصوَر المنشورة في الجريدة ويحتفظون بها. وكل مرّة كان تعليق أبي شقرا يتجاوز الصورة نحو ما يمكن أن يكون في خياله هو، أكثر تعبيراً عنها.
“أريد أن أصنعَ عالماً شعرياً خاصاً بي”، قال شوقي أبي شقرا كلاماً حاسماً، نُشر في محاضر جلسات «خميس شِعر» الذي أصدرته «دار نلسن» قبل سنتين. كان أساطين المجلة حاضرين لنقاش أول مجموعة شعرية له، من يوسف الخال إلى أدونيس وأنسي الحاج وخالدة السعيد وعصام ومحفوظ وفؤاد رفقة وغيرهم. كان واحداً منهم، وكان أساسياً بينهم وكان كعادته لا يتحدث كثيراً. قد تكون إحدى أكثر عادات أبي شقرا سوءاً أنه كان لا يتحدث للإعلام إلا نادرا وأندر من النادر. لا مقابلات في التلفزيون ولا الإذاعة ولا الصحف غير شيء يسير، ويسير جداً. وفي حين كان رفاقه المؤسسون مجلةَ شِعر ناشطين إعلامياً كان هو مُقلّاً «حتى يفَضّل عنه». غيره كان يملأ الأمكنة بغرض أن يملأ الأزمنة، أما هو فاكتفى بالقليل وعبّر عن نفسه بالمجموعات الشعرية وفي صفحة «النهار» التي كان، من الغريب، أنه لم يستغلّها لقلمه. ربما فترة قصيرة كتب مقالات ثم انكفأ. أكرّر لم يستغلّها لأن مسؤولي الصفحات الثقافية عادةً «يَبلّون» أيديهم بالقراء وبالكتّاب صعوداً ونزولاً بآرائهم التي غالباً ما تكون مسلوقة. أما شوقي فلم يظهرْ راغباً في أن «يُبَوشِق» على النقاد في الصفحة، وليس مضطراً للنزول إلى العراك مع الآخرين. صدقاً كان عالي المقام بين الشعراء والكتاب والفنانين واختفى في مكتبه، يقرأ ويصحّح ويقرّر ويرسم مع كل ليلٍ صفحةً تصدر في الصباح فيتلقفها أهل الثقافة بلهفة واحترام.
***
في البُعد الشخصي:
شوقي.. يا شوقي.. يا شوقي أبي شقرا وأنتَ في غرفة العناية الفائقة هل تذكر ذلك الفتى إبن الأربعة عشرَ ربيعاً (أظن عام ١٩٧٠!) يتصل بك في النهار أيام كنتَ مسؤولاً عن الصفحة الثقافية ويطلب مقابلة معك لينشرَها في مجلة «مدرسة الآداب النموذجية» وقد كان الفتى رئيساً لتحريرها. كنتُ أتصبّب عرَقاً خُرافياً ونفَسي يتلجلجُ وأنا أُقابل شخصاً كنت أعتبره خرافياً في شِعره وصفحته الثقافية وأيضاً في حضوره عبر «ملحق النهار» الذي كان بعهدة الشاعر أنسي الحاج. لا أنسى أكوام الكتُبِ التي كانت تلفّك من كل جانب وأعتقد أن عادة تكويم الكتب على طاولة أي مسؤول لصفحة ثقافية، جاؤوا بها من عندك وأغلبُهم كان يقصدك في المكتب لنشر قصيدة أو مقالة. لم أكن راغباً في مَسح عرقي النازل شلالاً بيَدي حتى لا تنتبه أنني مرتبك وخجول، وكنتَ بابتسامتك اللطيفة وكلامك المحبب تحاول أن تنسيني العرَق، وأن تُهَديء من روعي. وبسرعة قياسية سلّمتك يومها ورقة الأسئلة التي أعجبتك وقلتَ لي «حلوين أسئلتك» وغادرتُ على أن أعود لاستلام الأجوبة بعد أيام. وقد خرجتُ من عندك كأنني قابضٌ على.. الشّعر والصحافة الثقافية معاً. ويوم عدتُ لاستلام الأسئلة خشيت أن أُصاب بالبلبلة نفسِها، فطلبتُ منك أن تودِعَها على المدخل مع العامل هناك، وأعتقد أنك عرفت هدَفي حين ضحكتَ على الهاتف من دون أن يطلع صوتك!
لا أزال أحتفظ بنُسخة من المجلة المدرسية، وأحافظ عليها مع بعض أشيائي القديمة أنا الذي لا يعرف كيف يحفظ شيئاً. وكنتُ كلما عُدت إليها قرأتُ المقابلة مرة جديدة، ودققتُ في السؤال الذي قلتَ لي على أساسهِ يا أستاذ في «زيارتي» الأولى «حلوين أسئلتك» وهو: «أنتَ في البيت أو المكتب، طلَعت على شبّاكك وردة، ماذا تقول لها»… فأجبتَني بخط يدك: «أفعلُ شيئاً، أهجم عليها، آكلُها وأمشي، وسيّدة حمراء تُطِل من بطني الشفّاف».
***
ومرّت سنون، وكبرتُ سنُوناً فصِرْتُ ممن يَنشر شوقي لهم القصائد ومقالات الحب في الصفحة الثقافية وأفرح به، حاملاً القلم الأحمر الذي كلما رأيت قلماً أحمر أتذكّر قلم شوقي وحاجبيه المعقوفين أكثر من عقفة حاجبي مارون عبود. وكل يوم كانت تُنشَر لي مادة في «النهار»، كنتُ أشعر أنني.. “حدا تاني أكبر بكتير”.
سأُسِرّ لشوقي شعوراً لازمني منذ سنتين حين قررت كتابة مقالات نقدية مطوّلة عن الشعراء الذين أحبهم أصدرتُها في كتاب «لحظة يا زُعَماءَ الشّعر» عن «دار زمَكان» أنني لم أنس أحداً من كبار شعراء الحداثة اللبنانيين والعرب (أكثر من خمسة عشر شاعراً) وهم رفاق شوقي في التجربة والطليعية. كتبتُ عنهم جميعاً ما عداه رغم حبي وإعجابي بتلك اللغة التي نزلَت عليه بسلطان فكتب بها أجمل الاختراقات الشعرية والأدبية معنى ومبنى.
ذلك أنني كلما كنتُ أستعدّ للمقال عن شوقي، تعود لي صورة ذلك الفتى الذي يتصبب عرقاً ويكاد ينقطع نفَسُه، فأتراجع عن الكتابة. (يبدو أن الحال تغيّرت معي حين علمتُ بدخولك العناية الفائقة في المستشفى، فكانت هذه المحاولة التي بين أيديكم).
أنا أُحبُّك يا شوقي.. يا شوقي أبي شقرا كما كنتُ أشعر أنك تحبني. أعرف ذلك، وأعرف أن هذا النوع من الحب ليس وارداً إلّا عندك.
هذه هي الحياة التي نهجم عليها كما هجَمْتَ على وردة الشبّاك وأكلتَها.. ولكنها تأكلُنا!
***
*”اللواء”…



